مجلة الرسالة/العدد 601/الله اعلم حيث يجعل رسالته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 601/الله اعلم حيث يجعل رسالته

مجلة الرسالة - العدد 601
الله اعلم حيث يجعل رسالته
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 01 - 1945


للأستاذ محمد محمد المدني

لا يكفي لنجاح أي نظام من النظم ولا تمام أي برنامج من البرامج أن يكون هذا النظام قوياً، أو يكون هذا البرنامج صالحاً، فكم من نظم قوية، وكم من مبادئ سليمة، وكم من برامج صالحة، صرعها الدهر وعفى عليها الزمان! ولكن أهم ما توطد به دعائم الإصلاح إلى منفذين صالحين يفقهونه ويدركون أسراره ويعرفون مراميه واغراضه، وتساعدهم صفاتهم وطبيعة نفوسهم على تحمل تكاليفه، والنهوض بتبعاته.

لذلك قضت حكمة الله، وقد طبع شريعته الخالدة بطابع الوضوح والصفاء واليسر والرحمة، أن يختار لها منفذاً ومطبقاً يكون له من الصفات النفسية ما لا يتنافر مع هذه الطبيعة، بل ما يستطيع به أن يجاري روحها ويمضي على سننها، وينفذ إلى صميمها، فاختار لها (محمد) ﷺ، و (الله اعلم حيث يجعل رسالته).

تمتاز هذه الشريعة بالصفاء والوضوح والصراحة في مواجهة شؤون الحياة، ومجانبة التعقيد والتكلف في كل شيء:

عقيدة سهلة لا تستدعي من العاقل اكثر من النظر في ملكوت السماوات والأرض، بل لا تستدعي منه اكثر من النظر في نفسه ليعلم أن له إلها قادرا حكيماً مبدعاً أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. عقيدة واضحة يدركها العامة والخاصة في كل زمان، وليست في حاجة إلى فلسفة المتفلسفين، ولا إلى تكلف المتكلفين، لأنها (فطرة الله التي فطر الناس عليها).

عقيدة تفتح أمام صاحبها آفاق الحياة، وتجعله واثقاً من نفسه، غير مستعين إلا بخالقه، لا يعرف الخضوع والذل إلا لله الذي لا رب سواه.

وأحكام قوامها العدل والرحمة والتيسير على الناس، وبث روح التعاون فيهم، واقتلاع أسباب الشر والخصومة من بينهم، وتهيئة الحياة السعيدة لهم.

هذا الطابع الذي تمتاز به الشريعة الإسلامية، والذي هو مزاج من الصفاء والوضوح، والسهولة والتيسير، والرحمة والعدل، والصراحة في مواجهة شؤون الحياة، ومجانبة التعقيد والتكلف في كل شيء هو بعينه الطابع الذي طبع الله نبيه ومصطفاه: نفس صافية. مزاج سليم. قلب رحيم. لسان عف صدوق. صراحة في مواجهة شؤون الحياة. بغض شديد للنفاق والمنافقين. ترفع عن أساليب الختل والمواربة والخداع والدوران حول الأمور. تصرف عادل رحيم يبعث على الثقة، ويوحي بالطمأنينة، ويغري بالقدوة، ويحمل على الحب والإجلال!

كذلك كان رسول الله صلى اله عليه وسلم.

كان صافي النفس، وقد ظهر أثر هذا الصفاء في نواح متعددة من خلقه الكريم: فهو لا يحمل الحقد لاحد، ولا يحب أن يفسد عليه أحد هذا الصفاء النفسي فيقول: (لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني احب أن اخرج إليكم سليم الصدر).

وهو طبيعي في صلاته بأصحابه يمازحهم ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذرين، ويبدأ من لقيه بالسلام والمصافحة، ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسماءهم إليهم، ولا يقطع على أحد حديثه، وما دعاه اتحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال له لبيك!

وكان يكره التكلف، وينهي عن التشدد والتزمت (ويأخذ العفو ويأمر بالعرف ويخفض جناحه للمؤمنين، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل الناس بالتي هي احسن، ويميل إلى اليسر والسهولة في كل شيء: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن آثما، وما سئل شيئا عنده إلا أعطاه، وما انتقم لنفسه قط، وما نهر خادما ولا مملوكا).

وكان سهلا إذا اخذ، وسهلا إذا اعطى، متلطفا في ضروب الإحسان: يقترض فيرد اكثر مما اقترض، ويشتري فيعطي أكثر من الثمن، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأضعافها، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكانت الصدقة احب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه اعظم من سرور الآخذ بما يأخذه. وكان إذا عرض له محتاج أثره على نفسه تارة بطعامه، وتارة بلباسه، وكان من خالطه وصحبه ورأى هدية لا يملك نفسه من السماحة والندى.

