مجلة الرسالة/العدد 52/من الأدب الهندي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 52/من الأدب الهندي

الببغاء
من الأدب الهندي
روبندرونات طاغور
بتاريخ: 02 - 07 - 1934


الببغاء

لشاعر الهند الأكبر طاغور

ترجمة الأستاذ مصطفى كامل المحامي

كتب طاغور هذه القصيدة التي نترجمها اليوم منذ بضع سنين في بنغالي تحت عنوان (الببغاء) وقد فهم بعض الناس في الهند عند قراءتها أنها رمز لاذع عن النظام المدرسي المدخل بالهند، ثم انتشرت هذه القصيدة في بلاد أخرى من آسيا فقال الناس (من الممكن أن الشاعر قد أراد بشعره أن يشير إلى النظام الذي أدخل في بلادنا) ورأى آخرون أن غرض النظام الذي أدخله الأوربيون في آسيا هو الحصول على النتائج التي نجحت مع الببغاء؛ وتصايح بعض لأوربيين (أرأيتم الام يؤدي الأمر إذا أردنا أن ندخل التعليم العالي في شعب لا يفهم شيئاً من مبادئنا التعليمية العالية) ثم يديرون رؤوسهم والرضى ملء نفوسهم، وقليل ما هم الذين أدركوا أن ببغاءهم أيضا ينحدر إلى الموت في نفس الوقت.

- 1 -

كان عصفورا شديد الجهالة يهزج كل يوم، يقفز ويطير من هنا وهناك، دون أن يعنى بالعلم أو حسن السلوك.

فقال الملك يوما لا يصلح هذا العصفور لشىء، وهو يحدث مع ذلك أضرار جمة، فيتلف ثمار الحديقة الملكية؛ واستدعى في الحال وزيراً وأمر أن ويعلم العصفور أحسن التعليم.

- 2 -

كلف ابن أخي الوزير بتعليم العصفور، فعقد المعلمون أولاً مجلسهم، ثم تباحثوا وتجادل دون انقطاع، في الأسباب الحقيقية لجهل العصفور؛ وقرروا أخيراً أن عش الطائر المصنوع من الخشب، شديد الضيق فلن يسع العلم العريض، ورأوا قبل كل شيء أن يصنع له قفص جميل.

- 3 -

استدعواانعنا ليصنع قفصاً من ذهب، فجاء آية فنية مثيرةللإعجاب، حتى بادر الناس كل فج لرؤيته وقالوا: (سيتل العصفور أخيراً تعليماً حسناً)؛ وصرح آخرون: (حتى ولم ينل أحسن التعليم، فإن له الحظ أن يكون له قفص جميل! ما أسعد جَد هذا العصفور! ورجع الصانع سعيداً ملئ اليدين من حسن الجزاء، وابتدأ الأستاذ درسه بعد أن جذب نفساً من غليونه، وقال لا بد لي من مكتبة. فدعا ابن أخي الملك نساخي البلاد، فنسخوا ونقلوا الكتب حتى تجمع منها الكثير، فقال كل من رأى هذه الأسفار:

(مرحى سيكون له الآن من المعرفة قدر وفير)، ورجع النساخون بجوائز طردت عنهم إلى الأبد شر الفاقة.

وبذل الوزير لهذا القفص الثمين من ضروب العناية ما ليس له حدود، حتى جهر الناس جميعا وقالوا: سيتقدم التعليم بكل هذه الجهود، وتوفر على العناية بهذا القفص كثيرون، ولرقابة هؤلاء توفر نفر أكثر، وفازوا جميعاً بأسمى الهبات والعطايا.

- 4 -

تنقص الدنيا أشياء كثيرة، إلا أن الساخطين لا ينقصهم أن يهمسوا، (إن القفص معني به كل العناية، لكن العصفور على ما يظهر مهمل)؟ وبلغ الهمس آذان المليك.

فاستدعى الوزير واستخبره معنى هذا الهمس، فقال الوزير:

(يا مولاي، إذا أردتم معرفة كل الحقيقة، فاستدعوا المعلمين والنساخين والصائغ والرقباء على القفص ومراقبي الرقباء وقد قال الساخطون ما قالوا، لأنهم يتضورون من الجوع)، فاقتنع الملك وجزى الوزير، فأهدى سلسلة من الذهب إليه.

- 5 -

وتاق الملك يوماً إلى معرفة نجاح العصفور، فتوجه إلى المدرسة في حفل من الوزراء والأصدقاء والندامى، وأذاعوا زيارة الملك في الأبواق، ودقت النواقيس المعلقة فوق المدرسة، وأخذ العلماء يرتلون الأجزاء المقدسة، وهتف البناؤون والعمال والنساخ والصائغ فيوت واحد (ليحيى الملك).

وقال الوزير (مولاي! انظر!)

فأجاب الملك (مدهش! ولكن ما هذه الضوضاء؟)

فقل الوزير: ليست هذه ضوضاء فحسب، فان وراءها معنى خبيئاً؛ وطرب الملك كثيراً وجاز الدهليز، وحين أراد امتطاء الفيل خرج الناقد من مخبئه خلف شجيرة وقال بخبث: (هل رأيت العصفور يا مولاي؟)

فأجل الملك وقال: (لم أر العصفور حقاً) وكر راجعاً مع الأساتذة وهو يقول: (أريد أن أعرف الطريقة التي اتبعتموها في تعليم العصفور، فلما رآها الملك وجدها بديعة، ولم يلاحظ نقصاً في شيء، كما أن الأوامر كلها مرعية، ما كان في القفص ماء ولا حَب، وإنما كان يحشى فم العصفور بأوراق الكتب، فلم يعد قادراً على التغريد، إذ لم تبق أدني فرجة يخرج الصوت منها؛ وما كان أبشع المنظر! وقبل أن يمتطى الملك الفيل أمر بالناقد فلكمه جنده.

- 6 -

وغدا العصفور دقيقاً رقيقاً على مر الزمن حتى بدا كالميت، لكن الحراس ظنوا أنه مازال هناك أمل، والتفت العصفور نحو ل الضوء في الصباح، ورفرف بالغريزة على حائط القفص بجناحيه، وحاول أن يقطع أسلاك القفص الذهبية بمنقاره الواهن، فصاح الحارس: (أي أحمق!) وأسرع فأحضر الحداد فصنع أسلاكا من الحديد، ثم قصوا جناحي الطائر.

وقال أصدقاء الملك وهم يهزون الرءوس: (ليست طيور هذه الملكة جاهلة فحسب، وإنما تجمع إلى الجهل نكران الجميل)، وعاود المعلمون واجبهم باليقين الراسخ، ورجع الحداد قريراً بإلعطاء الجزيل، والحارس القانع بالراتب المبذول جزاء انتباهه

- 7 -

وقضى العصفور، ولميعرف أحد متى مات، واذاع الناس قالة السوء، واستدعى الملك ابن أخيه يسأله عما حل بالعصفور:

- إن تعليمه قد تم يامولاى

- الا يقفز الآن؟

- كلا!

- أما يزال يطير؟

- كلا!

- أيغني؟ - كلا!

- فمذا يفعل إذا جاع؟

- لاشىء

- أحضره إلى فاني اريد أن أراه

واحضروه إلى الملك فلمسه وضغطه دون أن يظهر الطائر علامة على الحياة الا حفيف الورق الذي حشوا به معدته، على حين اهتزت أوراق الشجر وقد مرت بها نسمة من نسمات الربيع!

(طاغور)