مجلة الرسالة/العدد 647/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 647/القصص

مجلة الرسالة - العدد 647
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 11 - 1945


نهاية الطريق

للكاتب الأمريكي: نيو بولد نوبز

بقلم السيد محمد العزاوي

هناك بين تلك الصخور التي تحث بحيرة (كومو) فتعقد حول مياهها الضاحكة سداً من ضباب، وعلى شغاف جبل يرتفع عن البحيرة بثلاثة آلاف قدم تجثم كنيسة صغيرة عبثت بها عوادي الزمن وهي تشرف على قريتي (كادنابيا) و (مناجيو). ويدور بكل ذاك محيط من جبال فارعة الذوائب سامقة القنن، تتناهى سفوحها إلى جبال الإلب العظيمة، ويبعد أقصى منازل القريتين عن الشعب الذي يطوق الجبل بميلين كاملين

وقد كان القوم يحجون في كل عام إلى الكنيسة مرة، يبتهلون فيها إلى الله أن يكلأهم بعنايته، فينزل عليهم الغيث حين الجفاف وفيما عدا ذلك فغباً ما كانت تزار

وقد كان (بلاجدن) يصعد في طريق لاحب متمعج قد امتد لامعاً في مجموعة من منازل ألبسها الماء ثياباً من زرقة صافية وكان الجو ساكناً، لا تخفق فيه نسمة من ريح، فتداعب أوراق الزيتون التي أكسبتها الشمس بريقاً فضياً بديعاً في الجبل، وكانت أشجار السرو تلقي على الهضاب ظلالها المستطيلة الوارفة، بينما كان (بلاجدن) يتقدم في طريقه صعداً شاعراً بكل ما يدور به من بدائع الحسن وآيات الجمال

وعندما بلغ الكنيسة وولج الباب وجد من بردها وظلامها حائلين يقومان من دونه، ولكنه تخطى الباب إلى الداخل ثم خطى بضع خطوات، فكان لوقع أقدامه رنين كئيب قوي يطوف كل ربوع المكان، وكان من العسير عليه، أن يتبين في تلك الكنيسة شيئاً بعد أن كانت الشمس في الخارج تغمر ما يرى، غير انه ألف الظلمة بعد قليل، وبصر في الركن البعيد بأربع شمعات موقدات، فاتجه نحوها بخطى وئيدة، بينما يقعقع تحت قدميه هذا البلاط الذي تأكله الزمان

وتجلى للناظر فوق الشموع الأربع صورة لمريم في إطار بسيط رخيص مذهب. وأدمن (بلاجدن) النظر في الصورة مأخوذاً. فقد كانت تحفة من يد صناع بارعة. إذ تجسم فيه مثال رائع من جمال أنثوي رائع. ولعل العينين كانتا أبدع ما في الصورة: كان يشع منهما بريق الإيمان والتفكير والرحمة

وكان الرسم طبيعي الحجم والخلقة؛ يتجلى في لون دخاني أزرق يوحي بالفكر ويبعث التأمل، وقد أكسبها نور الشموع المتراقص تحتها وسحراً وروعة، وانجمدت على شفتيها بسمة تأمل، فبدا الرسم في بعض الأحيان حياً. ولكن ما هذا؟ لقد انصدع صدر العذراء صدعاً، وانشق عند القلب شقاً رفيعاً مستطيلا؛ ثبت بأسفله خنجر دقيق ذو نصل رهيف

وانثنى (بلاجدن) إلى الخنجر ينزعه مفكراً، ولكن انبعث من ورائه في الظلام صوت يقول:

- أيها السيد! ما أحب لهذا الخنجر أن يمس!

