مجلة الرسالة/العدد 533/واجب الكاتب المصري

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 533/واجب الكاتب المصري

مجلة الرسالة - العدد 533
واجب الكاتب المصري
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 09 - 1943


للأستاذ عباس محمود العقاد

للدعوة إلى مذهب من المذاهب الاجتماعية أو السياسية طريقان:

أحدهما طريه صريح، وهو التنويه بفضائل المذهب الذي تدعوا إليه، وتجريد المذاهب التي تخالفه من أمثال هذه الفضائل

والطريق الثاني غير صريح، وهو الإكثار من ذكر العيوب التي يفهم القارئ أنك توجهها إلى نظام اجتماعي بعينه؛ ثم السكوت عن إسناد أمثال هذه العيوب إلى الأنظمة الأخرى، كأنها براء منها

فإذا كنت تعيش في ظل الديمقراطية وأكثرت من الكلام عن البطالة والجوع والمرض وغيرها من العيوب الاجتماعية، فقد يفهم القارئ من ذلك أنك تقدح في الديمقراطية ولا تمس غيرها بمثل ما تعيبه عليها

ويسري هذا الفهم إلى ذهن القارئ في الزمن الذي نعيش فيه خاصة، لأنه زمن الصراع بين المذاهب الاجتماعية والأمم التي تدين بكل منها، حتى جاز أن يقال إن نتيجة الحرب الحاضرة هي نتيجة الصراع بين هذه المذاهب على صورة من الصور، وأهمها الديمقراطية والشيوعية والنازية وزميلتها الفاشية كما هو معلوم

فالكاتب الذي ينقد العيوب الاجتماعية في النظام الديمقراطي يجب أن يشير إلى أمثالها في النظم الأخرى، إلا إذا كان من قصده أن يبشر بتلك النظم من طريق الإنحاء على العيوب الديمقراطية

والذين يذكرون البطالة ومتاعب الفقراء من كتابنا يجب عليهم أن يقرروا الحقيقة التي لا شك فيها إن كانوا يؤمنون بها، وهي أن المذاهب الأخرى لم تعالج هذه المشكلة علاجا أفضل من العلاج الذي تهتدي إليه الديمقراطية، ولا تزال تسعى إلى تحسينه، وإلا كان إلصاق هذه المشكلة بالديمقراطية وحدها مخالفاً للحقيقة ومخالفاً للقصد السليم

أما الحقيقة التي لا شك فيها، ولا حاجة بها إلى الإطالة في البيان، فهي أن النظم الاجتماعية الأخرى قد فشلت في علاج مشكلة البطالة والفقر، ولم توفق إلى علاج لها يضمن دوامه وتحمد عقباه فالبلاد الألمانية مثلاً قل فيها عدد العاطلين قبل الحرب الحاضرة، واحتاجت إلى الأيدي العاملة من بلاد أجنبية

ولكن الفضل في ذلك لا يرجع إلى المذهب الاجتماعي الذي غلب على البلاد الألمانية وهو النازية، وإنما يرجع إلى تسخير الأيدي كلها في صنع السلاح والذخيرة، وتقسيم الشبان بين جنود يعملون في الجيش، وعمال يصنعون لهم أدوات القتال

والنازية عدو الشيوعية كما هو معلوم، وبين المذهبين من الخصومة مثل ما بين الأمتين الجرمانية والروسية، ولكن الروسيين قد استطاعوا في السنوات الأخيرة ما استطاعه الألمانيون من إقلال عدد العاطلين، ولا فضل في ذلك للمذهب الاجتماعي الذي يدينون به وهو الشيوعية، وإنما الفضل فيه للتجنيد وتحويل الكثير من المعامل إلى مصانع للذخيرة والسلاح

فاشتغال المصانع بالتسليح هو سبب القدرة على إقلال عدد العاطلين، سواء كانت البلاد التي تدير مصانعها لهذا الغرض شيوعية أو نازية، أو كائناً ما كان المذهب الاجتماعي الذي تدين به وتقيم الحكومة على أساسه

وليس بالديمقراطية من عجز عن هذه القدرة، ولا تقصير في هذا المضمار

بل هي أقدر من النازية والشيوعية معاً على تشغيل الملايين في المصانع والمزارع حين تحتاج إلى المؤونة والسلاح

وعدد الصناع الذين يعملون اليوم في البلاد الديمقراطية يربي على عمال النازيين والشيوعيين مجتمعين

والأجور التي ينتفعون بها أفضل وأقوم من الأجور التي تصل إلى أيدي الصناع في البلاد الألمانية والروسية

فتدبير العمل عن طريق التسليح فضيلة لا يختص بها مذهب من المذاهب الاجتماعية على اختلافها

وليس هو حلاً صالحاً للمشكلة الاقتصادية التي تواجه الأمم في أيام السلم أو أيام الاشتغال بالتعمير والبناء

بل هذا الحل الوبيل هو البلاء الذي يهون إلى جانبه بلاء البطالة وإن ترك بغير علاج إذ ليس من حلول العقلاء أن تطعم العاطلين فترة من الزمن طعاماً فيه الغنى أو ليس فيه غنى على الإطلاق ثم ترسلهم بعد ذلك إلى الذبح بالملايين من مختلف الميادين

وليس من حلول العقلاء أن تنكشف الحرب في البلاد المهزومة عن أضعاف من كانوا بها من العاطلين وهم عاطلون وبهم من البلاء، فوق بلاء التعطيل، تشويه وتشريد وتنكيل

