مجلة الرسالة/العدد 619/هرموبوليس مدينة الحج

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 619/هرموبوليس مدينة الحج

مجلة الرسالة - العدد 619
هرموبوليس مدينة الحج
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 05 - 1945


للأستاذ فوزي الشتوي

انقرضا من مصر

في أساطير قدماء المصريين أن مجاعة اجتاحت بلاد النوبة ففتكت بأهلها وزرعها، إلى أن خف إليها الإله توت على شكل قرد أنقذها وأعاد إليها الأمن ورغد العيش. والإله نوت من اقدم معبودات قدماء المصريين. وله رمزان يمثله أحدهما على صورة طير أبي منجل. ويمثله الثاني صورة وجه القرد.

وقد تبين من حفريات جامعة فؤاد الأول برياسة الدكتور سامي جبرة في منطقة تونة الجبل قرب ملوى أن أرض مصر في عهد الفراعنة كانت تضم مجموعة كبيرة من الحيوانات التي انقرضت أو هاجرت إلى بقاع أخرى ومنها طير أبي منجل والقرد. والأول من فصيلة أبي قردان وله طباعة في الفتك بالحشرات الضارة بالإنسان وزرعه:

رمزان للإله

قال عنه هيرودوتس المؤرخ اليوناني إنه كان يسكن بين جبال سينا فيأكل الثعابين والحيات قبل دخولها أرض مصر. ويقول الدكتور سامي جبرة إن المصريين شهدوا اتزان مشيته ووقاره، فأعجبوا بصفاته العالية، واتخذوه رمزاً لإله المعروفة، ولئن كانت قوانيننا الحالية تحرم صيد أبي قردان، وتفرض الغرامة والسجن على مقتنصه فإن قوانين القدماء كانت تقضي بإعدام من يقتل أبا منجل

والقرد من الحيوانات النادرة التي تهلل جماعاتها إذا أشرقت الشمس وتنوح وتندب إن آذنت بالغروب. والمصريون القدماء معرفون بدقة الملاحظة. رأوا في تهليله ونواحه علامة على معرفته لأسرار الشمس والعالم الآخر.

والإله توت إله المعرفة، يعرف ما خفي وما استتر، ويحق الحق ويزهق الباطل. وهل لإله المعرفة من رمز أشهى من الاتزان كما تمثل في أبي منجل؟ وهل من إدراك بالغيب وسر إقبال الشمس واختفائها أعمق من إدراك القرد؟ رأى المصريون في الحيواني صفات شديدة الصلة بالإله توت فاتخذوهما له رمزين حيين، ورفعوهما إلى مركز التقديس.

وزال أبو منجل من مصر، ولكنه لا يزال يقطن السودان وشواطئ إيطاليا الجنوبية، كما يعيش القرد في عدة أماكن منها السودان. وعرف رمز الإله في عهد الفراعنة باسم توت، فلما أقبل اليونان والرومان رأوا فيهما تشابهاً مع إله المعرفة عندهم فسموه هرمس.

وأطلقوا على بلدة أشمون الغربية أسم هرموبوليس. ولتوت فيها مقابر من السراديب الصخرية قال عنها هيرودوتس إن مساحتها 40 فدانا ضمت جثث آلاف القردة وأبي منجل.

ولعل القارئ سمع عن بلدة الأشمونين أو بلدي أشمون. والغربية منهما تكون من قبور الإله توت ومعابده ومكان الحجاج والشرقية هي مركز الحياة المدنية والإدارية. وقد كشفت حفريات الدكتور سامي جبرة عن المدينة المقدسة فأعطانا معلومات هامة عن فترة من أشد فترات التاريخ المصري القديم غموضاً وهي ما يسميه الدكتور بعصر الانتقال. إذ يربط بين المدينة المصرية وبين المدينة اليونانية الرومانية. وهناك قطع أٌثرية جمعت بين الفنين. وقد امتدت إلى ما قبل العصر المسيحي بقليل.

مجهول يتكشف

ويقول الدكتور إن أبحاث الجامعة هناك تشمل فترة تبدأ من القرن السادس قبل الميلاد. وتمتد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، أي أنها تضم تسعة قرون من الزمن. ولا تخلو آثارها من مفاجآت، ففي أحد السراديب وجد ناووس للإله توت يخص الملك رمسيس الثاني من عهد الأسرة التاسعة عسرة.

