مجلة الرسالة/العدد 65/العلوم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 65/العلوم

مجلة الرسالة - العدد 65
العلوم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 10 - 1934

2 - بحث في اصل الإنسان

بقلم نعيم علي راغب

دبلوم عال في الجغرافية

استمر (بوشيه) برغم كل معارضة قامت في وجهه، ولم يتطرق إليه خمول أو تهاون، فنشر في عام 1847 كتابا عن اكتشافاته قوبل بالاستنكار، ونظر إليه الناس نظرتهم إلى مجنون. وظل على هذا الحال حتى أتى بعض العلماء الإنجليز يساعدونه عام 1858 فاختبروا صخوره وفحصوا ما وجده من عظام متحجرة، وظلوا يجادلونه ويجادلهم حتى اعترفوا وجاهروا - بعد التثبت والاقتناع - أن هذه الصخور من عمل الإنسان وتشكيله. وهكذا ثبت أن الإنسان كان موجودا في وادي نهر السدم بفرنسا عندما كان المدرج الموجود الآن على ارتفاع 10. قدم مكونا مجرى النهر في ذلك الوقت حيث كانت تعيش أنواع غريبة من الحيوانات؛ وبذا يفتتح العالم أول باب لتاريخ حياة الإنسان في المدرجات.

وعندما عاد العلماء الإنجليز إلى بلادهم وجدوا في مدرجات نهر التيمس نفس الصخور النارية او وعظاما متحجرة تماثل تمام التماثل تلك العظام التي وجدت في نهر السدم. وبذلك بدأ باستخدام حفريات الأنهار لمعرفة تاريخ الإنسان القديم منذ مائة عام تقريبا، ولكنها لم تتحول إلى فن صحيح ذي قواعد إلا في السنوات الأخيرة.

سبق لنا أن تتبعنا تاريخ الإنسان القديم مما وجده الباحثون في الكهوف، وسنحاول الآن أن نرى ما قد تكشف لنا عنه هذه المدرجات. وفي الشكل (2) ترى مثلا عاليا لتتابع المدرجات، ومن الطبقات السطحية للمدرجات السفلى نجد شواهد الكهوف نفسها ونفس الأدوات الحجرية عينها، بل وهياكل أنواع الحيوانات البائدة والعنصر الإنساني الذي كان سائدا في ذلك الوقت. تأتى بعد ذلك مدرجات احدث من الأولى تكونت في عصور متتابعة هي: سولتريان واورجنتيان وماجدالينان وموستريان وهو العصر الذي يقع قبل عصر الجليد مباشرة، وبدا نصل إلى عصر غمرت فيه الثلوج القارة الأوربية، وفي هذه الفترة يقع عصر أطلق علية اسم اشيوليان ومن عصر الموستريان حتى الآن تقع فترة يبلغ طولها 4. ألف سنة. وليس هناك أدنى شك في انه كلما اتسع أفق العلم أمامنا وازدادت الأبحاث أمكننا تقسيم فترات ما قبل التاريخ إلى حلقات متتابعة - وفي هذه الفترة نجد أنواعا من فؤوس - صنعت من الصخر الناري، عليها اثر الصنع بل والاستعمال. وإذا أنعمنا النظر في المدرجات عدنا إلى البقايا القديمة للعصر المسمى شيليان وهو السابق المسمى اشيليان امتياز بزيادة دفء جوه عن جو العصر الجليدي. وفؤوس هذا العصر كبيرة نوعا ما عن فؤوس عصر الاشيليان. ونحن إذا قدرنا لها مدة ليسفيها مبالغة وهي 4. ألف سنة، فإننا نصل إلى فترة من فترات تطور الإنسان تبعد عنا بنحو 12. ألف سنة. ويأتي قبل عصر الشيليان عصر لا يسعنا لجهلنا به إلا أن نسميه ما قبل عصر الشيليان - وقد وجدت اثار تدل عليه على عمق 10. قدم في مدرجات نهر التيمس بإنجلترا، ومن هذه الفترة نصل إلى بدء عصر البلشتوسين

