مجلة الرسالة/العدد 647/الوعود الثالثة في تاريخ فلسطين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 647/الوعود الثالثة في تاريخ فلسطين

مجلة الرسالة - العدد 647
الوعود الثالثة في تاريخ فلسطين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 11 - 1945


وعد الله - وعد قورش - وعد بلفور

هل التاريخ يعيد نفسه؟

للأستاذ عيسى السفري

إذا وقع حدث تاريخي هام، ثم تكرر وقوع هذا الحدث، أو ما

يشبهه بعد مدة من الزمن قالوا: (إن التاريخ يعيد نفسه)

ومن يراجع التاريخ، قديمه وحديثه، يجد إن الوعود الثلاثة التي حصل عليها اليهود بالعودة إلى فلسطين كانت كلها متشابهة بأسبابها ونتائجها.

فهل كان ما حدث من قبيل الصدف؟. أم أن هناك عوامل غائبة جعلت التاريخ يعيد نفسه ثلاث مرات متوالية؟.

هذا ما تجد الجواب عليه في البحث التاريخي الآتي:

1 - وعد الله

(1) تمهيد: اليهود قبيلة سامية هاجرت (بزعامة إبراهيم) من أور الكلدانيين في العراق سنة 1921 ق. م بضغط من سكانه وتوطنت فلسطين أرض الكنعانيين، ولكن الكنعانيين قاوموهم وأجاعوهم فاضطروا للهجرة إلى مصر. واضطهدهم المصريون بدورهم وأذلوهم فأجبروهم على العودة إلى فلسطين يقودهم موسى النبي. وكان ذلك سنة 1191 ق. م

وتاه بهم موسى في بر سيناء أربعين سنة ليقضي على جرثومة الذل التي تأصلت في نفوسهم، ويجعلهم مستعدين لفتح فلسطين. وعبثاً كانت محاولته هذه، فقد تمردوا عليه وأبوا أن يدخلوا فلسطين، ذلك بان فيها قوماً جبارين (هم الفلسطينيون)

(يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فان يخرجوا فإنا داخلون. . .)

(قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك إنا ههنا قاعدون) وهكذا اضطر موسى أن يذهب بهم إلى فلسطين عن طريق الجنوب الشرقي ليتحاشى بأس الفلسطينيين سكان الساحل. وصعد موسى إلى جبل تبو قبالة أريحا فأراه الرب أرض فلسطين وقال له:

(هذه هي الأرض التي اقسم لإبراهيم واسحق ويعقوب قائلا لنسلك أعطيها، قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر)

2 - وعد الله

ومات موسى، فتسلم يشوع بن نون القيادة من بعده. ونفذ (يهوه) وعده على يد يشوع. وفيما يلي نص هذا الوعد:

عبدي يشوع

قم الآن واعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم أي لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات. تشدد وتشجع لأنك أنت تقيم لهذا الشعب الأرض التي لآبائهم أن أعطيهم

في الشهر الأول من السنة 2554 للخليقة (. . .)

فكان هذا أول وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين.

وكانت أوامر يشوع لجيشه، عندما فتح أريحا، شديدة قاسية، فقد حرموا كل ما في المدينة من رجل وامراة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما فيها

وهذه القسوة الوحشية في الفتح جعلت الكنعانيين وغيرهم من السكان يحقدون على اليهود الغاصبين، ويتربصون الفرص للإيقاع بهم. ومن حسن حظ اليهود، لا بل من سوء حظ فلسطين، أن كان الكنعانيون في أواخر مجدهم وسلطانهم، فمكن ذلك اليهود من الاستقرار إلى حين في فلسطين.

على أن استقرار اليهود في فلسطين لم يزد على 645 سنة، كانوا خلالها عرضة لغزوات أهل البلاد، الكنعانيين في الداخل والفلسطينيين في الساحل. ثم دب الخلاف بينهم فانقسموا إلى فئتين: مملكة إسرائيل وقصبتها السامرة (نابلس)، ومملكة يهوذا وقصبتها أورشليم (القدس) ولم تتعد حدودها هاتين المملكتين المنطقة الجبلية في فلسطين كلها. . .

ولم يفعل اليهود المستقيم عيني الرب، فتركوا عبادته وعبدوا تماثيل مسبوكة للبعليم وذبحوا لها. حتى أن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم، ونجسوا بيت الرب لذي قدسه في أورشليم، وكانوا يهزئون برسل الله، ورذلوا كلامه، وتهاونوا بأنبيائه، وأساءوا إلى الله الذي أحسن إليهم الإحسان كله!. . . وهو الذي أخرجهم من أرض مصر من بيت العبودية، وأنزل المن والسلوى، وجعلهم أمة من الأمم.

