مجلة الرسالة/العدد 601/طوالع الإسلام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 601/طوالع الإسلام

مجلة الرسالة - العدد 601
طوالع الإسلام
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 01 - 1945


للأستاذ عباس محمود العقاد

اسم كتاب ألفه الدكتور لورنس براون أستاذ مقارنة الأديان بجامعة مانشستر، ونشره في أوائل السنة الماضية 1944 وعرض فيه لحركات التجديد والإصلاح التي ظهرت منذ القرن الماضي في أنحاء العالم الإسلامي من الهند إلى إيران ومصر الإنسان وما يليها من الأقطار الأسيوية والأفريقية

وقد خرج من هذا العرض بخلاصة يسهل على الباحث من غير المسلمين أن يقبلها، ولكن لا يسهل قبولها على المسلم الذي يؤمن بدينه ويعرف ما فيه من قوة على بعث العزائم وإحياء الأمل ومزج الحديث بالقديم أو التقريب بين العقيدة والمعرفة وبين الأصول الدينية والأصول العلمية. فان الخلاصة التي خرج بها الدكتور براون من عرضه أن الأمل في نهوض دعوة إنسانية تنفع البشر كافة من أعماق الروح الإسلامية ضعيف، وانه لا يرى في العصر الحاضر زعيم من الزعماء الروحانيين في الأقطار المحمدية خليق أن يحمل أعلام النهضة المروجة، أو يقود بني الإنسان في طريق الصلاح والتهذيب، ليحل لهم المشكلات الروحية والاجتماعية التي تواجههم عند كل خطوة يخطوها في حياتهم العصرية

وتعليل هذا اليأس من مستقبل الإسلام عند الدكتور براون - أو من طوالعه كما سماها - أن الإسلام يعزل الدنيا عن الروح الإلهية، ويجعل الوحي الذي يقود الأنبياء والملهمين عملاً خارجاً عن الإنسان يهبط عليه من السماء بين حين وحين وقد انقطع هبوطه على البشر بعد خاتم المرسلين. ويزعم الدكتور براون أن شأن الإسلام في ذلك غير شأن المسيحية والموسوية، لان روح الله تمتزج بالإنسان في العقيدة المسيحية، ولان الموسوية أخرجت كثيراً من الأنبياء ونصت بعض آيات كتابها على تمني النبوة لجميع بني إسرائيل ليستمعوا من داخل سرائرهم إلى صوت الله. ويقول الدكتور براون إن الشعائر المادية في الموسوية والمسيحية إن هي إلا كناية عن المعاني الإلهية أو الروحانية التي ترمز إليها، وليست هي كذلك في الإسلام كما يقول

والذي فات الدكتور أن المسلم الذي يعتقد أن الله خلق آدم على صورته لا يمكن أن تعوزه الروح الربانية ولا أن يجرد الإنسان من هذه الروح، وأن الآيات التي وردت في القران عن روح الله والروح عامة اكثر من نظائرها في الكتب الأخرى التي قلما تعرض لكلمة الروح بالمعنى الذي يستفاد من نصوص القران

وقد فات الدكتور براون شيء أهم من ذلك كان ينبغي ألا يفوته لان الدليل عليه قائم من أطوار الحركات الإسلامية التي أشار إليها في كتابه، وذلك الشيء المهم الذي فاته هو أن الإيمان بنصيب الإنسان من الربانية أو بحلول المعاني الإلهية في الإنسان لم يكن قط مسالة نصوص مكتوبة وشعائر ملموسة، وإنما هو مسالة فطرة تمتاز بها الأمم كما تمتاز بها الأفراد، وقد نشأت عقائد الروحانية أو الإلهية في المسيحية من تفسير الفلاسفة والأحبار الذين آمنوا بالدين ولم تنشأ من الكلمات التي يقراها كل إنسان في هذا الكتاب أو ذاك

وإن الدين الواحد لتؤمن به امتنان هذه غالية في الوقوف عند المحسوسات، وتلك غالية في المزج بين عالم الحس وعالم الغيب، أو في المزج بين الجسد والروح. وإن الكتاب الواحد ليقراه الرجلان في مدينة واحدة - بل في بيت واحد - فيفهمه أحدهما على طريقه المتصوفة أو القائلين بوحدة الوجود ويفهمه زميله كما تفهم الأوامر العسكرية كلمة كلمة وحرفاً حرفاً بغير تعليق ولا تأويل

ولو شاء الدكتور براون لفطن لهذه الحقيقة الواضحة من التفرقة بين الحركات التي اجمل الكلام عليها في الهند وإيران ومصر والحجاز، وهي حركات القاديانية والبهائية ودعوة الإمام محمد عبده والإمام عبد الوهاب. فكل هذه الحركات تجديد أو إصلاح نشأت في الإسلام وبين المسلمين واعتمدت على الكتاب الذي يدين به كل مسلم وهو القران الكريم، ولكن الفرق بينها في الواقع هو الفرق بين فطرة الهند وفطرة الفرس وفطرة المصريين وفطرة العرب، أو بين الأمزجة والعادات الذهنية التي تعودتها هذه الشعوب من موروثاتها القديمة وبيئاتها الفكرية والإقليمية