ويرى مؤرخنا أن أهمية منطقة الأشمونين ترجع إلى موقعها الجغرافي والتاريخي. فهي في مفترق الطرق بين مدينة طيبة قرب الأقصر وبين مدينة ممفيس في الدلتا. وهي منطقة واسعة الثروة يتسع فيها وادي النيل فيغطي رقعة واسعة من الأرض هي في الواقع أوسع منها في أي بقعة أخرى.

وتفرع من هذه المنطقة أيضاً طرق قوافل تخترق البقاع إلى السودان وإلى البحر الأحمر. كما يخترقها نهر النيل وبحر يوسف فتجود أرضها بالوفير من الغلات والحاصلات.

وقد بدأت الحفريات في سنة 1931 في ظروف قاسية فلم يكن بالمنطقة ماء ولا سكان، بل كانت تلال من الرمال يتراوح ارتفاعها بين 12 متراً و15 متراً فلم يكن هناك مفر من المبيت في خيام أو أكواخ صغيرة، فتحمل الجميع شظف العيش هناك. وعلى مر السنين أقيمت المباني وتيسر الحصول على الماء والغذاء وأصبحت من أجمل البقاع.

مدينة الحجاج

ومدينة الحجاج تتكون من ثلاث سراديب طويلة متفرعة اتخذت مدافن للإله توت. شيد إلى جوارها بناء كبير يتكون من عدة غرف لتنظيم دفن جثث الطيور أو القردة. مات واحد منها نقله صاحبه إلى الكهنة ودفع قدراً من المال يقرر تبعاً له مدى إتقان التحنيط ومكان الدفن. فإن كان كبيراً حنط رمز الإله تحنيط الدرجة الأولى ودفن في فتحات خاصة حفرت في الصخر على جانبي السراديب. فعرف مكانه وتيسر له زيارته كل عام في عيد الإله توت في أول الشهر المعروف باسمه في التقويم القبطي، ويوافق 16 يوليو في بدء الفيضان.

وإن كان صاحب الرمز فقيراً ودفع قدراً قليلا من المال حنطت الجثة من الدرجة الثالثة، ووضعت في إناء من الفخار، ثم دفنت في حجرات واسعة منتشرة على جانبي السراديب صفاً صفا. فإن اكتمل نظام صف وضعت فوقه طبقة من الرمال لتبدأ طبقة أخرى من الجثث إلى أن تملأ الحجرة فيبدأ الدفن في غيرها.

ودفن الأثرياء مع رموز آلهتهم تماثيل وتمائم تمثلهم لتحل على أشخاصهم بركة الآلهة. وكانوا يضعونها في صناديق من خشب الحميز الذي اثبت أنه لا يبلى بمر السنين، وأنه أقوى أنواع الخشب متانة واحتمالا بخلاف ما يقول المثل البلدي (تخن على الحميز) وكتب بعضهم على هذه الصناديق أدعية.

معدات تحنيط كاملة

وقرب مدخل السراديب وجدت غرفة تحنيط كاملة المعدات وتبين جميع مراحله، في أحد أركانها إناء كبير يحتوي على مادة التحنيط نفسها، ولكن تحليلها لم يكشف عن سر تركيبها، فإن انتهت هذه العملية حمل الكهنة المومياء في موكب ديني وهم يرتلون أدعيتهم ونزلوا سلم بظهورهم إلى أن يضعوها في مقرها الأخير

وأحد هذه السراديب خاص بالعظماء، نقش سقفه بالألوان وزين بالرسوم، وتغطية الآن طبقة خفيفة من (الهبات) لا يعرف مصدرها وإن كان يظن أنها أثر حريق شب في السراديب أو لأن المسيحيين كانوا يلجئون إليه هرباً من اضطهاد الرومان فيتصاعد دخان مسارجهم ويغطي السقف بلونه القاتم

واحتفظ معبد الأرواح المقدسة في أحد السراديب بنقوشه وآثاره. شيده أحد البطالسة تقرباً من المصريين وهو يمثل الإله توت على شكل قرد يستقبل أشعة الشمس. ويلاحظ أن جميع غزاة مصر حاولوا التقرب من المصريين وحكمهم عن طريق الاندماج في ديانتهم، فقد وجد ناووس قرد للملك داريوس الفارسي. وتحاط مدينة الحج بسور متدرج في الارتفاع تكون كل ثمانية أعمدة درجة. والثمانية هو درج، والثمانية هو رمز تلك المنطقة وتعبير عن عدد آلهتها الثمانية المعترف بهم في ذلك الوقت. فلا تجد هناك يتكون من ست أو سبع بل ثمانية ومضاعفتها وحتى مدخل السراديب أضيء بثماني مسارج.

فوزي الشتوي