ولقد ظهرت آثار هذه الصفات الشريفة في سائر أحواله وتصرفاته ﷺ، وظهرت في سياسته الحكيمة التي ساس بها قومه، وجعلها نهجا للحكام والرؤساء من بعده.

وظهرت في تطبيقه لكتاب الله، وتنفيذه لأحكامه. وظهرت فيما أوصى به أمته مما يتصل بالعبادات أو المعاملات أو الأخلاق:

سامه أعداؤه سوء العذاب، واضطهدوه في نفسه وفي أصحابه، ورموه بكل منكر من القول وزور، وكانوا يضعون في طريقه الأشواك والأقذار، ويطرحون عليه وهو يصلي جلود الإبل والبقر؛ ويمنعونه وأصحابه أن يبيعوا لأحد شيئاً أو يبتاعوا، بل كانوا يتآمرون عليهم، ويدبرون المكائد لهم، ولكن رسول الله ﷺ كان يلقي ذلك كله منهم صابراً محتسباً نقي الصدر من الحفيظة، سليم القلب من الموجدة؛ بل كان يلقاه بالدعاء لهم فيقول (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون!)

ولقد خضبوا وجهه بدمه، وكسروا رباعيته، وهو مع ذلك عليهم، ولا يسأل الله تعذيبهم. ويقول: (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً).

ولقد أخرجوه من مكة وطنه الحبيب إلى قلبه؛ وأخرجوا معه كل من اعتنق دينه، فلما أظفره الله بهم وفتح له مكة حطم أصنامها، أو زال أوثانها ثم خطب أهلها فقال: (يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خيرا. أخ كريم وابن أخ كريم. قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)

ولقد كان الرجل من العرب الجفاة الغلاظ يدخل عليه غبر مستأذن، ويناديه باسمه مجرداً يسأله عن شيء أو يقتضيه حقاً، فيحلم عليه ويجيبه متلطفا في خطابه، قاضيا حقه، فإذا غضب له أحد من أصحابه رده عن غضبه، وهدأ من ثورته. وقد أفضت هذه السياسة الرشيدة بكثير من أهل الكفر إلى الإسلام، واصبحوا بها من خيار المؤمنين!

وكان رسول الله ﷺ نعم المعلم لأصحابه: يردهم إذا أخطئوا في رفق وأناة، ولا يعنف عليهم، ولا يؤنبهم، بل يبتسم لهم، ويبش في وجوههم. حدث معاوية بن الحكم السلمي قال: كنت اصلي مع رسول الله ﷺ، فعطس رجل من القوم، ولم اكن أعرف أن الكلام يفسد الصلاة، فقلت له يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم يتعجبون مما فعلت، فقلت: واثكل أماه! ما شانكم تنظرون الي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم وينظرون إلي متعجبين، فلما رأيتهم كذلك سكت حتى انتهى رسول الله صلى اله عليه وسلم من صلاته، فبأبي هو وأمي! ما رأيت معلما قبله ولا بعده احسن تعليما منه! فوالله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني ولكن قال: أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. وكان رسول الله ﷺ يشفق حتى على أهل الكبائر من امته، وقد أقام الحد على رجل فمات فلعنه الناس وسبوه، فقال لهم: لا تلعنوه ولكن قولوا: اللهم اغفر له. اللهم ارحمه! وكان رجل يؤتي به إليه كثيراً وهو سكران بعد تحريم الخمر فلعنه الناس مرة فقال: لا تلعنوه فانه يحب الله ورسوله. فكشف لهم عما يعرفه من حقيقة نفسه ودخيلة قلبه لما رفضوه لظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب!

وجاءه مرة رجل وهو يصلي، فلما انتهى من صلاته قال له: يا رسول الله. إني أصبت حدا فاقمه علي، فسكت عنه، ثم عاوده الرجل بعد حين فقال له مثل ما قال فسكت عنه، ثم عاد إليه بعد صلاة الغداة فقال ليس: يا رسول له إني أصبت حدا فأقمه علي. فقال له: أصليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم. قال: فاذهب فإن الله غفر لك حدك!

وليس ذلك تهاونا من رسول الله ﷺ بالحدود، وحاشاه، وهو القائل في حادثة المخزومية التي سرقت وشفع لها أسامة: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها!) وإنما ذلك رجل قد تاب قبل أن يعلم به أحد، أو يقدر عليه أحد، ومن تاب تاب الله عليه (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).

ولقد كان رسول الله ﷺ رفيقا بأهله، سهلا في معاشرتهم: روى انه كان يسرب إلى عائشة بعض بنات الأنصار يلعبن معها. ومر يوما جماعة من أهل الحبشة يلعبون، فقال: يا عائشة تعالي فانظري! فقامت فوضع لحيها على منكب رسول الله ﷺ وجعلت تنظر إليهم في سرور واهتمام، ثم قال: أما شبعت؟ أما شبعت؟ وهي تقول له لا، انتظر. . انتظر!. .

