مجلة الرسالة/العدد 586/هنريك إبسن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 586/هنريك إبسن

مجلة الرسالة - العدد 586
هنريك إبسن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 09 - 1944


الروائي النرويجي

للأستاذ وديع فلسطين

يجد الباحث السيكولوجي في حياة هنريك إبسن أديب نروج الأول، مادة لا تنضب، ومعيناً لا يجف من الدراسات النفسية والانفعالات القوية التي قلما تتوفر في حياة رجل سواه.

ولد هنريك، أظهر شخصية في الأدب المسرحي الحديث، عام 1828 في ميناء سكين الصغير على الساحل الجنوبي لنروج، وهو ميناء وهبته الطبيعة جمالاً، أضفى على جباله زهواً وشموخاً دونه زهو جبال لبنان وشموخها

وفي كنف والده، التاجر الثري، قضى هنريك سني عمره الأولى متمتعاً بصيت أسرة من أعرق الأسر وأشرفها. ولكن الدهر قلب، والحال لا تدوم، والنعمة ليست مقيمة. فما أن بلغ الثامنة من عمره حتى مني أبوه بضياع ثروته كلها في عملية تجارية خاسرة، واضطرت الأسرة إلى الانزواء في مزرعة صغيرة على مشارف القرية. وازدادت أحوال الأسرة سوءاً على سوء، وتتابعت عليها الملمات من كل حدب وصوب، فلجأ إبسن إلى معاقرة الخمر يدفن همومه بين كؤوسها، وينسى محنه بين قرع أقداحها. وإزاء الفاقة القاتلة والحاجة الملحة، وإزاء هجرة الأصدقاء وتنكر الدهر، انكمش هنريك الصبي المرهف الحس إلى داره، وعشق الوحدة، وانطوى على ذاته يبثها همومه ويمعن في دراستها وفحصها. فأخذ يحاول تنمية الرسم والتصوير فيه. ولكن الفقر حال دون تقدمها. فهجر الرسم إلى دراسة الطب. وفي الخامسة عشرة من عمره عمل في صيدلية بمدينة جرمستاد. فكان يعاون صاحبها في مد سكان المدينة الثمانمائة بما يحتاجون إليه من مختلف الأدوية ومتنوع العقاقير، وظل خمس سنوات في تلك المدينة يجرع الحياة بالكد والكدح والعناء، ويقضي أيامه تحت رحى الفقر الساحق والعوز المضني، فنمت فيه روح الثورة الفكرية، وترعرعت بين جنبيه روح الانقلاب على العرف والرغبة في التحرر من قيوده

وكان إبسن خلال هذه السنوات الخمس يدرب نفسه على مراس أنواع الكتابة المختلفة، وخرج من ذلك عام 1849 بمسرحيته الأولى (كاتالين) وهي مسرحية شعرية ثورية طبعت بعدئذ على نفقة صديق ل ثم قصد (إبسن) كريستيانا بمدينة أسلو، للالتحاق بإحدى الجامعت، وهنالك تعرف بعدد من الشبان الأوغاد ومن بينهم (بجورنسن) ? الذي بادله صداقة بصداقة ولازمه إلى نهاية عمره، غير أن صداقتهما كانت تتعرض بين الحين والحين إلى الخصام الوقتي والجفاء القصير الأمد

وبما لصديقه أول بل لاعب الكمان الأشهر من نفوذ، عين هنريك إبسن عام 1850 في المسرح الصغير بمدينة برجن، وكان يقوم بدور شاعر المسرح وراويته، ثم عمل في لجنة مطالعة المسرحيات، وفي لجنة كتابتها، ثم عمل مديرا للمسرح، فأصاب من كل هذا اختباراً مهد له سبيل الظهور، وإلماماً بدقائق المسرح وتفصيلاته مكنه من تصميم المناظر في روائع أدبه، كمهندس بارع ومفتن قل من يجاريه أو يدانيه. . .

وفي عام 1858، تزوج إبسن من الآنسة سوزانة تورسن وهي فتاة من برجن ذات شخصية قوية وعقل راجح؛ فكرست حياتها لمساعدة زوجها على تحقيق أمانيه، وتوسيع مدى نشاطه. فكانت له نعم الزوج، ونعم الرفيق. . .

وإذ كانت حرب دانماركة مع بروسيا مشتعلة الأوار عام 1862 غادر هنريك إبسن نروج إلى روما مزوداً بإعانة حكومية قدرها أربعمائة من الجنيهات. وفي تلك الحاضرة الخالدة كعبة الإمبراطورية الرومانية الزائلة، ازدهرت في إبسن ملكة الشعر وتأصلت، وتغير أفق خياله متخذاً لوناً جديداً وأسلوباً جديداً. فكانت أول ثمرة نضجت له في هذا المهجر مسرحيته الشعرية التي امتدحت حال ظهورها، واستقبلت من الجمهور بنهم عجيب. فأخذ إبسن يصعد درجات الشهرة الظافرة والنجاح الأكيد بخطوات حثيثة وقدم لا تلين، إذ سرعان ما أخرج للعالم مسرحيته الشعرية الخيالية التي تعد أجود ما كتب وأفضل قطعة أدبية أخرجها للوجود. وقد اقتبس إبسن مناظر هذه الرواية من مسقط رأسه (سكين) فعرض جماله ونوه بسحره. وجسم هضابه ووديانه

وفي عام 1868، كانت الحوادث تنذر بسوء، وتهدد سلامة إيطاليا. فانتقل كاتب نروج الأول إلى مدينة درسدن التي جعلها مقراً وملاذاً لسنوات طوال، شهدت مولد طائفة من الروايات الاجتماعية، ورأت كيف يشيد إبسن مجده ويوطد مركزه الأدبي الذي انفرد به في عصره والفقر الذي كان يلازم هنريك ملازمة الظل، ويطارده مطاردة الصائد للظبي، خر أمام الشهرة صريعاً مقهوراً، وأقلع عن تتبعه راجعاً عن تعقبه

وفي عام 1891، عاد كاتبنا إلى بلاده بعد سبع وعشرين سنة من النفي الاختياري، واستقر في كريستيانا ما بقي له من العمر. وكانت أمواج الحياة قد سكنت، ولججها قد عاودها السكون. فأخلد إبسن إلى شيخوخة هادئة مطمئنة، وقل ظهوره في المجتمعات إلا في مناسبات تمثيل رواياته، أو حفلات تكريمه، ومات عام 1906 وهو في الثامنة والسبعين

ذلكم هو إبسن، أديب نروج الممتاز. ولسوف تذكره الأجيال القادمة كشاعر ومفتن استطاع أن يخلق أشخاصا أحياء، وأن يكسو أفكاره المسرحية برداء من الجمال لا تبليه الأيام. لقد كان إبسن بحق البناّء الرئيسي للدراما الحديثة.

وديع فلسطين

بجريدة الأهرام - القاهرة