مجلة الرسالة/العدد 632/البريد الأدبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 632/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 632
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 13 - 08 - 1945


إلى الأستاذ العقاد

أستاذي الكبير:

قرأت كتابكم الأخير (في بيتي)، وأنا اقرأ كتبكم لأفيد منها علما بالحياة وبالنفس الإنسانية، ومتعة فنية عظيمة. وقد وجدت العلم والمتعة في كتابكم هذا كما وجدتهما في كتبكم الأخرى

ولكن ليسمح لي الأستاذ أن أخالف رأيه الذي جاء في الكتاب عن القصة، فقد جاء في ص27 ما يأتي:

(ثم راح (الصديق) يجول ببصره (في رفوف المكتبة) وهو يقول: ما أصغر نصيب القصص من هذه الرفوف!

(قلت: نعم. وأنه لو نقص بعد هذا لما أحسست نقصه، لأنني - ولا أكتمك الحق - لا أقرأ قصة حيث يسعني أن أقرأ كتابا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول)

ولاشك عندي في أن الشعر فن أرقى من القصة، لأنه تعبير جميل عن النفس الإنسانية في أصفى حالاتها، بل أنا أحب أن أزيد يقينا بذلك، لا إيمانا بالفن الرفيع فحسب، ولكن اعتزازا كذلك بما أكتبه من الشعر بين الحين والحين!

ولكني أخالف الأستاذ في قوله: إنه لو نقص ما نقرؤه من القصة لما أحسسنا بهذا النقص، فالقصة دراسة نفسية لا غنى عنها في فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها، لأنها في ذاتها أحد العناصر التي يحتاج إليها قارئ (الحياة)

وقد قرأت (سارة)، وقرأت في الديوان ما يقابلها من شعر، وهو شعر جيد رفيع، ولكني لا أستطيع مع ذلك أن أقول إنني استغنيت به عن قراءة (سارة)، أو إن (سارة) ليس فيها جديد مفيد من الدراسات النفسية العميقة فوق إنها من خيرة ما أخرجه الأستاذ، ولكني أقول إن هذا طعم وذلك طعم آخر، وكلاهما جيد مفيد

ويقول الأستاذ - في تقليل شأن القصة - (فكلما قلت الأداة، وزاد المحصول، ارتفعت طبقة الفن والأدب؛ وكلما زادت الأداة وقل المحصول مال إلى النزول والإسفاف

(وما أكثر الأداة واقل المحصول في القصص والروايات! إن خمسين صفحة من القصة لا تعطيك المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت: (وتلفتت عيني فمذ بعدت ... عني الطلول تلفت القلب)

ثم أورد الأستاذ أمثلة أخرى من الشعر

ولكني أحسب أن (التركيز) ليس في كل الحالات خير ما في الأدب، وأنه لا يغني في كل حالة عن التفصيل والتطويل، وليست التفاصيل الدقيقة التي تعرضها القصة لغواً باطلا يمكن الاستغناء عنه، أو إنها (كالخرنوب الذي فيه قنطار خشب ودرهم حلاوة)! فهي تؤدي مهمة فنية كبيرة، هي إعطاء صورة حية مفصلة من الحياة الإنسانية

والعقل يشبه الجسم في تمثيله للغذاء واستفادته منه، والجسم حين يقدم له من الطعام ما يمضغه، ثم يبتلعه، ثم يهضمه، ثم يمثله، ثم ينفي ما فيه من فضلات غير نافعة، يكون أنشط وأكثر استفادة مما لو أخذ مادة هذا الطعام بعينها (مركزة) في قرص صغير

والأستاذ يشير إلى مثل هذا المعنى حين يقول:

ليست خلاصة كل شيء غنية ... عنه ولو كانت خلاصة ماهر

ثم أحسب أن الأستاذ يكاد يستدل على إسفاف القصة بأن قوماً كالشيوعيين قد استغلوها في دعوتهم إلى أقصى حدود الاستغلال، وقالوا إنها اشرف أبواب الأدب