ومن آثار صفائه النفسي وفائه ﷺ، فهو لا يعرف الغدر ولا النكث ولا التنكر مع الزمان، لأنه لا يتقلب مع المنفعة، ولا تبطره النعمة:

كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد، فأرسلوا إليه رجلا منهم يفاوضه في أمر من الأمور، وهو أبو رافع، فلما رآه وحدثه أخذته عظمته وراعه حديثه، وألقى الله في قلبه الميل إلى الإسلام، وحينئذ نسيه الرجل انه سفير لقومه، وانه جاء للمفاوضة عنهم، فتوجه إلى رسول الله ﷺ، وقال له في لهجة ضارعة: يا رسول الله؟ لا أحب أن ارجع إليهم فأبقني عندك! فماذا فعل الرسول؟ هل نسى عهده الذي بينه وبين المشركين؟ كلا. ولكنه قال: لا. لا. إني لا أخيس بالعهد ولا احبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع إلينا. قال أبو رافع: فذهبت ثم أتيت رسول الله ﷺ فأسلمت.

وكان رسول الله ﷺ صادقا صدوقا لم يعرف عنه أنه كذب مرة واحدة في حياته لا فبل مبعثه ولا بعد مبعثه، ولذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين ويرضون حكمه، وينزلون على قضاءه.

أن الكذب علامة من علامات النفاق، والنفاق لا يكون من أخلاق العظماء، ولا يخالط نفوس الأباة الشرفاء، ولذلك يقول رسول الله ﷺ: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وحج واعتمر وقال أني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا أوتمن خان).

وكان رسول الله ﷺ يكره أن يشدد على أمته ويسال الله دائما التخفيف عنهم، وكان يوصي أصحابه بألا يكثروا من سؤاله لئلا يشددوا على أنفسهم، ويقول (أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم على الناس) ويقول (دعوني ما تركتم. إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

وكان رسول الله ﷺ لا يقصد إلى تعذيب نفسه وحرمانها من طيبات الحياة كما يفعل المتشددون الذين يتكلفون الزهد والورع قصدا إلى الشهرة بالصلاح، وإنما كان يأكل الطيب إذا وجده، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه لحم الذراع، ويستعذب له الماء.

وكان يأمر بالتبشير، ويكره التنفير. وقد بعث معاذا وابنه إلى اليمن فقال لهما: (تنفرا، ويسرا ولا تعسرا).

وكان يكره المبالغة في العبادة بما يشق على النفس، وقد دخل المسجد مرة فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا حبل لزينب: تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به! فقال: لا حلوة، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد.

وقال لأحد أصحابه (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إليك دين الله. لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقي).

وقد نزه الله رسوله الكريم حتى قبل بعثته عن كل ما كان يأتيه أهل الجاهلية من المباذل والمفاسد، وفي ذلك يقول صلوات الله عليه وسلامه عليه: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به إلا مرتين. كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته: قلت ليله لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى ادخل مكة فأسمر كمل يسمر الشاب. فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة فسمعت عزفا بالدفوف والمزامير فجلست انظر وأسمع، ولكن النوم غلبني فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت ولم اقض شيئا، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك، ثم لم أهم بعدها بسوء!).

لهذه الحلال وأمثالها فطنت خديجة رضي الله عنها، فلما جاءه الملك لأول مرة بالوحي، وذهب إلى بيتها يقص عليها ما رأى، ويذكر لها ما يساوره من خوف على نفسه، قالت له: (كلا، والله لا يخزيك الله أبداً. انك لتصل الرحم، وتحمل الكل الإنسان وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق) عرفت من شريف صفاته ما اتخذته دليلا على نجاحه في مستقبل حياته.

هذه درس وعبر وآيات بينات تشرق واضحة في سيرة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتدل على خلاله الكريمة التي وافقت بها طبيعته طبيعة دعوته، فيها ما يفيد الناس جميعاً على اختلاف مراتبهم، وفيها ما يفيد العظماء والمصلحين بوجه خاص. إنها تقول بلسان فصيح:

يل دعاة الإصلاح: ليس الإصلاح أقوالا ثقال، ولا مذكرات تكتب، ولا مبادئ ترسم، لتخطف بها الأبصار، وتؤلف القلوب، وتقضي على حساب ذلك اللبانات. إنما الإصلاح أفعال تتحقق بها الأقوال. إنما هو تنفيذ حازم لما رسم من الخطط ووضع من البرامج. إنما هو مثل تضرب للناس يبدو فيها الإخلاص لله، والإيمان بالدعوة، والغيرة على الفكرة، والفناء في سبيل المبدأ.

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون) اسأل الله أن يعمر قلوبنا بالاخلاص، وان يشرح صدورنا للحق، وان يفتح لهدى الرسول أبصارنا، وينير به بصائرنا. إنه على ما يشاء قدير.

محمد محمد المدني