والتفت (بلاجدن) وراءه رجلا، فإذا بشيخ يرتدى مسوح الرهبان، وقد هزل جسمه، وذبل وجهه، وتهدل شعره الأشيب، ولم يبق من ذلك الراهب إلا ذماء قليل وعينان مضيئتان أثارتا طلعة (بلاجدن) بتوقدهما الغريب، وأما بقية وجهه فقد كان شبيهاً بوجوه الموتى

وسأله (بلاجدن)

- ولكن لماذا؟

فخطا الراهب إلى الأمام في ذلك النور الشاحب المتراقص، ثم رمق الشاب الواقف بإزائه برهة، وتفرس فيه بعينيه الثاقبتين الباحثتين. وكأنما وجد شيئاً في ملامح ذلك الوجه كان يبحث عنه، فانطلق لسانه في نبرات حنون عجب لها بلاجدن.

- سيدي! إن لذلك قصة. فهل لك في سماعها؟

فأومأ بلاجدن أن نعم. فسارا في الظلام حتى بلغا الصف الأول من مقاعد صغيرة واطئة، وقد استوى أمامهما رسم العذراء وتواثبت عليه أضواء الشموع الأربع وظلالها؛ وبدا الخنجر في أسفله يعلوه التراب.

وشرع الراهب يتحدث، وبلاجدن ينصت، وبصره قد انتظم الرسم البديع.

(كان ذلك من أمد بعيد، حين كانتا (روزا) تعيش مع أبويها في منزل صغير قائم في مناجيو. وكانت ترعى للشيوخ عنزاتهم، فتسبح كل يوم في أشعة الشمس ما سمحت لها دورة الفلك، وتغنى ما يطيب لها من فنون الغناء، فينساب صوتها في الجو كما تنساب مياه ضاحكة - كساها الظل - في جوف غدير صغير!

(كانت تغنى دائماً وتطرب أبدا؛ فقد كانت فتاة لم تبخل عليها الشمس بالسناء البهيج، ولم ينقصها الله حظها من الجمال البديع.

(وهناك كان (جيوفانى)؛ فقد كان يغدو كل صباح على وكرها الجميل حيث تنمو الزهور الصفراء ذات القلوب الوردية؛ فكانت دائماً ترشقه بأوراقها وقلوبها من وراء النافذة الصغيرة؛ فيضنى الفتى في الجد نفسه، ويكلفها في العمل شططاً. ولكنه كان يفنى ويفنى. أو لم يكن كل ذلك من أجلها؟

(وكثيرا ما كانت عنزاتها تعدو على كرمه وقت دلوك الشمس، فيسوقها أمامها إلى المنزل وهما يضحكان وينشدان، وقد اخذ كلاهما بذراع صاحبه، والشمس قد أرسلت عليهما - من وراء الجبال - أشعتها الذهبية فانعكست على مياه البحيرة، أو يسيران معاً وقد تلطفت أشعة الشمس من بعد توهج فيهيئ لها تاجا من الزهر مفتن في تنسيقه، متأنقا في ترصيعه؛ فتتقبعه وهى تضحك ضحكات مرحة.

(كانا كطفلين رعتهما العناية يا سيدي وغفل عنهما الدهر: فكثيرا ما كانا ينفقان الليل سامرين جالسين إلى البحيرة؛ يناقلها أحلامه، ويفضي إليها بأمانيه؛ بينما تنثر ذوائب شعرها الجميل على خده الأسمر نسمات لطيفة وانية، والقمر قد أرسل إليهما قبلاته، وانتظمت أشعة البحيرة، فبدا الماء طريقا من لجين يصل بين الشاطئين.

(وكان الناس يرددون من أمرهما أن زواجهما يتم في موسم جني العنب. وقد كان كذلك يا سيدي، لولا أن بدت قوة جديدة في أفقهما: تلك هي الكنيسة!

(وأكبر الظن أن ليس بين الناس من يدري أني تتحكم هذه القوة الطاغية في قلب فتاة غضة الجسم، ريقة الشباب. لقد هتكت صدرها رغبة ملحة أن تنضوي تحت لواء الكنيسة وتدخل ذلك الدير القائم خلف البحيرة؛ تاركة دفيء الشمس وراءها وضياءها.

(لم تكن تريد أن تذهب! وكان هذا التناقض بديعاً أليماً في وقت معاً. هذه الفتاة الغضة الحسناء، تلوح كأنما هي جزء من ضوء الشمس، وعبير الزهر، وشدو الطيور؛ كان عليها أن تجعل من دون ذلك حجابا كثيفاً فتوصد عليها باب الدير العتيق!

