مجلة الرسالة/العدد 65/مصطفى كمال سيرة حياته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 65/مصطفى كمال سيرة حياته

مجلة الرسالة - العدد 65
مصطفى كمال سيرة حياته
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 10 - 1934

2 - مصطفى كمال سيرة حياته

للكاتب الإنجليزي ارمسترونج

تلخيص وتعليق خنفي غالي

وفي ذلك الحين لم يكن يسمع في موناستير سوى صفير الرصاص ودوي المدافع، ولم يكن يرى فيها سوى جحافل الجيوش المتأهبة لمقاتلة اليونان الذين استولوا على كريد، وكان الجو يضطرب بإشاعة الحرب واقتراب ساعة الخطر على الإمبراطورية، وأخذت نسور أوربا تتأهب للانقضاض على الجثة محاولا كل منها أن يظفر بنصيب الأسد. أما في داخل الإمبراطورية فهناك فقر مدقع، وبؤس ملح، وحكم فاسد، واستبداد خانق، أضحت معه حياة الأتراك حلما مروعا وكابوسا ثقيلا، إذ سلب السلطان عبد الحميد الأتراك أمنهم وحريتهم، فنشر عيونه في كل مكان، وألقى بالأتراك في أعماق السجون. فعم الذعر وساد القلق كل الناس، ونادى الشبان بالإصلاح، واضطرمت النفوس بالثورة، ولا سيما في بلاد البلقان حيث يوجد مستودع البارود على وشك الاشتعال عاجلا أو آجلا وكان الشاب مصطفى قد هضم كل الأفكار الحديثة الشائعة في أوربا في ذلك الحين وتشبع بها فخالطت لحمه ودمه، فكان إذا تأمل حالة وطنه وما يقاسيه من ألوان العسف والإرهاق إلى مرجل قلبه ومني نفسه أن يكون على راس ثورة تقتلع الاستبداد من اساسه، ويكون هو بطلها البارز وسيدها المطاع، وهكذا تتجلى عظمة بطلنا في حساسية نفسه الكبيرة التي تأبى أن يطمئن له بال أو يهدئ له ضمير حتى يتحقق مثله الأعلى وغرضه الأسمى في الحياة.

وفي أيام العطلة كان يذهب إلى سالونيك لزيارة أمه، ولكنه كان ينأى جهد استطاعته عن الحياة المنزلية، وظل الصفاء بينهما حتى تزوجت، أنكر عليها الزواج ولم يرتح إليه وصارحها بهذا، فتشاجرا وحل بينهما بعض الجفاء.

وقد تعلم إبان إقامته في سالونيك مبادئ اللغة الفرنسية بمعونة الرهبان الدومنيكان، فتعرف إلى شاب يكبره قليلا يدعى فتحي كان حييا أنيس المحضر، وكانا يقران معا في شغف شديد أدب روسو وفولتير وبعض الكتاب الفرنسيين كما قرأ كتب استوارت مل وهبز في الاقتصاد، وكان بطلنا لا ينئ عن حث الطلبة على إنقاذ الوطن من استبداد الخليفة ومطامع الدول الأجنبية كما كان يكتب وينظم القصائد النارية متغنيا بجمال الحرية، وصاحبه التوفيق في مدرسة موناستير كما صاحبه من قبل في مدرسة سالونيكا، وكتب أساتذته عنه انه (شاب متقد الذكاء عسير النفس تستحيل مخالطته) وبعد أن أتم دراسته أرسل إلى المدرسة الحربية بالأستانة برتبة ملازم ثان، وهناك انغمس في حياة الإثم والفجور من لعب القمار ومخالطة النساء، ولم يعرف عنه انه احب إحداهن ذلك الحب الأفلاطوني النبيل، بل كان يقبل عليهن إقبال النحل على الزهرة يمتص رحيقها ويتركها ذاوية ذابلة، وقد انصرف فجأة عن هذه الحياة واقبل على عمله بجد ونشاط، ووفق فيه توفيقا بالغا يعزى قبل كل شي إلى تعويله على نفسه واعتماده على مجهوده، وقد جاز كل امتحاناته بتفوق باهر، ورقي إلى رتبة كبتن سنة 1905، وكان يمزج السياسة بعمله دائما، وقد ألفى نفسه في الاستانه بين ضباط صغار يقاربونه في السن ويضطرمون بالثورة على استبداد الخليفة وتدخل الدول الأجنبية. وكان أساتذتهم بالمدرسة يعطفون عليهم ويتغاضون عما يفعلون، ولكن لا يجرؤون على قيادتهم ومظاهرتهم.

