مجلة الرسالة/العدد 533/المشكلات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 533/المشكلات

مجلة الرسالة - العدد 533
المشكلات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 09 - 1943

6 - اللغة العربية

للأستاذ محمد عرفة

لماذا أخفقنا في تعليمها؟ - كيف نعلمها؟

لقد هال بعض علماء العربية ما يرونه من تعلم ولدان الأعراب لغتهم بالطريقة الطبيعية إذ يخرجون يتكلمون بها لا يخطئون ويعربون فلا يلحنون، ووازنوا بين هؤلاء الولدان وبين تلاميذهم الذين يعلمونهم على طريقة القواعد والقوانين، فرأوا البون شاسعاً، والفرق واضحاً: هذا يصيب ولا يخطئ، وهذا يخطئ ولا يكاد يصيب، إذا أخذ الأول بالخطأ لم يطاوعه لسانه، وتعذر عليه الخطأ كما يتعذر على الآخر الصواب. رأوا هذه المشاهدة، ووازنوا هذه الموازنة، فذهبوا إلى أن اللغة العربية للعرب ولأبنائهم بالطبيعة والفطرة، ولغيرهم بالتعليم، وشتان بين ما هو بالطبيعة وما هو بالتعلم والتكلف؛ ولن يبلغ المتكلف وإن بلغ الغاية شأو الطبعي الفطري

وهذا المذهب غير صحيح وإن كان أصحابه معذورين في الذهاب إليه

أما العذر فلأنهم يفنون أعمارهم في درس اللغة العربية وقوانينها وعللها وأسبابها، يبذلون طاقتهم ثم لا يجدونهم قد بلغوا ما يبلغه ذلك الغلام الذي ينشأ في البادية من إجادة اللغة وامتلاك ناصية الشعر والنثر

وأما أن هذا المذهب خطأ فيدل عليه أنه لو كانت اللغة العربية طبيعية في العرب لما تخلفت، لأن ما بالطبيعة والذات لا يتخلف. ونحن نحكم بالتخلف، فلو أخذت صبياناً من أبناء العرب وربيتهم في فارس أو الروم لخرجوا يتكلمون الفارسية أو الرومية، ولم يحسنوا شيئاً من العربية؛ وإذن فليست اللغة العربية في العرب وأبنائهم طبيعة وليست فيهم لذاتهم، ولو أخذت صبياناً من أبناء فارس وربيتهم في بادية العرب لخرجوا يتكلمون العربية ولم يعرفوا شيئاً من لغة فارس والروم. فالصحيح من القول إذن أن اللغة العربية في العرب وغيرهم بالتعليم والاكتساب؛ إلا أن الطريقين مختلفان، فالعرب يتعلمونها بالحفظ والاختلاط وتربية الملكة، والنحاة يتعلمونها بالقواعد والقوانين، ويهملون تربية الملكة، فتكون الطريقة الأولى أجدى وأنفع، وتكون الطريقة الثانية أخيب وأقل جدوى

ونحن ليس في استطاعتنا أن تكون البيئة العربية فنأتي بالطريقة الفطرية، ولكن في استطاعتنا أن نقارب، وأن نقلد الطريقة الفطرية فنحسن التقليد، ونكثر من الحفظ، ونعمل على تكوين ملكة اللغة بالعادة والدربة والتكرار

أيجمل برجال التعليم أن يخطئوا في تعليم الولدان اللغة العربية فيعلموا بالقواعد ما لا يعلم إلا بالتكرار والحفظ ثم يطالبونهم بكتابة مواضيع تكون جارية على أساليب اللغة، خالية من اللحن والغلط، فإن لم يستجيبوا لهم ونسبوا إليهم العجز والتقصير؟

كيف يكتبون كتابة جارية على أساليب العربية ولم تتكون في أذهانهم مقاييس ونماذج عربية يكتبون على مثالها؟ وكيف يتكلمون كلاماً جارياً على أساليب اللغة ولم تتكون في أذهانهم صور ذهنية تدعوهم للتكلم على منهاجها؟ وكيف نطالبهم بالسرعة والجودة في الكلام وتوفير الزمن والجهد وهم لم يكتسبوا ملكة اللغة التي بها يكون ذلك؟

الحق أنكم تستنبطون الماء من الحجر، وتطلبون في الماء جذوة نار. الحق أنكم تأتون الأمر من غير بابه، وتلجمون الفرس من الخلف. الحق أنكم إذ تلومون التلاميذ على خيبتهم في اللغة تلومون غير ملومين، وتأخذونهم بذنب أنتم علله، وبجريرة أنتم أسبابها. ولو أنصفتم للمتم الطريقة التي علمتموهم عليها، أو بالحرى لرجعتم باللوم على أنفسكم

يا قوم جربتم طريقة القواعد في تعلم اللغة العربية ألف مرة، وفي كل مرة تخفقون، وجربتها الأجيال قبلكم كذلك، فجربوا مرة واحدة طريق الحفظ والتكرار، وأنا كفيل لكم أن تحمدوا هذه التجربة، وألا تعدلوا بها غيرها، ولو بذل لكم ما يستطاع للعدول عنها إلى طريقتكم الأولى لم تفعلوا، لأنكم قد وجدتم في هذه الطريقة النجاح حين وجدتم في الأولى الإخفاق