ولهذا العصر أهمية خاصة عند الباحث في تطور الانسان، اذ انه في فجر هذا العصر أخذت الحيوانات شكلها الحالي، وتطور الإنسان تطوره الأخير الذي جعل له من الخصائص ما يمتاز به اليوم من سائر المخلوقات. وبابتداء هذا العصر يمكن القول بان العالم الحي اخذ شكلا جديدا من مظاهر التطور الحديث، ولذلك فان علماء الحيوان يضعونه في المرتبة الأولى من فترة حديثة لتاريخ الإنسان أطلقوا عليها اسم كواترناري ولسنا نعرف متى بدأت هذه الفترة، ولو أن بعض العلماء قدر لها مليون سنة، إلا أننا لا نبالغ في التقدير إذا قلنا إن هذه الفترة بدأت من 200 ألف سنة.

ولحسن حظ التاريخ الحديث أن يصنع الإنسان الأول أدواته وأسلحته من الصخر الناري، لأنه قد مكننا من معرفة التاريخ وتتبع حركاته وأدواره حتى عصر البليستوسين بتتبع الآثار التي تركها لنا في أدواته وحاجاته. وقد وجد الباحثون القواعد التي قطعت وشكلت عليها الأدوات الصخرية، بل وجدوا عظاما من بقايا من قام بصنعها. إلا انه برغم الأبحاث المتتابعة لم يوجد إلا بقايا قردين ممن سكن أوربا في فترة البريشيليان: أحدهما سمي إنسان هيدلبرج، وكل ما وجد منه فكه الأسفل. وقد وجد في اسفل واد من أودية نهر الرين القديم مع عظام متحجرة من عظام نوع من الحيوان كان عائشا في أوربا في الفترة الأولى من عصر البليستوسين، وكان معاصراً لإنسان هيدلبرج. ولقد لوحظ أن الفك خشن كبير واصلب من أي فك لأي عنصر من العناصر المعروفة؛ أما نظام أسنانه فانه يماثل تمام التماثل نظام أسنان القردة، إلا أن الأنياب الحادة البارزة في قرد الانسترويد قد انخفضت واستوت هنا مع باقي أسنان الفك عند إنسان هيدلبرج.

وأما القرد الآخر الذي كشف عنه ومر ذكره بك، فقد عرفنا عنه معلومات تزيد كثيرا عما نعرفه عن إنسان هيدلبرج، كان يسكن أوربا في عصر ما قبل الشيليان - وقد وجدت بقايا من عظامه المتحجرة في جهة بلتداون بإنجلترا، ولذلك سمى باسمها إنسان بلتداون ولنا من البراهين القوية ما يثبت ان هذه الجهة اقدم بكثير من الجهة التي وجد بها فك إنسان هيدلبرج. ولذلك فإننا نرجح ان يكون الحلقة الإنسانية التي سبقت إنسان هيدلبرج بما فيها من تطور. ويرجع فضل الكشف عن هذا الإنسان إلى الأستاذ شارلس داوسون الذي كان محاميا في ليوس ثم تفرغ لدراسة جيولوجية منطقة حيث وجد هذا الإنسان.

في عام 1908 قبل أن يموت ذلك الأستاذ مأسوفا عليه ممن قدر قيمة شفه ممر على طريق جديد قد رصف بنوع من الصخور النارية التي لم يكن قد رآها من قبل، ولكنه كان يعرف إن هذا النوع كان يستعمله الإنسان القديم في صنع أسلحته وأدواته، ولذلك اخذ يستعلم عن مصدر ذلك الصخر حتى علم انه يستورد من منخفض في وسط مزرعة على حدود ولما كان يتردد كثيرا على هذه الجهة فانه عقد أواصر الصداقة مع عمالها، وبمساعدتهم حصل بعد سنوات قلائل على لوح سميك من العظم اشتبه في أن يكون جزءا من جمجمة إنسان قديم. ولكنه لم يتمكن من الحصول على باقي الجمجمة إلا حوالي سنة 1911.

