مجلة الرسالة/العدد 533/من آثار العراق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 533/من آثار العراق

مجلة الرسالة - العدد 533
من آثار العراق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 09 - 1943


الجسر العباسي

للأستاذ ميخائيل عواد

1 - تصوير

إذا جولنا في أنحاء العراق شاهدنا عدداً لا يستهان به من الجسور المتنوعة الطراز، المتفاوتة الحجم، تعلو أنهاره ونهيراته، بينها القديم الأثري، وبينها الحديث المكين؛ كما أن التاريخ ينبئنا بوجود جسور قديمة شيدت في أشهر المدن العراقية المطلة على المياه، وغير أن يد الزمان قد عبثت بها فجعلتها أثراً بعد عين

وإلى القارئ هذا البحث في أحد الجسور القديمة في العراق، نعني به (الجسر العباسي) القائم بجوار بلدة زاخو في شمالي العراق

ولقد استقصينا عدداً من التصانيف العربية القديمة والحديثة، طائفة من كتب الرحالين والسياح الفرنج؛ أملاً في الوقف على ما ينير السبيل أمامنا في هذا الموضوع، غير أننا لم نعد من جميعها إلا بالنزر اليسير من العلم بأمر هذا الجسر. ولعل أهم ما وقفنا عليه ما دونه الرحالة الأثري (بروسر) في كتابه عن (المباني الأثرية في شمالي ما بين النهرين)

ولهذا الجسر أسماء عديدة أطلقها الناس عليه في ظروف ومناسبات مختلفة. من ذلك: الجسر العباسي، جسر العباسيات، جسر الخابور، جسر دلالي، جسر الإسكندر، جسر الحسنية

ويلاحظ القارئ أن اثنتين من هذه التسميات أطلقتها عليه بالنظر إلى موقعه: (فجسر الخابور) يشير إلى أنه يركب متن هذا النهير، كما أن (جسر الحسنية) يدل على أنه شيد عند بلدة الحسنية. أما سائر التسميات فقد أطلقت عليه بناء على ما شاع بين الأهلين هناك من الروايات والأساطير التي لا تدعمها الحقائق الراهنة ولا تؤيدها المستندات التاريخية

2 - موقعه

على نحو من ميل واحد شرقي بلدة زاخو ينتصب (الجسر العباسي) فوق نهير الخابور الذي ينبع من الجبال الممتدة في جنوبي أرمينية، ثم يسير متمعجاً بين ثنايا تلك الجب حتى يصب في دجلة فوق قرية (فيشخابور) على نحو من 75 ميلاً شمالي الموصل؛ أي عند الحدود العراقية التركية. وهذا الخابور هو المعروف في المؤلفات العربية القديمة ب (خابور الحسنية) نسبة إلى البلدة المعروفة بهذا الاسم

وقد تطرق البحاثة المستشرق (لسترنج) في كتابه الموسوم ب (أراضي الخلافة العباسية) إلى ذكر هذا النهير وجسره فقال: (إن هذا النهير كان يخترقه جسر حجري لا تزال بقاياه ماثلة للعيان قرب قرية حسن آغا التي ربما تمثل المدينة القديمة. إن الحسنية التي كان فيها جامع تصلى فيه الجمعة قد وصفه المقدسي بقوله إنه موقع ذو خطر)

ويبدو لنا من كلام (لسترنج) أن الأمر قد اختلط عليه بعض الشيء، فلم يفرق بين الجسر العباسي الذي نحن بصدده، وبين جسر آخر ما زالت بعض معالمه ظاهرة للعيان، كان فيما مضى يعلو الخابور ذاته، ويطلق عليه (جسر كيسته) بينه وبين جسر العباسي نحو من ثمانمائة متر

ولا يزال الجسر العباسي صالحاً بعض الصلاح لمرور السابلة من فوقه؛ وقد كان فيما مضى المسلك الوحيد الذي تسلكه القوافل حينما تقصد من الأنحاء الشمالية المختلفة؛ أما (جسر كيسته) فلا أثر لقناطره اليوم، لأن يد الدهر سطت عليها، وعملت على تقويضها حجراً بعد حجر، ولم تبق منها اليوم سوى ركائز قواعدها الحجرية المغروزة في الماء

3 - صفته

يبلغ طول الجسر العباسي 114 متراً، وعرضه 4 أمتار و70 سنتمتراً وهو يتقوم من خمس قناطر تتفاوت شكلا واتساعاً، فأكبرهن تكاد تعلو عرض الخابور بكامله هناك؛ إذ تبلغ فتحتها 16 متراً، وارتفاعها عن مستوى سطح ماء الخابور في أيام انتقاصه زهاء 15 متراً، ومن هنا تتجلى لنا عظم المصاعب التي تجشمها البناؤون أثناء تشيدهم هذه القنطرة الواسعة! ومن يلق نظرة على صورة هذا الجسر ير ريازة هذه القنطرة من الطراز المعروف ب (المسنم)

ثم يلي هذه القنطرة سعة، قنطرة ثانية فتحتها 11 متراً، على شكل يقرب من نصف الدائرة. أما الثلاث الباقيات ففتحاتهن أصغر من السابقة وهن على شكل أنصاف دوائر