ففي الهند ظهر غلام احمد القادياني فبشر بمذهبه الجديد وزعم أنه هو عيسى بن مريم وهو المهدي وهو الإمام المنتظر في مذهب الشيعيين، وادعى فيما ادعي انه تلبس بروح مريم العذراء ثم تلبس بروح المسيح على نحو لا تدركه العقول، وصدق نفسه وصدقه أناس من مريديه حين خيل إليه أنه روح الله حلت بجثمان إنسان لإنقاذ المسلمين والمسيحيين من السواء من الضلال ومن اليسير جدا أن يلمس المرء في هذه الحركة بقية من بقايا البيئة الهندية التي نشأت فيها عقيدة تقمص الأرواح وتجدد الروح في جثمان بعد جثمان، تارة جثمان ذكر وتارة جثمان أنثى، ومرة رسم حيوان ومرة رسم إنسان

وفي البلاد الإيرانية ظهر مرزا علي محمد الشيرازي، وزعم أنه الإمام المنتظر، ثم انتحل عقيدة الإسماعيلية في ما يشبه القول بوحدة الوجود ووثب من ذلك إلى القول ببطلان الشريعة الظاهرة والأخذ بالحقيقة الباطنة التي تبيح أصحاب - حلول الإله في الإنسان - أن يتصرفوا في الأحكام والقواعد الدينية تصرف الوحي الجديد لأنهم يستوحون مشيئة الله فيما يقولون ويعملون، ثم جهر بإلغاء بعض الشعائر المقدسة التي اتفق عليها المسلمون سنيين وشيعيين حيثما صرحت بها نصوص القرآن

ومن اليسير جدا أن يلمس المرء في هذه الحركة نزعة البيئة التي نشأت فيها طلائع الباطنية والإسماعيلية، بل نزعة البيئة التي نشأ فيها الإيمان بحلول أو رمز في جسد (مترا) رسوله الأمين في حربه الأبدية لإله الشر أهرمان

وفي الجزية العربية ظهرت الدعوة الوهابية والتي تنكر الترف في الكساء والبناء، يقع عليه الحس من جماد أو ذي حياة ومن اليسير جدا على المرء أن يلمس فطرة الصحراء في هذه الصرامة الخلقية وهذا الفصل الحاسم بين عالم الحس وعالم الغيب، خلافاً لتلك الأقاليم الهندية أو الفارسية التي امتزج فيها الحس بالتخيل واتصل فيها عالم الأرض وعالم السماء

وفي مصر ظهرت دعوة الإصلاح على يدي الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله فكانت تعليماً جديداً في المدرسة قديمة، أو كانت تفسيراً للقوانين الإلهية لا يخرج بها عن نصوصها ولكنه يحفظها في تلك النصوص ويقتبس منها المعنى الذي يوافق معارف العصر الحديث

ومن اليسير جدا على المرء أن يلمس في هذه الدعوة روح مصر التي عرفت نظام الحكم منذ ألوف السنين، وتعودت أن تدين بنصوص الأمر والنهي من ملك بعد ملك وأسرة بعد أسرة، فليس فيما تعلمه أو تدين به إلا ما هو نص محفوظ أو مستمد من تفسير النص المحفوظ بالمعنى الذي لا يخرج عليه، أو هي روح مصر التي عرفتها منذ قام فيها بالنبوة فرعونها إخناتون، وهي الأمة الوحيدة التي تلقت نبوتها من عرش وصولجان فالحركات التي تتمثل فيها روح التجديد أو الإصلاح بين المسلمين حركات أقوام وطبائع تختلف بينها في العقائد الروحانية والربانية على حسب الفطرة التي طبعت عليها، ولا تعوقها النصوص والكلمات عن اقتباس المعاني التي تتهيأ لها بفطرتها

وقد وقع خلاف كهذا الخلاف بين المسيحيين والموسويين يرجع إلى أسباب كهذه الأسباب من اثر البيئة الإقليمية أو البيئة الثقافية أو البيئة السياسية

فلسي في الإسلام إذن ما يمنع نشوء الحركات الروحانية أو يمنع الاتصال بين روح الإنسان ورح الله، وان كان المسلمون يأبون أن تلغى نصوص كتابهم كما يأبى الكتابيون من المسيحيين والموسويون أن تلغى نصوص التوراة والإنجيل

وإنما أصاب الدكتور براون في رأي واحد وهو كلامه عن حاجة النهضة الروحانية إلى زعيم قدير ينفخ في الأمم الإسلامية وغير الإسلامية من روحه القوية فينفعها وينفع البشر كافة من طريق نفعها

وقد شوهد أثر هذا الزعيم حين وجد، فإذا هو اثر عظيم قلما يشبه أثر الزعماء المصلحين في الأمم الحديثة، فكان جمال الدين الأفغاني باعثا لنهضات الإصلاح في الهند وإيران ومصر وتركيا وسائر الأقطار الإسلامية، وقد يخلفه زعيم مثله فيقترب الأمل الذي استبعده الدكتور براون لأنه لم ينظر إليه بعين المسلم الذي يستمد العزيمة من هذه الآمال

ومما لاشك فيه أن الإسلام اليوم قوة مانعة لكثير من الشرور التي تهب على الناس كافة من قبل المذاهب الهدامة التي تبنى على أساس المادية العمياء، وفي وسع هذه القوة المانعة أن تنطلق في سبيل الإصلاح قوة روحانية دافعة إلى الخير العميم، إذا قيض لها الزعيم العظيم

عباس محمود العقاد