وكانت أعمال اليهود المنكرة مثاراً لغضب الله. فأظهر شمنآصر ملك أشور على مملكة إسرائيل سنة 721 ق. م فأبادها وسبى شعبها إلى مملكته. كما أظهر نبوخذ نصر ملك بابل (بعد ذلك) على مملكة يهوذا سنة 588 ق. م فأبادها وقتل مختاري اليهود بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى أو عذراء، أو شيخ أو أشيب. وأحرق بيت الله وهدم سور أورشليم، وأحرق جميع قصورها بالنار، وأهلك جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل، فكانوا له ولبنيه عبيداً. . .

وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.

وهكذا كانت إرادة الله باليهود الذين اختارهم (كما تقول التوراة) من دون شعوب الأرض ليكونوا شعباً له مختاراً، وبإرادته هذه انتهى الفصل أقاول من رواية الوطن القومي اليهودي في فلسطين!

2 - وعد قورش

دام السبي البابلي مدة 70 سنة. ثم ورث قورش ملك الفرس إمبراطورية الكلدانيين، فاخذ اليهود ينوحون ويبكون، يرجون ويستعطفون، ويطلبون العودة إلى فلسطين!.

ولسياسة موضوعة. . . سار قورش المجوسي من المؤمنين بإله إسرائيل!. . . فأطلق نداء في كل مملكته، في السنة الأولى لملكه، فقال:

(إن الرب اله السماء قد أعطاني ممالك الأرض، وهو أوصاني أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا. من منكم من جميع شعبه الرب معه وليصعد

ومات قورش فخلفه أرتحشستا، وهذا ثبت وعد قورش كتابة بالتصريح الآتي وهذا نصه: من أرتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة السماء قد صدر مني أمر أن كل من أراد في ملكي من شعب إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع إلى أورشليم فليرجع، وأن يبني بيت الرب إله إسرائيل. وليعلم أن جميع الكهنة واللاويين والمغنين والنثينيم وخدام بيت الله هذا لا يؤذن أن يلقى عليهم جزية أو خراج أو خفارة

في السنة السابعة للملك (529 ق. م)

(التوقيع)

فكان هذا ثاني وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين.

عاد اليهود إلى فلسطين، بحسب منطوق هذا الوعد متحدين إرادة الله وإرادة سكان البلاد. وبنوا الهيكل ورمموا أسوار المدينة (القدس) فكانوا باليد الواحدة يعملون العمل، وبالأخرى يمسكون السلاح.

وكتب زعماء البلاد، سنبلط الحوروني وطوبيا العبد العموني وجشم العربي، إلى الملك محتجين وقائلين:

(فتش في سفر أخبار آبائك فتجد في سفر الأخبار وتعلم أن هذه المدينة مدينة عاصية ومضرة للملوك والبلاد، وقد عملوا عصيانا في وسطها منذ الأيام القديمة، لذلك أخربت هذه المدينة. ونحن نعلم الملك انه إذا بنيت هذه المدينة وأكملت أسوارها لا يكون لك عند ذلك نصيب في عبر النهر. . .

وهكذا قام أصحاب البلاد بالواجب عليهم محذرين مملكة فارس من نتائج هذه السياسة!. . .

مرت سنون، تناوب الحكم في فلسطين اليونان والرومان وظلت المدينة عاصية، بالرغم مما عمله بيلاطس النبطي (عامل رومة على فلسطين) لليهود. فقد شيد بعض الحمامات في السامرة (نابلس) وجلب الماء الكافي إلى أورشليم (القدس) من الينابيع الموجودة جنوبي المدينة: وأنشا طريقين يؤديان إلى القدس من الشمال ومن الشرق، فنشطت حركة التجارة وحركة الحجاج، وهما مورد لا يستهان به لزيادة الدخل.

وأعمال كهذه يقوم بها بيلاطس لخدمة اليهود تستحق منهم أن ينصبوا له تمثالا!. . . وفوق هذا كله فان بيلاطس التعس لم يسمح له قيصر بان تنشب ثورات عنده، وهو في الوقت ذاته ممنوع من مكافحة التحريضات التي يقوم بها اليهود في الجليل أما أشر المحرضين فلم يكونوا الكهنة ولا رجال الشرع أنفسهم، وإنما كان الشبان الكثيري الإدعاء، ممن يحضرون حطبهم ومحاضراتهم. هؤلاء هم الذين يبثون في الجمهور العادي روح التمرد والشغب إنهم يهددون رومة وفي الوقت نفسه يساومون!. . . وقد علقوا لوحات ونشرات كبيرة على أسوار (أنطونيا) كتبت عليها جمل تحريضية فيها تشهير ببيلاطس وقيصر

(5) خراب ودمار: وتمادى اليهود في تمردهم وشغبهم حتى يئست حكومة رومة من إيجاد علاج لهذه الحالة. فأرسلت (تيطي) القائد الروماني سنة 71 ميلادية، فحاصر القدس ثم هدمها وهدم الهيكل إلى أساساته. فهلك من اليهود مليون ومائة ألف نفس بالجوع والنار والسيف، ونحو 97 ألفا بيعوا كعبيد، وما عدا جموعاً لا تحصى هلكت في أماكن أخرى في اليهودية، وتم بذلك قول المسيح عليه السلام:

(يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراحمة المرسلين إليها. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً.