ونحن نعلم في مدارسنا المصرية اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، كما تعلمها مدارس الجاليات الأجنبية، ولكن الشركات والبنوك والمحلات التجارية التي تصطنع هاتين اللغتين في الكتابة والخطابة تفضل أن تستخدم من تخرج في المدارس الأجنبية على أن تستخدم من تخرج في المدارس المصرية، لأن الأول يجيد اللغتين كتابة وحديثاً، والثاني أبانت التجربة أنه لا يجيدهما كأخيه. أتدرون لم ذلك؟ إن شؤم طريقة تعليم اللغة بالقواعد قد تعدى إلى هاتين اللغتين، فمدارسنا المصرية تعلمهما على طريقة حفظ القواعد، أما المدارس الأجنبية فتعلمهما على الطريق الطبعي طريق الحفظ والتكرار والمحادثة حتى تثبتهما ملكتين راسختين في النفس فيجيد تلاميذها الكتابة والحديث بهما، ومن أين لتلاميذ المدارس المصرية أن يجيدوهما وهم إنما عرفوا القواعد ولم يجعلوهما ملكتين بالحديث والتكرار؟

ومن ذلك نعلم أن هذا الإخفاق لا يرجع إلى قصور في عقول التلاميذ المصريين ولا إلى كسل يستولي عليهم، وإنما يرجع إلى هذا الأسلوب العقيم. وهذا هو السر أيضاً في كثرة التلاميذ الذين يرسبون في هاتين اللغتين، فنحن الذين يجنون عليهم، ثم نحملهم جريرة عملنا، ونأخذهم بذنوبنا

سمعت أحد أبنائي يردد صيغاً من اللغة الإنجليزية ويقول هذا للمذكر وهذا للمؤنث وهذا للجمع

فقلت له: ماذا تفعل؟ قال: أحفظ درس القواعد. قلت له: ما هكذا يكون، ينبغي أن تأتي بجمل تامة من اللغة الإنجليزية في مخاطبة المذكر ومخاطبة المؤنث والجمع، وتفهم معناها وتكررها وتحفظها، وتتحدث بها حتى تكون ملكة، ثم تأخذ القاعدة منها إن شئت. هذا هو الأسلوب الفطري في تعلم اللغة؛ أما أن تأخذ اللغة من القاعدة فهذا ليس طريقاً طبيعياً. لقد كان يعجزنا ونحن تلاميذ أن نحفظ قواعد اللغة العربية، فكنا نستعين عليها باستنتاجها مما نحفظ ومما رسخ في أذهاننا، وصار ملكة فينا. مثلاً: إذا كنا لا ندري ما عمل كان وأخواتها، وما عمل إن وأخواتها، رجعنا إلى ما رسخ في نفوسنا، واستشرنا ملكاتنا ونطقنا بأمثلة نحفظها، فيها كان وإن، ونرى كيف تنطق بها ألسنتنا، كقوله تعالى: (كان الله غفوراً رحيما)، (وإن الله على كل شيء قدير). ونستنبط من ذلك أن كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، وأن إن تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا تقريب لما أريد أن يكون في تعليم اللغات. أريد أن تثبت الأساليب والألفاظ بالحفظ والتكرار حتى تكون ملكة، ثم تستنتج منها القواعد، ولا أريد أن تحفظ القواعد لتعلم منها الأمثلة، فإن ذلك يجعلها ملكة إلا أن يلجأ إلى الحفظ والتكرار

ومن العجب أن تمكث هذه المدارس بين ظهرانينا هذا الدهر الطويل ونرى أسلوبها الناجح في تعليم اللغات، ونلمس نجاحه ولا نقتبس منها هذا الأسلوب! أيرى قوم طائفة تعمل عملاً فتنجح، ويعملون هم هذا العمل فيخيبون، ولا تدعوهم أنفسهم لترك أسلوبهم واقتباس أسلوب الناجحين؟ وأعجب من هذا أن ترى هذه المدارس أسلوبنا الخائب، وتلمس خيبته فلا تنصحنا ولا ترشدنا إلى الطريق القويم في تعليم اللغات

أيستطيع أحد أن يرى ضالاً يمشي على غير الجادة تنكبه الأحجار وترديه الحفر، ولا يقيمه على الجادة؟

لست أدري أأرجع باللائمة علينا لعدم استفادتنا منهم، أم أرجع باللائمة عليهم لعدم إرشادنا؟ ولكن يظهر أن بين الجماعات منافسة كما بين الأفراد؛ فلا ترى جماعة جماعة ضالة وتهديها السبيل. فإن كان ذلك كذلك فقد أغناكم الله عن أجنبي يضن عليكم بالنصيحة. وهاكم النصيحة من رجل من أنفسكم محب لكم يود خيركم، ويحرص على نفعكم، ويعز عليه أن تضيع جهودكم، وأن تبدد أعماركم. وهو ناصح أمين؛ فهل أنتم منتصحون؟

محمد عرفة