مجلة الرسالة/العدد 648/من محاسن التشريع الإسلامي

From ويكي_مصدر
Jump to navigation Jump to search

مجلة الرسالة/العدد 648/من محاسن التشريع الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 648
من محاسن التشريع الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 12 - 1945


للأستاذ حسن أحمد الخطيب

- 8 -

تتبعه بواعث العمل ونية العامل

لا يقتصر التشريع الإسلامي في أحكامه على أعمال الإنسان الظاهرة، وارتباطها بغيره، ولا يكتفي بأثر التشريع الدنيوي، ولا بالحكم المنصوص عليه في القانون الواجب التطبيق في الظاهر

كما هو الشأن في القوانين الوضعية عامة - بل يتتبع بواعث العمل ونية العامل، فيحكم عليه حكما أخروياً، يناسب النبات، والبواعث الباطنية من مثوبة، أو عقوبة أخروية، وهذا شأن التشريع الكامل الذي يقصد إلى الإصلاح الحقيقي المؤدي إلى إصلاح القلوب. وتهذيب النفوس، فتجري المعاملات بين الناس على أساس صالح من مراعاة العدل والحق.

إنه بذلك يجعل الإنسان - في كل ما يصدر منه - تحت رقابتين: الخشية من الله والضمير، ثم الخشية من أحكام القانون؛ ولتوضيح ذلك نذكر - على سبيل المثال - أن عقد الزواج له حكمان إذا وقع مستوفياً أركانه وشروطه:

أحدهما: أثره المترتب عليه، وهي تلك الحقوق والواجبات التي تثبت لكل من الزوجين على الآخر.

وثانيهما: وصفه الشرعي الذي يرجع إلى نية العاقد، والباعث له على الزواج، قد يكون هذا الزواج حراماً، يعاقب المتزوج عليه في الآخرة إذا تيقن ظلمه لزوجته، أو نوى بزواجه الإساءة إليها، أو قرباها، لأن الزواج إنما شرع لتحصين النفس وبقاء النسل، وتحصيل الثواب، وهو بالجور يرتكب المحرمات فتفوت المصلحة التي من أجلها شرع الزواج لرجحان المفاسد الناجمة من الجور عليها. وقد يكون فرضاً، يثاب فاعله، ويعاقب تاركه إذا كان الزوج مع قدرته على واجبات الزوجية يتيقن الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج، ويكون سنة مؤكدة حال الاعتدال، فيأثم بتركه، ويثاب إن نوى تحصيناً وولداً

أتساع باب التعزيز فيه من أبين الدلائل، وأقوى الحجج، وأسطع الآيات على أن الشريعة الإسلامية سمحة موطأة الأكتاف، خصبة، أقرت حرية الرأي والاجتهاد في التشريع، ما روعيت أصوله، وتحققت دعائمه وشروطه - اتساع باب العقوبات وتعدد وجوه التعزير فيها: فإن العقوبات إن كان مقدرة من الشارع على الجرائم المجترحة سميت حدوداً، وهي التي وردت في التشريع القرآني في حد الزنا والقذف والسرقة وقطع الطريق.

أما إذا كانت غير مقدرة فهي التي تسمى تعزيراً، فهو تأديب بعقوبة غير مقدرة من الشرع، ويجب بارتكاب معصية من المعاصي التي لا حد لها، كشهادة الزور، وإيذاء مسلم أو ذمي بقول أو فعل، ومنه سب المحصن بغير الزنا، والنظر إلى الأجنبية والخلوة بها، وسرقة ما لا قطع فيه.

وتقدير العقوبات على المعاصي والمحرمات. أو ترك الواجبات التي لم يرد في النصوص الشرعية عقوبة معينة لها - يرجع إلى اجتهاد الأئمة وأولي الأمر في كل زمان ومكان، وتختلف باختلاف أحوال الجرائم، وكبرها وصغرها، وبحسب حال المذنب نفسه، ولذلك كان التعزيز من أوسع الأبواب في الشريعة الإسلامية، واختلف المجتهدون فيه، وفي تحديد عقوباته اختلافاً كثيراً.

والتعزير منه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، وقد يكون بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله على رأي مالك وبعض أصحاب أحمد، واختاره ابن عقيل، ومثل ذلك التعزير بالعقوبات المالية: فإنه مشروع في مواطن مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي، وجاءت السنة عن رسول الله ﷺ، وعن أصحابه بذلك من مواضع، منها أخذه شطر مال مانع الزكاة، ولإضعافه الغرم على سارق مالا قطع فيه، ومثل تحريق عليّ المكان الذي تباع فيه الخمر، وتحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية - قال ابن رشد في كتاب البيان: لصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبر أو عسل، أو غير ذلك من السلع بما ذكره أهل العلم في ذلك، فقد قال مالك في المدونة إن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض تأديباً لصاحبه، وقد روى عن مالك أن المستحسن عنده أن يتصدق به إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه، ونفع الفقراء بإعطائهم إياه ولا يهراق.

ولأن التعزير راجع إلى اجتهاد الفقهاء - اختلفوا فيه على أقوال أربعة:

الأول: أنه لا يزاد فيه على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره.

الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما أربعين. وإما ثمانين، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد

الثالث: أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها، فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف - حد القذف. وهو قول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي.

الرابع: أنه بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، فيجهد فيه ولي الأمر، ويبدو لنا أنه أعدل الأقوال، وأولاها بالقبول

ومع سعة التشريع الإسلامي ومرونته، وتركه تقدير العقوبات على الجرائم للاجتهاد بحسب المصلحة، واختلاف الأزمنة والأحوال - فيما عدا الحدود - تجرأ بعض الولاة والحكام. وكثير من الحكومات الإسلامية في عصور مختلفة، وفي عصرنا هذا على وضع القوانين مقتبسة ومأخوذة من القوانين الأوربية متوهمين أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، ولا بسياسة الأمة، فتعدوا حدود الله وخالفوه في كثير من أحكامه وأوامره، وهو خطأ - لعمر الحق - عظيم، فإن الله تعالى أوجب على الحكام القيام بالقسط مع مراعاة ما بينه من كليات الشريعة، ومبادئها وأصولها، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، وبأي دليل صحيح كان، كما قال ابن قيم الجوزية، فليتدبر هذا أولو الأمر من الحكومات والعلماء. وليعلموا أن الشريعة الإسلامية تسع كل ما يقر العدالة، وينشر ظلالها على الناس، فوجب جعلها الدعامة الأولى، والأساس الأول في تشريع القوانين، مدنية كانت أو جنائية من غير أن نحظر في الأحكام الاجتهادية الاقتباس من القوانين الحديثة. مما يناسب أحوالنا وأخلاقنا، ولا يخالف أصول شريعتنا. والله الموفق للسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد (يتبع)

حسن أحمد الخطيب