ولكن الشيوعيين قد استغلوا كل أنواع الأدب ومن بينها الشعر، وهذا شاعرهم الكبير (بوشكين) شاهد على ذلك، فلا يقال إن الشعر أو القصة فن غير رفيع لأن الشيوعيين قد استغلوه، وإنما يقال بحق إن القصة في إنتاج ما بعد الثورة قد هبطت كثيراً عما كانت عليه أيام تولستوي ودستيوفسكي لأنها اتخذت مظهر الدعاية وحادت عن الأدب الرفيع

ولاشك في أن القصة تستطيع أن تسف أكثر مما يستطيع الشعر أو غيره من الفنون الرفيعة، ولكن ذلك لا يعني أن القصة الجيدة ليست فناً رفيعاً، أو إنها لا تحتل مكانة عالية بين الفنون الإنسانية الكبيرة

وليس دفاعي عن القصة ومكانتها اندفاعاً مع العصر الحديث، فإن هذا العصر قد بالغ في شأنها أكثر مما ينبغي، ولكن إذا كانت مهمة القراءة كما قال الأستاذ في كتابه هي (الاستزادة من الحياة)، فإن القصة الجيدة كالشعر الجيد والفنون الأخرى ضرورية لتلك الاستزادة لا يغني عنها وغيرها من الفنون

محمد قطب خادمك المليونير

(للأستاذ عثمان نوية)

هي قصة تجمع بين الجد والفكاهة في أسلوب رشيق، وعبارة أنيقة، وهي أيضاً تحليل لشخص غريب الأطوار، هو مادة الفكاهة في القصة، وهو في الواقع مورد للفكاهة لا ينضب

ولا تخلو القصة بعد هذا من ناحية الجد، إذ نجد إنها تتناول شخصية شاعر حساس، يصارع موجة من الحب العنيف العفيف ونشهد نحن هذا الصراع، متنقلين مع الشاعر في جولاته وخطراته إلى أن ينتهي هذا الصراع. . . ينتهي فلا يموت الشاعر، ولا تموت الحبيبة، ولأتفصم عراهما، بل ينتهي بكل ما تريده النفس الطيبة. . نعم، لم يركن الكاتب إلى الدرامة العنيفة، أو النهاية المؤلمة التي يقصد إليها الآخرون لوجه الإيلام فحسب، وإنما نجده يركن إلى الصفاء والسرور والمرح. . . وما أحوجنا في هذه الأيام إلى الصفاء والسرور والمرح! وحبذا لو جرى الجميع على هذا النهج. . . حبذا لو عرفوا أن السرور يهز الشاعر كما تهزها الفجيعة تماما. . . مع الفرق الشاسع بعد هذا بين السرور والفجيعة

وكاتب هذه القصة فنان مطبوع، يتحامل على نفسه، فيرى الحسن في كتابه سيئاً، ولا يرضى عنه إلا بعد أن يصير إلى أحسن

ولكن لي على الكاتب نقداً أرجو أن يتقبله هادئاً كما عهدته؛ ذلك إنه يختم الحلقة الثالثة من عمره، وروايته هذه هي أول مؤلفاته، ومعنى هذا إنه قضى هذه الحلقات الثلاث في إحدى اثنتين: إما إنه كان يحشد نفسه لهذه الرواية، وإما إنه كان يهمل الكتابة طول هذه المدة، وفي كلتا الحالتين يكون قد أساء إلى الأدب كثيراً، وفي كلتا الحالتين يكون أنانياً لا يحب إلا نفسه، فهو يقرأ ويقرأ ولا يكتب، فيسر هو وحده، دون أن يتيح للقراء أن يسروا بما ينفحهم به من ثمرات قلمه، التي عرفنا قيمتها في (خادمك المليونير)

لعل الأستاذ عثمان يصلح ما قد جنته أنانيته فيطالعنا دائماً بمثل هذه الرواية الممتعة

ثروت اباظة

إلى الأستاذ العوضي الوكيل يظهر أن الأستاذ العوضي الوكيل قد كتب مقاله هذا بنفس السرعة التي ينظم بها قصائده، أرجو أن يقرأ مقالي مرة أخرى.

ثروت

الترتيب التاريخي للزوميات

وُضع سهواً اسم الدكتور عمر فروخ في ذيل الكلمة التي نشرت تحت هذا العنوان في بريد العدد الماضي، لأن التلخيص والتعليق (للرسالة)