مجلة الرسالة/العدد 597/شعر البارودي في منفاه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 597/شعر البارودي في منفاه

مجلة الرسالة - العدد 597
شعر البارودي في منفاه
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 12 - 1944


للأستاذ أحمد أحمد بدوي

وضعت الثورة العرابية أوزارها، وقضى على كثير من زعمائها بالنفي إلى جزيرة سيلان التي تقع جنوبي بلاد الهند؛ ففي أواخر عام اثنين وثمانين وثمانمائة وألف أبحرت السفينة من مصر تقل البارودي ومن معه من الزعماء إلى هذه الجزيرة، وقد رست السفينة بهم في ثغر كولومبو حيث قدر للشاعر أن يعيش مع رفقائه سبع سنوات، سئم فيها تلك الحياة، وهؤلاء الصحب، فرحل إلى كندي العاصمة القديمة للجزيرة، وهي مدينة في الداخل مرتفعة عن سطح البحر ذات مناظر جميلة ومناخ صحي، وظل بها البارودي عشر سنوات أخرى

غادر البارودي وطنه وعمره أربع وأربعون سنة، لم يفارق بعد عهد الشباب والفتوة، وظل في منفاه سبعة عشر عاماً فقد فيها القوة والشباب، وفي هذه الغربة الطويلة كان البارودي في وحدة نفسية موحشة، فرفقاؤه الذين سافرا إلى كولومبو قد انقلب بعضهم على بعض، كلّ يلقي تبعة ما حل بهم على رفيقه، وكل يضمر لصاحبه الحقد ومر العتاب، ولعل نصيب البارودي من موجدتهم كان عظيما بمقدار ما كان له من يد في الثورة وشئونها، فتبرّم بهم، وآثر أن يعتزلهم، ويصم أذنيه عما تلوكه ألسنتهم، وما يتحدثون به عنه في غيبته

ولم يكن نصيبه في كندي بأفضل من ذلك، لأنه أضطر إلى الوحدة يقوم بشئونه فيها خويدم أسود، ذلك أن سكان هذه المدينة لا يعرفون اللغة العربية، فلم يستطع أن يجد من بينهم رفيقاً مؤنساً، يخفف عنه آلام وحدته وغربته، ولعل هذا هو ما دفعه إلى أن يعلم بعض أبناء هذه البلاد اللغة العربية عله يجد منهم من يفهم عنه ويجعله صديقاً، ولكنه لم ينجح في لقيان هذا الصديق، واضطر إلى معاشرة من لا تستريح نفسه إليه

وجد البارودي نفسه إذا في وحدة مؤلمة، فاتجه إلى الشعر يتخذ منه الأنيس الرفيق، والصديق المخلص، يبثه آلامه، ويناجيه بأحلامه وأمانيه، ونستطيع أن ندرس شعره في تلك الفترة من الزمن، فنجده صورة صادقة لما كان يعتلج في صدره حينئذ من الأحزان والآمال، وإنه لصادق حين قال في إحدى قصائد منفاه: فانظر لقولي تجد نفسي مصورة ... في صفحتيه، فقولي خط تمثال

شكا البارودي إلى شعره هذه الغربة الطويلة، والوحدة التي أضطر إليها، وهو يردد هذه الشكوى في كثير من قصائده، فحينا يقول:

أبيت في غربة لا النفس راضية ... بها ولا الملتقى من شيعتي كثب

فلا رفيق تسر النفس طلعته ... ولا صديق يرى ما بي فيكتئب

وحينما يشبه نفسه بطائر ترك فريداً بين الأدغال، وقد غال الردى والديه فتركاه صغيراً لا يستطيع النهوض، ولا أن يصون نفسه ممن يريد به السوء، يرتاع كلما سمع صوت البزاة، بل إنه ليفوق هذا الطائر بما يحس به من الجوى، وما يذرفه من الدمع فيقول:

لا في سر نديب لي إلف أجاذبه ... فضل الحديث ولا خلّ فيرعى لي

فلو تراني، وبردى بالندى لثق ... لخلتني فرخ طير بين أدغال

غال الرّدى أبويه فهو منقطع ... في جوف غيناء لا راع ولا وال

أُزَيغب الرأس لم يبد الشكير به ... ولم يصن نفسه من كيد مغتال

يكاد صوت البزاة القمر يقذفه ... من وكره مبين هابي الترب جوّال

لا يستطيع انطلاقاً من غيابته ... كأنما هو معقول بعقال

فذاك مثلي، ولم أظلم، ورّبتما ... فضلته بجوى حزن وإعوال

شوق ونأي وتبريح ومعتبة ... يا للحميّة من غدري وإهمالي

ولقد كان أثر هذه الوحدة في نفسه قوياً، حتى صار أكبر آماله في منفاه أن يجد الصديق الوفي المخلص:

لم يبق لي أرب في الدهر أطلبه ... إلاّ صحابة حر صادق الخال

ولو كان البارودي قد وجد في مغتربه الخل الوفي لخفف قربه آلام نفيه، وعذاب اغترابه، فاضطر - كما قلنا - إلى أن يتصل بمن لا يشتهي قربه، ولا تأنس نفسه إليه، وظل يهتف باحثاً عن صديق يسره ويقول:

فهل من فتى يسري عن القلب همه ... بشيمة مطبوع على المجد مسعف

رضيت بمن لا تشتهي النفس قربه ... ومن لم يجد مندوحة يتكلف

ولو أنني صادفت خلاّ يسرني ... على عدواء الدار لم أتلهف وأبى القدر إلا أن يزيد في آلامه، فبعد زهاء عامين ورد إليه نعي زوجته فبكاها، ورثاها بما نلمس فيه صدق العاطفة وخالص الود، وأشفق على بناته بعدها، وقد اغترب الوالد وماتت الأم فقال:

يا دهر فيم فجعتني بحليلة ... كانت خلاصة عدتي وعتادي

إن كنت لم ترحم ضناي بعدها ... أفلا رحمت من الأسى أولادي

أفردتهن فلم ينمن توجعاً ... قرحى العيون رواجف الأكباد

ألقين در عقودهن وصغن من ... در الدموع قلائد الأجياد

يبكين من وله فراق حفية ... كانت لهن كثيرة الإسعاد

فخدودهن من الدموع ندية ... وقلوبهن من الهموم صوادي

وهي قصيدة طويلة صادقة التعبير لا يقلل من قيمتها إنه تأثر فيها بقصيدة التهامي في رثاء ولده، لأن معانيها تنبع من إحساس صادق لا تقليد فيه

وفجعته الأيام كذلك بابنته، فقابل الفجيعة بحزن بالغ، جمدت له عيناه، ثم بصديقين عزيزين هما حسين المرصفي وعبد الله فكري باشا، فحزن عليهما أشد الحزن، وبكاهما في قصيدة طويلة أرسلها عبرة مسفوحة على موطن شبابه وأيام شبابه وصديقي شبابه، فقال:

لم تدع صولة الحوادث منى ... غير أشلاء همّة في ثياب

فجعتني بوالدي وأهلي ... ثم أنحت تكرَّ في أترابي

كل يوم يزول عني حبيب ... يا لقلبي من فرقة الأحباب

أين مني حسين بل أين عب ... د الله رب الكمال والآداب

لم أجد منهما بديلاً لنفسي ... غير حزني عليهما واكتئابي

(البقية في العدد القادم)

أحمد أحمد بدوي

مدرس بحلوان الثانوية للبنين