وهكذا كانت إرادة الله، وبإرادته هذه انتهى الفصل الثاني من رواية الوطن القومي اليهودي في فلسطين!. . .

3 - وعد بلفور

ظل اليهود بعد ضربة تيطي مشتتين في بقاع الأرض، وحل الحكم العربي محل الحكم الروماني سنة 637 م. وقد فتحوا هذه لبلاد فتحاً إنسانياً عادلا. تدل عليه الوصية الخالدة التالية:

(ولا تخونوا ولا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا. ولا تقتلوا طفلا ولا شيخاً كبيراً، ولا تقعروا نخلا وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً. وسوف تمرون بأناس قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)

وهكذا كان الحكم العربي (الذي دام مدة 880 سنة) نعمة كبرى للناس وبخاصة اليهود قلدت به أعناقهم. ثم انتقل الحكم إلى الأتراك العثمانيين سنة 1517 ميلادية، وكان العرب شركاء لهم في الحكم مدة 400 سنة

وفي سنة 1917 احتل الإنكليز فلسطين وقلم اليهود بالتجربة القاسية للمرة الثالثة. ولسياسة موضوعة. . . أصبح الإنكليز القيمين على راحة اليهود وطمأنينتهم، فأعطوهم وعداً بالهجرة إلى فلسطين هذا نصه:

عزيزي اللورد روتشلد

يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك بان حكومة جلالته تنظر بعين الرضى إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتبذل الجهود في سبيل ذلك. على أن لا يجرى شيء يضر بالحقوق الدينية والمدنية لغير اليهود في فلسطين، أو يضر بما لليهود من الحقوق والمقام السياسي في غيرها من البلدان الأخرى.

في 2 تشرين الثاني سنة 1917

اللورد بلفور

وزير الخارجية البريطانية

وهكذا اختلف الناطقون بهذا الوعد باختلاف المكان والزمان. فمن وعد ينطق به الله، إلى وعد ينطق به ملك، إلى وعد ينطق به وزير. . . وهو ثالث وعد أعطى لليهود بالعودة إلى فلسطين. .

وطمع اليهود بعد ذلك في الوطن القومي بفلسطين كلها. . . واحتج العرب أصحاب البلاد على ذلك، وأنذروا بريطانيا من عواقب هذه السياسة الخاطئة.

وازداد تمرد اليهود وتحديهم لسلطة لندن حتى اعتادوا على رجالالتها المسئولين بالقتل والإرهاب وأتلفوا الكثير من دوائر الحكومة وممتلكاتها، ونسفوا مراكز البوليس بالديناميت، وأتلفوا خطوط السكك الحديدية، وتحدوا القانون بتهريب مهاجريهم الغير شرعيين. . . واعتداءاتهم المتواصلة على رجال الأمن، دون أن يسمح لهم بأن يطلقوا النار على المعتدين حتى ولو قتل هؤلاء إخوانهم ووزعوا المنشورات التحضيرية المختلفة، فيها تشهير بحكومة فلسطين وسلطة لندن!

وكما تحدى اليهود الإنكليز وأساءوا إليهم، كذلك تحدوا العرب في عقر دارهم بالسلاح وأساءوا إليهم، وهم الذين أووهم في بلادهم وكانت إمبراطوريتهم الواسعة فيما مضى الملجأ الوحيد لهم من الاضطهاد اللاسامي الذي أثاره عليهم الغرب!. . .

والإنكليز هم الذين مكنوا اليهود في فلسطين، وألقوا مقاليدها التجارية والمالية والاقتصادية بين أيديهم. وهم الذين سهلوا لهم (بجميع الطرق) استملاك الأراضي في فلسطين لاستقرار مهاجريهم الشرعيين وغير الشرعيين فيها، ووقفت جميع أسلحتها لحمايتهم، وسخرت برلمانها لسماع أباطيلهم!. . .

وكان الواجب على اليهود أن يقبلوا اليد التي أحسنت إليهم لان أن يحاولوا قطعها، وأن يشكروا العرب جزيل الشكر على تمسكهم إلى الآن بأهداب الصبر الجميل!. . .

وما أشبه ثورة اليهود على الإنكليز اليوم بثورتهم على الرومان في الماضي. والعالم أجمع يتجه بأبصاره نحو فلسطين، ويرقب باهتمام نهاية الفصل الأخير من هذه الرواية المحزنة التي يلذ لرجال السياسة إعادة تمثيلها للمرة الثالثة!

والناس يتساءلون عن التاريخ هل يعيد نفسه؟. . . . وهل يؤدي وعد بلفور إلى نفس النتيجة التي أدى إليها وعد الله ووعد قورش؟. . .

أن النتيجة لا تزال في ضمير الزمن، والمستقبل القريب أو البعيد هو الذي سيقول، في الوطن القومي لليهودي، كلمته الفاصلة! وإرادة الله فوق الجميع!. . .

(يافا)

عيسى السفري