وطبيعي أن يؤدي هذا التفاوت في اتساع القناطر إلى ارتفاع وسط الجسر وانحدار جانبيه حتى يتساوى وسطح الأرض عند حافتي مجرى النهر

ويلاحظ المرء أن ثلاثاً من هذه القناطر شيدت على يسار القنطرة الكبيرة - باعتبار مجرى النهر - وواحدة فقط على يمينها

شيد الجسر العباسي من حجارة مزلمة، مختلفة الحجم، قليلة الهندام؛ لكنها مرتبة بنظام، وقد تلاحكت بعضها ببعض بالملاط القوي

وقد يبدو هذا الجسر للناظر، لأول وهلة بسيط التركيب، ضعيف القوام، لكنه بالرغم من مظهره هذا، عاش قروناً طوالاً، وعارك فيضانات الخابور المتدفقة من أعالي الجبال المحيطة بتلك البقاع، ومياه الخابور ذات أمواج متلاطمة مزبدة، وهي في صراع دائم مع الصخور الصلبة التي تكون قعر النهر، وهذا ما يسبب تيارات ودوارات مائية سريعة تجعل الملاحة فيه كالمستحيلة

فوق هذه الأرض الصخرية القاسية شيد الجسر العباسي بقناطره الخمس ودعائمه الراسخة

وقد تطرقت العالمة الرحالة (جرترود بيل) إلى هذا الجسر في رحلتها المعروفة (من مراد إلى مراد)؛ لكنها قالت إنه يتألف من أربع قناطر، بينما هي في الواقع خمس كما أسلفنا.

4 - تشييده:

تضاربت الروايات في أمر تشيد هذا الجسر، وذهب الحدس والتخمين في ذلك كل مذهب، وما ذلك إلا لعدم وجود كتابة عليه تفصح عن زمن تشيده، أو نقوش تسعف الباحث في تقدير تاريخه، فضلاً عن صمت المؤلفات القديمة وعدم ذكرها له. ولأهالي تلك البقاع أسطورة يتداولونها فيما بينهم، ومنهم سرت إلى بعض كتب الرحلات الأجنبية. وخلاصتها أن هذا الجسر كان على ما يقولون قد سقط ثلاث مرات متتاليات عند محاولة تشيده حتى نفذ صبر البناءين وضاقوا ذرعاً بالأمر، فقال رئيسهم: يا قوم إن قائمته لن تقوم ما لم يضح في سبيله بدم بشري، على أن تكون ضحيته أول عابر طريق

وما هي إلا هنيهة وجيزة حتى أقبلت بنت عذراء اسمها (دلالي) فساقها القدر إلى أن تكون أول من يقع عليها القرار الذي أشار به رئيس البنائين، فاستيقت تلك الفتاة قسراً وأدمجت في الحال ببناء الجسر وهي حية، وترك طرف ذراعها ذات السوار الذهبي بادياً للعيان، ولكن من تلك الفتاة يا ترى؟ إنها كانت ابنة رئيس البنائين نفسه. ولكن هل لذاك الرئيس من محيص وقد سبق السيف العذل! وللأهالي القاطنين تلك البقعة أشعار وأغاني باللغة الكردية يتناقلونها صاغراً عن كابر ويتلونها في ذكر دلالي، وفي عظم الفاجعة التي حلت بها، وهذه الأشعار ذات لون أدبي خاص، وتعد من أجمل القطع الأدبية الشعبية

هذا ملخص الرواية الشائعة هناك رويناها دون أن نبدي رأياً فيها، لأن المراجع القديمة الموثوق بصحتها لا تساعدنا في هذا الشأن

وقد ذهب فريق من الكتبة المحدثين إلى أن تشييد هذا الجسر كان قد تم على أيدي الرومان؛ فإن هؤلاء القوم اجتازوا بشمالي العراق في المائة الرابعة قبل الميلاد وعبدوا مسالك عسكرية ومنها الجسور لتمر عليها جيوشهم الجرارة الذاهبة لمنازلة الفرس

من ذلك ما زعمه (هموتن) بقوله فيه إنه (جسر روماني فخم معقود فوق أحد روافد دجلة عند زاخو. . . وصار يعرف على مر الأزمان بجسر الإسكندر)؛ ثم ساق رواية دلالي المارة الذكر

ونحن نرى في هذا الرأي تساهلاً كبيراً؛ إذ يصعب صمود هذا الجسر مدة تزيد على الألفي سنة يقاوم فيها محن الزمان وتصرفات المياه

والذي انتهى إليه (بروسر) في درسه هذا الجسر أنه لا شيء يوثق به فيما يخص تشييده؛ ومع ذلك فقد ذهب إلى أنه شيد في المائة السابعة للهجرة (بين المائة الثانية عشرة والثالثة عشرة للميلاد)، وإنه بهذا الاعتبار من الآثار التاريخية الماثلة للعيان التي تعود إلى أواخر أيام الدولة العباسية.

(بغداد)

ميخائيل عواد