وكان لهؤلاء الضباط بالمدرسة جمعية تدعى جمعية الوطن تلقي الخطب وتذيع النشرات مهاجمه فيها نظام الحكم وأخلاق الموظفين واستبداد الخليفة ورياء رجال الدين، بل لم يخل الدين نفسه من مطاعنها لحيلولته - كما كانوا يعتقدون - دون التقدم والارتقاء، فضلا عن فساد النظم المؤسسة عليه، وقد تعاهد أعضاؤها على تقويض حكومة الخليفة واستبدالها بحكومة دستورية، وإنقاذ الناس من كابوس رجال الدين، وتحرير المرأة من عبوديتها. والواقع أن تركيا في ذلك الحين كانت تحتضر، وما كانت الحياة لتعود إليها إلا إذا لقحت بدم نقي جديد، وقد انخرط الشاب مصطفى في سلك أعضائها، واخذ يكتب في نشرتها مقالات نارية وشعرا ملتهبا، ويلقى في اجتماعاتها خطبا لاذعة، ولكن السلطان عبد الحميد لم تكن لتخفى عليه خافيه، فعلم بأمر الجمعية من جواسيسه المنبثين في كل مكان، وجزع جزعا شديدا إذا رأى فيها نواة عمل سينتهي بثل عرشه. فخاطب أحد أعوانه المدعو إسماعيل حقي، وتحدث هذا بشأنها إلى ناظر المدرسة الحربية بالاستانة، فحرم الناظر عقد اجتماعاتها، ولكن لم يفت هذا في عضد أعضائها الثائرين، فاخذوا يعقدون اجتماعاتها في الخارج، وأضحت إحدى تلك الجمعيات السرية المنتشرة في الأستانة تعمل على هدم الظلم ومحو آثاره.

وبعد أن جاز مصطفى الامتحان بمدرسة الأستانة أستأجر غرفة لتكون مكتبا للجمعية تطبع فيه نشراتها، وكان الأعضاء يجتمعون في منازل خاصة يأتون إليها خفية يترقبون، وقد ارتاح بطلنا إلى هذه الحياة لتأصل حب المغامرة في نفسه واستقراره في طبعه، واخذ يتعلم أساليب الجمعيات الثورية ونظمها، ولكن عيون عبد الحميد لم تال جهدا في مراقبة هذه الجمعية وتضييق الخناق عليها ليفاجئوا الأعضاء متلبسين بالجريمة، ولم يكن هذا بالعسير عليهم، إذ كان الأعضاء ينقصهم الدراية بأساليب هذه الجمعيات، وان لم تعوزهم الحماسة والشجاعة.

واستطاع أحد الجواسيس أن يتسلل إلى الجمعية ويتصل بها، وازدادت على توالي الأيام ثقة الأعضاء به واعتمادهم عليه، فتمت خديعته لهم وجازت حيلته عليهم؛ وبينما هميقسمون قسم الجمعية في يوم من الأيام إذا برجال البوليس السري يفاجئونهم ويقبضون عليهم، فزج مصطفى وسائر الأعضاء في السجن الأحمر بالاستانة، وكان بطلنا من بينهم مثار الريب والمخاوف، واعتبر في عداد الخطرين على النظم القائمة، فعزل عن زملائه في مكان قصي، وتراءى له المستقبل مظلما قاتما، إذ لو بدا لعبد الحميد انه نظير خطر عليه لاختفى من الحياة كما اختفى أمثاله من قبل كوميض البرق.