هذا دواء أهون منه الداء

هذا هو الجنون الذي يؤدي إليه سلب الحرية وتسخير الشعوب المغلولة كما تسخر الأنعام

وشفاء هذا الجنون أن تعالج الأمور على أساس التعاون بين الطبقات والتعاون بين الأمم والتعاون بين الحكومات

وهذا الذي تحاوله الديمقراطية وترجو أن تبلغ فيه بغيتها من التوفيق والنجاح

فإذا نجحت فذلك نجاح الإنسانية، وإذا فشلت فذلك فشل الإنسانية التي لم تتمخض بعد عن مذهب أصلح من الديمقراطية لعلاج هذه المشكلات

لكن البوادر تدل على الخواتيم

والبوادر كما نشاهدها في برنامج (بيفردج) أو ما شاكله من البرامج أدعى إلى التفاؤل من جميع هاتيك المواعيد الكاذبة التي تمنينا بها مذاهب التدمير والعداء، سواء قام العداء بين الطبقات أو بين الأجناس البشرية من مختار في زعم أصحابه وغير مختار!

فالخطة الديمقراطية ترمي إلى تحصيل الضرائب الكافية من موارد الشركات والأفراد، وإنفاق هذه الضرائب على معونة الشيخوخة ومعونة الطفولة ومعونة العاطلين كلما قضت بعطلهم ضرورات المجتمع الذي يعيشون فيه

وهذه هي الخطة المثلى التي تجمع بين المطالب المأثورة في المذاهب الاجتماعية على تناقضها

فهي تقيم المجتمع على التعاون وتعفيه من أوضار الحقد والبغضاء بين هذه الطبقات

وهي تطلق الأيدي في التنافس والتسابق وترفع عن الناس وصمة الحجر الذي يتركهم مسخرين مقيدين كنزلاء السجون أو نزلاء الملاجئ والمستشفيات

وهي في الواقع ترد كل شيء إلى الأمة كأنها تقرر مبدأ الملكية العامة من طريق غير الطريق الذي يتوخاه الشيوعيون، لأن الأغنياء أصحاب الضياع والمصانع لا يبقى لهم من ثمرات أملاكهم بعد الضرائب التي ترتقي إلى تسعة أعشار الدخل في بعض الأحيان إلا نصيب كنصيب الموظف في شركة أو ضيعة يديرها لحساب مالكها الأصيل. ومزية هذه الطريقة على الطريقة الشيوعية أنها تبقي في الأفراد عزيمة المنافسة والاستقلال والطموح إلى الامتياز، وأنها مع ذلك ترد الثروة كلها إلى الأمة لتنفقها على سنة التعاون بين الطبقات

وتلك مزية الخطة الديمقراطية.

وفوق ذلك مزية الحرية وهي مناط الكرامة الإنسانية.

ومن الثرثرة الفارغة أن يصيح الصائحون كلما ذكرت لهم حرية الديمقراطية: نعم! ولكن ماذا تغني الحرية مع الجوع؟ وماذا نصنع بالحرية والبطون خاوية؟

هذه ثرثرة فارغة يلفظ بها بعضهم حسنة نياتهم بريئة مقاصدهم، ويلفظ بها الآخرون وهم يعلمون أنهم مكابرون وأنهم يخاطبون معدات الجهلاء ولا يخاطبون رؤوس العقلاء.

فمن الذي قال مثلاً إن الحرية لا تكون بغير جوع؟ ومن الذي قال إن الديمقراطية فرضت خواء البطون على جميع الأحرار؟

ومن الذي قال إن المذاهب الأخرى قد سلبت الحرية وحلت مشكلة الجوع؟

فالذي رأيناه أن المذاهب الأخرى حلت مشكلة الجوع بالموت والخراب، وأنها تخرج من الموت والخراب إلى بطالة أخرى شر على الأمم من البطالة الأولى، ثم لا محيص لها في نهاية المطاف من حل المشكلة على الخطة الوحيدة التي يضمن لها الدوام وتؤمن بعدها العقبى، وهي خطة الديمقراطية كما نتمثلها الآن وكما يرجى لها من التقدم بعد التجارب المنظورة

فالذين يقولون: ماذا تغني الحرية مع الجوع ينبغي أن يدلونا على المذهب الاجتماعي الذي سلب الحرية وأراح الناس من مشكلة الجوع؟

أما وهم لا يستطيعون ذلك فعليهم أن يذكروا هذه الحقيقة ولا يغفلوا عن التنبيه إليها، ما داموا لا يريدون الدعوة إلى بعض المذاهب من طريق التشهير بالعيوب وحصرها في النظام الاجتماعي الذي يعيشون فيه

إن الحرية مع الجوع لا خير فيها

وإن الشبع مع الاستعباد وزوال الكرامة الإنسانية كذلك لا خير فيه وإنما الفارق بين القولين أن زوال الحرية في ظل الشيوعية والنازية محتوم، ولكن الجوع في ظل الديمقراطية ليس بمحتوم ولا هو من المبادئ التي تدخل فيها كما تدخل الاستهانة بحرية الفرد في صميم المبادئ الشيوعية والنازية

وهناك فارق غير هذا الفارق بين القولين: وهو أن الشبع غاية حيوانية، وأن كرامة الحرية غاية إنسانية، وكفى بالديمقراطية فضلاً أنها تخاطب الإنسان ولا تخاطب الحيوان، وأنها تعامله معاملة المكلف الرشيد ولا تعامله معاملة القاصر الذي تشرف عليه الحكومة وتخدعه عن كرامته بأحاديث الشبع والجوع، وهي لا تكفل له الشبع ولا تريحه من الجوع. . . بل تخاطب المعدات لأنها عاجزة عن خطاب العقول.

عباس محمود العقاد