(أما جيوفانى فقد جن جنونه، وطار عقله شعاعاً. لا بأس عليه في ذلك ولا جرم. فقد كان من القسوة أن تنتزع من بين شفتيه كأس نسج حولها وشي الأماني، وحاك مطارف الأحلام. . . أخذ بين يديها الناعمتين ثم جثا على ركبتيه ضارعاً ملتاعاً، وقد غض بدمعه المتسايل على خده الأسمر. وبكت كذلك روزا. ولكنها ما استطاعت أن تجيبه إلى ما طلب. . . لعلها كانت تحب الفتى يا سيدي، ولكن شيئاً أعظم من حب فتاة، وأعتى من غرام فتى!

(واستمهله روزا ليلة أخرى، كيما تقرر فيها ما تفعل. وقد أزمعت أن تأتي هنا إلى هذه الكنيسة فتبتهل إلى مريم أن تنير لها الطريق وتدعوها أن تهديها سبيل الرشاد. وقبل الفتى شفتيها الباردتين ثم ذهبت. . . لقد كان طفلا حين ظن بأنها تؤثر ذراعيه القويتين!

(إلى هنا جاءت الفتاة لتجثو طوال الليل فوق هذا الصخر الجافي تبكي وتبتهل، فقد كانت: تحب الفتى حقا، ولكن العذراء رمت إليها من فوق الشموع الأربع واحتوتها بعينيها الحزينتين المفكرتين. وسريعاً ما امتزجت روح الفتاة بروحها. . . وما إن انبلج نور الفجر حتى عبرت البحيرة إلى الحيطان البيضاء دون أن ترى حبيبها مرة أخرى.

(ولعل الفتى - عندما انتهى الأمر - قد أصابه مس أو جنون. إذ خرج معلناً كرهه لله وللعالم. وانطلق في ذاك الطريق الأبيض الصغير إلى حيث نحن الآن جالسان.

(وهنا استل هذا الخنجر الذي ترى ثم طعن قلب العذراء وهو يتمتم بقسم خافت مبهم. . . ولهذا لن أدعك تلمسه.

وأومأ بلاجدن برأسه بينا صمت العجوز هنيهة ثم عاد يقول: (واختفى جيوفانا عن الناس يومين، ثم عاد فظهر دون أن تمحى سيماء الجنون عن وجهه. . . وهناك على شعب الحدور قابلته جنازة بيضاء. حقا لقد كانت جنازة فتاته. فأهطع إليها ولكنهم أوقفوه. لم يؤنبه أحد على ما أجترم؛ ولكن تنازع الناس حيال ذلك عاطفتان قويتان: خوف ورحمة.

(وكانت روزا قد ماتت في الدير جاثية على ركبتيها في نفس اللحظة التي طعن فيها جيوفانى صدر مريم. وقد أخبروه بعد مدة معدودة أن وجهها - حين ألفوها لدى الهيكل - كان يشبه وجه مريم إلى حد بعيد. ولم يكن لموتها من سبب معروف واضح، وإنما هو سر غاب عن أذهان البشر ودق عن إفهام الناس. ولقد أخبرته الراهبات أنها كانت إذ ذاك تبتهل إلى الله أن يمنحها من لدنه قوة.

(وتوقف الراهب عن الكلام، فبقى الرجلان صامتين برهة طويلة يصعدان النظر معاً في وجه جميل يشرف عليهما من فوق شموع أربع. وخيم سكون قطعه بلاجدن بقوله:

- وماذا تظنه قد حدث بعد ذلك؟

- لا ادري!

واتصل السكون فوق رأسيهما، فعاد بلاجدن يقول وهو يمرس عينيه:

- وعلى أية حال فقد أدت الفتاة دين الله عند جيوفاني.

- فاجبه الراهب في هدوء:

- هكذا يخيل إلي يا سيدي. . . فإني أنا جيوفاني!. . .

السيد محمد العزاوي