وقد راع الأم الحنون مصير ابنها، فأسرعت يحدوها الأمل والخوف لزيارته، فأبوا عليها ذلك ولم يسمحوا لها إلا بإرسال بعض النقود إليه، ومضت على حاله هذه أسابيع نقل بعدها إلى (زنزانة) ضيقة مظلمة قذرة لا ينفذ إليه فيها إلا قبس ضئيل من النور من كوة صغيرة، فاثر هذا السجن الموحش في نفسه ابلغ تأثير، وزاد خلقه غلظة ووحشية.

وفي يوم من الأيام اقتيد من غير إنذار إلى مكتب رجل من رجال العهد القديم ومن أنصار عبد الحميد المقربين هو إسماعيل حقي باشا، فاخذ الرجل يديم النظر في ملامحه، ثم قال له: (لقد أظهرت مقدرة فائقة وكفاءة ممتازة، وأمامك مستقبل باهر ينتظرك في خدمة صاحب الجلالة، ولكنك من جهة أخرى شنت نفسك ولوثت شرفك الحربي، فخالطت أسوأ الخلان، وأخذتم تقامرون وتشربون وتختلفون إلى الأمكنة الموبوءة، أشنع هذا واشد نكراً انك نكثت عهد الإخلاص لمليكك، فزججت بنفسك في موج السياسة، وظاهرت الدعاية الخائنة ضده، وحرضت زملائك على احتذاء مثالك، والاقتداء بك، ولكن جلالة الخليفة قد وسعتك رحمته وشملتك رعايته ومغفرته إذ رآك شابا احمق، لعلك قد انقدت لهواك من غير تبصر أو تقدير للعواقب، فاختارك للذهاب مع فرقة الفرسان إلى دمشق، ويتوقف مستقبلك على ما يعلم من مسلكك، ولكن عليك أن نتجنب هذا الحمق وتتوفر على أداء واجباتك الجندية، وخذ لنفسك الحذر فانك لن تحظى بفرصة أخرى)

وفي نفس الليلة رحل في سفينة إلى سوريا بدون أن يسمح له بروية أمه أو أصدقائه، وبلغ بيروت بعد سفر شاق، فامتطى جواده وعبر به جبال لبنان حتى انضم إلى الفرقة في دمشق فوجدها تتأهب للزحف على الدروز المقيمين بجنوب دمشق والذين كانوا دائمي الثورة على الدولة العلمية، وقد كانت هذه الغزوة أول تجربة لنشاطه ولكنها لم تكن ترضى الجندي النظاميإذ كانت بلاد الدروز عبارة عن جبال مجدبة تتقاطع مع وديان ضيقة عميقة لا ماء فيها ولا طريق معبد، وكان الدروز قوما أقوياء الشكيمة صعاب المراس دارسين كل شبر من ارضهم، ومضت الأيام بين الفريقين في كفاح غير مثمر، إذ لم يستطع الأتراك الظفر بأعدائهم، فاحرقوا قراهم ودمروا حقولهم وعادوا القهقرى إلى دمشق لهجوم فصل الشتاء ببرده القارس وجوه المكفهر المظلم، وهناك اخذ بطلنا الثائر يعد العدة لإنشاء فرع لجمعية الوطن، ولم تغير الأيام السود التي قضاها في سجن الأستانة منه شيئا، ولم تضعف نفسه القوية، ولم تلن قناته الصلبة، ولم ترد قلبه الكبير عن غرضه، إذ كان مصطفى ثائرا على كل شيء: على الدين والناس والنظم والتقاليد، ولم يكن لشيء ما في نفسه حرمة أو قداسة، ولكنه كان يجمع إلى حماسة الشباب حذر الشيوخ ونظرهم البعيد، وكان قد هجر الأدب لما وجده مدعاة للشك، مجلبة للتردد موجبا للخطأ لما بين الحكمة النظرية والحكمة العملية من تناقض، واقبل على درس أساليب الثورة ووسائلها، وقد وجد التربة صالحة للبذر. فصغار الضباط مضطرمون بالسخط، ورؤساؤهم يعطفون عليهم ويميلون إليهم، وقد وجد مصطفى من بينهم زميلاً قديما له، فاتخذ منه نصيرا ومعيناً له في عمله، وسرعان ما اشتد ساعد الجمعية وتكاثر عدد أعضائها، واخذ بطلنا يشعر بمكانته وخطره، ولكن سرعان ما فطن إلى خطئه وعاد إلى صوابه، فعلم أن أهل البلاد ليسوا متهيئين لقبول دعوته، وان كان ضباط الحامية التركية متأهبين لتلبيتها وإبرازها إلى حيز العمل.

وقد أرسل إليه أصدقاؤه يخبرونه بان البلقان هي مهد الفتن والقلاقل، وان عليه أن يسعى لنقله إلى سالونيك ليضمن نجاح حركته وانتشار دعوته، فاعتزم تنفيذ ما أشاروا به عليه، سواء أجابته الحكومة إلى طلبه أم أبته عليه، وكان صاحب شرطة يافا عضواً بجمعية الوطن، فاتفق معه على كتمان وجهته، وحصل على الجازة بضعة أيام رحل خلالها إلى يافا وأبدل اسمه واتخذ له لباساً مستعاراً، فاستطاع أن يعبر البحر منها إلى أثينا، ثم إلى سالونيك حيث ألفى السخط والقلق يساوران كل النفوس، وهناك اعتكف في منزل أمه، ووجد أن الجو صالحاً لإبلاغ رسالته، إذ كانت سالونيك قلب الحركة ومهد الثورة، فاخذ يتعرف بمعونة أمه وأخته إلى صغار الضباط من زملائه القدماء، وطلب نقله إلى سالونيك ليتسنى له الإشراف على تنفيذ خطته، ولكنه قبل أن يخطو خطوة أخرى صدرت من الأستانة الأوامر بالقبض عليه فعمل حكمدار سالونيك على خلاصه، فنبهه إلى الخطر المحدق به واخبره أن أمر القبض سينفذ بعد يومين، وعليه أن يتأهب للرحيل، فعاد مصطفى بطريق البحر إلى يافا وكانت أوامر القبض عليه قد سبقته اليها، ولكن لحسن طالعه قيض الله له كبير الشرطة في يافا، وكان عضوا بجمعية الوطن، مهد له سبيل الفرار إلى غزة، وأراد أن يحكم الحيلة لتجوز على حكومة الأستانة، فكتب إليها يطلب أن تزوده بتعليمات أوضح وأدق عن مصطفى كمال، ويقول إن ما وصل إليه منها فيه كثير من الخطأ، لان مصطفى كمال كان طوال المدة السابقة مقيما في غزة، ولم يبرحها إلى سالونيك، وصادق على مفيد لطفي الضابط بغزة.

وهنا تظهر حكمة بطلنا ونظره البعيد. فقد رأى انه لو وقع في يد عيون الخليفة مرة اخرى، لما رأى نور الحياة بعد ذلك لحظة واحدة، فاعتزل الحياة العامة زهاء عام، ليزيل ما أحاط به من ريب وشكوك، واقبل على عمله بجد ونشاط، حتى لفت أنظار رؤسائه إليه، فاعجبوا به واثنوا عليه قائلين. انه لا يعنى بغير واجبه، وهو يؤديه على اكمل وجه، وأتم شكل، فأحسنت به حكومة الأستانة الظن، ورجحت أن جواسيس سالونيك قد ظلموه باعتباره في عداد الخطرين، ولكن خيال سالونيك لم يبرح راس بطلنا، وأنى له ذلك وفيها نذير الثورة التي يريد مصطفى أن يكون بطلها الذي يشار إليه بالبنان، وبينما هو غارق في تفكيره وتدبيره إذا به يتسلم أمر النقل إلى سالونيك وهو يكاد أن يكون له من المكذبين.

يتبع حنفي غالي