ثم قام بعد ذلك هو والسير ارثر سميث وودوارد بالحفر في هذه المنطقة، فوجدا بقايا أخرى من هيكل الرجل الذي وجدت جمجمته، ووجدا أيضاً هياكل متحجرة لحيوانات قديمة بائدة، وبقايا أدوات وأسلحة غالبها ينتسب إلى عصر ما قبل شيليان - ومنها ما يمت إلى عصر اقدم من ذلك وهو عصر

وأمكن بعد ذلك معرفة حجم الجمجمة وشكلها، وتخيل شكل لها قبل التحلل والتكسير، ثم بواسطة صب عجينه من المصيص داخلها أمكن معرفة حجم وشكل المخ الذي كان يسير سكان العالم الأول خلال صعاب الحياة. وقد لوحظ أن حجم مخ البلتداون يرتفع عن المستوى المقدر للأجناس المنحطة من العناصر الإنسانية، إلا انه من جهة أخرى يبتعد كل البعد من مميزات الجنس الحديث.

أما تلافيف المخ فقد لوحظ أن هناك شبها كبيرا بينها وبين الإنسان بعكس إنسان النياندرتال الذي يشبه مخه مخ القرد. مع أن تكوين وجه إنسان البلتدون يقربه كثيرا من القردة.

وأما نصف الفك فهو عجيب حقا، لأنه قد وجد انه وتركيب السنان فيه يمتان إلى القردة تماما، وان شكل الأنياب عنده لا يختلف عن شكلها أبداً عند صغار القردة. وهذا الفك يشبه تمام الشبه فك الشمبانزي مع انه في إنسان هيدلبرج برغم كبر حجمه كبرا غير متناسب مع الإنسان الحديث، لا يختلف في شي كثير عن فك الإنسان العادي المعروف لدينا جميعا.

وبذلك نرى أن إنسان البلتدون يصل بنا إلى درجة أو عصر لم يكن قد تغير فيه شكل رأسه أو أسنانه عن شكلها عند القردة إلا قليلا، وبمعنى آخر أن التطور والارتقاء قد حدثا عنده في المخ وقوى التفكير، قبل أن يحدث في شكله العام وعلى الأخص شكل وجهه بفكه وأسنانه.

ونحن إذا خامرنا الظن أو الشك في نشأة النوع الإنساني، وجال بنا الحدس انه قد انحدر من عنصر أولي منحط يشبه القردة إن لم يكن منها بالذات، فانه يلزمنا أو يلزم من يقول بذلك البرهنة على صحة هذا الظن أو ذاك القول.

ولذلك نظن ظنا كافيا أن نقول تدليلا على صحة ذلك أن العلماء حينما كانوا يبحثون عن اصل الإنسان الجيولوجي قد وجدوا انه في منطقة بإنجلترا كان يعيش عنصر إنساني قديم جدا جمع في جسمه وعقله صنعة الإنسان المعروف، وفي وجهه وفكه شكل القردة وصنعتها.

وربما اعترض معترض علينا في ذلك بأنه ربما كان يسكن هذه المنطقة من إنجلترا نوع منحط من الإنسان وعنصر راق من القردة أو الشمبانزي، وان الجمجمة التي بنيت عليها الأبحاث، وجاءت هذه النظرية نتيجة لها، لم تكن جمجمة قرد واحد، بل مجموعة أو خليط من جمجمة إنسان وجمجمة قرد انحلتا واختلطا بعد التحلل!.

إلا لن ذلك الاعتراض يمكن الرد عليه بقولنا إن الأجزاء التي تجمعت وتكاملت أجزاؤها مكونة جمجمة كاملة تتكامل أجزاؤها تمام التكامل، وتتفق كلها في المقاييس المقدرة لها، كما أنها من نوع قد تحجر في وقت واحد، وهذا كله لا يمكن القول بأنه وليد المصادفة، وبذا يثبت أن الجمجمة هي لفرد واحد هو إنسان البلتداون. وقد بلغ اهتمام السير ارثر سميث وودوارد بهذا العنصر الإنساني الجديد الشبيه بالقردة مبلغا كبيرا حتى انه اعتبره عنصرا إنسانياً لم يكن معروفا قبل اكتشاف بقاياه في وأطلق عليه اسم الإنسان الأول أو

يتبع

نعيم علي راغب

دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافية