مجلة الرسالة/العدد 48/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مجلة الرسالة/العدد 48/القصص

الأمير السعيد
The Happy Prince
القصص
المؤلف: أوسكار وايلد
المترجم: أحمد الطاهر
الأمير السعيد هي قصة قصيرة بقلم أوسكار وايلد نشرت عام 1888 في مجموعة "الأمير السعيد وقصص أخرى". نشرت هذه الترجمة في العدد 48من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 4 يونيو 1934



الأمير السعيد

للكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد

مترجمة بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر

يقوم تمثال الأمير السعيد على عمود باسق يشرف على المدينة، وقد كست التمثال لفائف من صفائح الذهب الخالص، وجعل له من الياقوت الأزرق عينان، وأمسك بسيف في قبضته ياقوتة حمراء. وكان هذا التمثال موضع الإعجاب والفخار من الناس أجمعين، فينظر إليه عضو من أعضاء المجلس البلدي فيتحدث عنه ويتكلف الوصف والتشبيه حتى يقول (إنه لجميل، وله من الجمال ما لديك الرياح، وإن لم تكن ما لذلك الديك من المنفعة) وكان هذا العضو يحاول ما استطاع في تشدقه بالحديث أن يمتاز بما للفنانين من بديع الذوق، وما للعمليين من صدق النظر،.

وتمر بالتمثال إحدى العاملات وبيدها طفلها يبكي لأنها لم تستطع أن تجتذب إليه القمر، وتقول له مفتخرة بالأمير السعيد (لم لا تكون يا بني كهذا الأمير، وما أحسبه بكي في حياته من حاجته لشيء؟)

وينظر إلى التمثال رجل قد شاع في نفسه اليأس ويقول (كم يسرني أن أرى على الأرض رجلاً قد حاز السعادة كاملة).

ويطوف بالتمثال أطفال المبرة وهم منصرفون من الكنيسة في أرديتهم القرمزية، وعباءاتهم البيضاء الناصعة فيقولون (أليس هذا التمثال شبيها بالملائكة!!) فينهرهم أستاذ الرياضة في حدة وجفاء مستنكراً هذا التشبيه (وأنى لكم هذا وأنتم لم تروا واحداً من الملائكة؟) فيجيب الأطفال (نحن لم نر الملائكة جهرة ولكنهم طافوا بنا في أحلامنا) فيعبس أستاذهم ويتولى.

في إحدى الليالي كان يطير فوق المدينة سنونو صغير، وكان رفاقه قد رحلوا إلى مصر وتقدموه بستة أسابيع وتخلف هو عنهم وقد فتن بحب مغردة تقطن شجر الغاب الذي يكتنف النهر، وكانت أجمل بنات جنسها، لقيها في الربيع وهو يطارد يراعة كبيرة صفراء، فأعجبه خصرها الناحل، فكاشفه بحبه وابتدرها في صراحة وبيان (أتأذنين لي في حبك؟) فأومأت إليه إيماءة خفيفة، فطار من فرط الفرح، وكانت آية حبه أن يحلق في الجو طائراً حولها يرتفع أحياناً ويسف بجناحيه أحياناً حتى يضرب بهما صفحة النهر، فيخط عليه سطوراً من فضة كانت هي تقرأ فيها التحية والإجلال، وكانت هذه تحيته طوال أشهر الصيف،

ولقد شاع حديث حبه بين أبناء جنسه، فتغامزوا عليه يتساءلون عن هذه الصلة التي توثقت بينه وبين المغردة، وهي ليست بذات مال ولها من أقربائها عدد وفير، وكان النهر غاصاً بأسراب المغردات.

ثم رحل رفاق السنونو رحلة الخريف وشعر صاحبنا بعدهم بسأم الوحدة وشاع السأم في نفسه حتى غشى حبه لصاحبته المفردة، فبدا له ما يعيبها من صمتها، وحدثته نفسه بأنها فتاة مبتذلة، ولا سيما وقد رآها تداعب الهواء في خفة ودلال!! وهو أن وثق بما لها من طبيعة الاستقرار، فلا يتفق طبعها مع ما جبل عليه من حب الأسفار، ولن تكون له إذاً الزوجة الصالحة، وصارحها يوماً برأيه فسألها (أتظعنين معي؟) فهزت رأسها مستنكرة أن تهجر وطنها. ولقد ساءه منها إباؤها، وصاح في وجهها (أنت إذاً كنت عابثة في حبي؟ سأرحل عن ديارك إلى الأهرام!! وداعا!! وداعا!!) وطار

طوى نهاره طائراً وأدركه الليل عند المدينة، فتحسس فيها مهبطاً سوياً، وساءه أن المدينة لم تعد له العدة لهبوطه، ثم تراءى له التمثال فطاب له النزول عليه، واستهواه من المكان هواؤه العليل واتخذ له بين قدمي الأمير مقعداً. ثم دار ببصره في المكان يتبينه، وقال معجباً (ما أجمله فراشاً من ذهب) ثم طوى رأسه تحت جناحه، وما لبث أن أحس بقطرة من الماء تسقط عليه فعجب للسماء تمطر بغير سحاب، والنجوم سافرة بغير حجاب، وما له يعجب لهذا الجو وهو في شمال أوربا أشد نكاية بالخلق وأبلغ إيذاء، ثم خطرت له المغردة وحبها لوطنها المطير وقال (إنها لمؤثرة) ثم قطرة ثانية تسقط عليه فينحى باللائمة على هذا التمثال القائم (أما فيه على طول قامته عاصم من الأمطار؟؟.) (سآوي إلى رأس مدخنة لعل فيها من المطر تقية) وهم بأن يطير فشخص ببصره إلى السماء ورأى. . . . وما أعجب ما رأى. . . . غشيت الدموع عيني الأمير السعيد، وهطل الدمع على خديه الذهبيين مدراراً، وبدا وجهه تحت سنا البدر في حلة من الجمال، أشفق السنونو من بكاء الأمير السعيد وقال له (من أنت؟) قال (أنا الأمير السعيد) قال (وما بكاؤك في هذه الساعة وقد بللتني دموعك؟) قال (كنت حياً وكان لي قلب كقلوب الناس، وما عرف الدمع إلى عيني سبيلاً، كنت أسكن قصر (البال الخالي) وكان الحزن لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، وكنت أمضي سحابة اليوم ألهو وألعب مع رفاقي بين الزهر والشجر، وأقضي هزيعاً من الليل أطرب وأرقص في بهوه الفسيح، وكان يحيط بالقصر حائط لم أحفل بما وراءه، وكان كل ما حولي جميلاً، طربت لهذه الحياة حتى دعتني حاشيتي بالأمير السعيد يحسبون السعادة في الطرب. إلى أن أدركني الفناء فأقاموني على هذا الشرف، أرى منه كل ما في المدينة فلا يقع بصري إلا على ما تكره الأبصار، ولا يمتد إلا ليرتد حسيراً، ولي قلب قد من الرصاص ولكن لا محيد لي عن البكاء،.)

عجب السنونو في نفسه من هذه القصة، وزاد عجبه أن القلب قد قد من الرصاص، والجسم من الذهب

قال الأمير في صوت هادئ ونغم موسيقى،: (في أقصى المدينة دار فيها البؤس، وفيها الشقاء، وفيها أم قد ألح عليها الفقر العنيف. حتى شحب وجهها، وغابت نضارتها، واحمرت يداها من فرط ما تعانيان من وخز الإبر، وهي جالسة إلى منضدة وبين يديها ثوب من الحرير توشيه (بزهر العواطف) وتعده لأجمل وصيفات الملكة، تريد أن تزدهي به في مرقص يقام في القصر غداً. وإني لأرى الأم من نافذة الدار وأرى ولدها الصغير طريح الفراش، تضطرم في أحشائه نار الحمى، ولا عاصم له من شرها إلا شربة من عصير البرتقال، وأنى لهذه الوالدة بعصير البرتقال؟ - إنها تسكب في فمه ماء النهر، وهو لا يروي صداه، ولا يدفع جواه، هذه رسالتي أيها السنونو الصغير، اخلع عن قبضة سيفي هذه الياقوتة، وألقي بها بين يدي الأم البائسة، فأنا في موقفي هذا لا أستطيع حراكاً بما شدت به قدماي إلى هذا العامود).

برم السنونو بهذا الأمر واستعفى منه الأمير قائلا (إن لي في مصر من يترقب عودتي. أولئك رفاقي ترفرف أجنحتهم فوق نهر النيل يناجون أزهار اللوتس العظيمة، وما أحسبهم الآن إلا آوين إلى مضاجعهم في مقبرة الملك العظيم، المضطجع في تابوته الموشى، وقد ضمت لفائف التيل الأصفر جسده المحنط بالتوابل والأفاويه، ويحيط بعنقه قلادة من الكديش الأخضر الشاحب، وتمتد يداه كأوراق الشجر الذابلة،)

توسل الأمير السعيد للسنونو أن يقيم معه الليلة، وأن يبلغ رسالته إلى ذلك الطفل الصادي، وتلك الأم الحزينة، قال السنونو أنا لا أعطف على الأطفال، فقد كنت في الصيف الماضي مقيماً على النهر، وكان هناك صبيان يحصبانني بالحصى وهما ولدا الطحان، ولم يكن الحصى يصيبني لما اشتهرت به طائفتنا من خفة الحركة، وسرعة الطيران، ولكن الذي يحزنني هو ما ينطوي عليه عملهما من المهانة لنا والتحقير لشأننا)

طافت بوجه الأمير سحابة حزن أشفق منها السنونو ولان قلبه وقال: (الآن طبت نفساً بالبقاء معك هذه الليلة، وسأحمل رسالتك) وشكره الأمير، واقتلع السنونو الياقوتة من قبضة السيف وضم عليها منقاره وطار،. . . طار فوق برج الكنيسة ورأى تماثيل الملائكة قد قدت من الرخام الأبيض إذا رأيتها حسبتها لؤلؤاً منثوراً، وطاف بالقصر الملكي فرأى مرقصاً ونعيماً ونوراً، وخرجت إلى شرفة القصر غادة جميلة مستندة إلى ذراع صاحبها فأنصت إليهما فإذا الرجل يقول (ما أغرب الحب وما أشده) قالت الفتاة لاهيةً عن حديث الحب بحديث الثياب (ما أشد لهفتي على ثوبي الذي أعده لليلة المرقص! لقد كلفت الحائكة وشيه بأزهار العواطف، ولكن الحائكة كسول،) وطار فوق النهر وأبصر المصابيح تتدلى على ساريات المراكب، وطاف بحي اليهود، فرأى شيوخهم يتنازعون في البيع والشراء، ويزنون الدراهم بموازين من نحاس، وحط على الدار الحزينة ونظر من خلال النافذة فإذا الصبي يصطلي بنار الحمى فلا يهدأ مضجعه، وإذا الأم قد احتواها التعب فقامت إلى فراشها. ونفذ السنونو إلى الغرفة وألقى بالياقوتة على المنضدة، ثم طاف يرفرف بجناحيه على الصبي. تحرك الصبي في مضجعه وقال (ما أعذب هذا النسيم العليل، لعلي واجد من المرض خلاصاً) ثم أخذته سنة مريحة.

عاد السنونو إلى الأمير السعيد، وقص عليه ما رأى وما فعل وقال (عجباً! إنني لأشعر بالدفء في هذا الجو البارد!) قال الأمير (ذلك بما وفقت إليه من فعل الخير)

وساد صمت عميق، كان السنونو فيه مطرقاً مفكراً وهو إذا فكر نام!! ولما انبثق الفجر طار إلى النهر واغتسل بمائه فأبصره أستاذ علم الطير، وراعه أن يرى السنونو في فصل الشتاء، وعد هذا من خوارق الطبيعة، فحرر مقالاً طويلاً نشره في الصحيفة المحلية وقرأه الناس جميعاً ولم يفهموا منه شيئاً لأنه وحشاه بألفاظ لا يفقهون لها معنى. قال السنونو وقد هزه الطرب (الليلة سأطير إلى مصر) وقام يزور آثار المدينة وأعلامها، فحط على منارة الكنيسة، وطابت نفسه بالاستراحة عليها ثم طار، وكان حيثما طار سمع تغريد العصافير يقول بعضها لبعض: (ما أعجب هذا الطائر وما أغربه!) فلما استمتع من رحلته وطلع البدر خف إلى الأمير السعيد وقال له (هل لديك رسالة أحملها إلى مصر، فأنا ميمها الساعة)

قال الأمير السعيد (أيها السنونو الصغير هل لك أن تبقى معي الليلة؟) قال السنونو (إن لي بمصر رفاقاً يترقبون عودتي. وما أحسبهم في الغداة إلا طائرين إلى الشلال الثاني ينعمون بطلعة فرس النهر مضطجعاً بين أوراق البردي ويسعدون بلقيا الإله ممنون جالساً على عرش من الجرانيت يناجي النجم طيلة الليل، حتى إذا أقبلت نجمة الصباح حياها بصيحة عالية ثم لزم الصمت، ويرقبون الأسود الصفراء ذات العيون الخضراء تنساب إلى الشاطئ وتستسقي ثم تزأر زأرة تذوب في صداها زأرة الشلال،) قال الأمير (أيها السنونو الصغير! في أقصى المدينة رجل يقيم غرفة وقد أكب على أوراق بين يديه، وأمامه باقة من زهر البنفسج الذابل، وله شعر مجعد، وشفتاه كجب الرمان، وعيناه ناعستان، أراه جاداً في نسج قصة تمثيلية يعدها لمدير المرسح وقد ألح عليه البرد والفقر فما يستطيع منهما خلاصاً، وما يستطيع معها التحرير،)

قال السنونو وقد رق قلبه (إني مقيم معك الليلة، فهل أنت مرسلي إليه بياقوتة أخرى؟) قال الأمير (لقد نفد الياقوت الأحمر، وما أملك إلا عيني، وهما من الجوهر الأزرق النادر، جلبت حبتاهما من ألف سنة من بلاد الهند، فاقتلع واحدة منهما وخذها إلى الرجل يبيعها للجوهري ويشتري طعاماً وناراً فيقوى على إتمام قصته) قال السنونو (أيها الأمير السعيد، لا قبل لي بما كلفتني، وما أستطيع على بعض هذا صبراً) وذرفت عيناه. قال الأمير (افعل ما أمرتك به) وفعل، وطار إلى القصصي فنفذ إلى غرفته من ثغرة في سقفها، وكان الرجل قد أسند رأسه إلى يديه فصمت أذناه، ولم يسمع حفيف أجنحة السنونو، ثم رفع رأسه وبهره بريق الجوهرة الزرقاء وسط باقة البنفسج الذابل، فأفتر ثغره عن ابتسامة فيها الزهور وفيها الإعجاب وقال: (لقد آن للناس أن يحسنوا تقديري، ما أحسب هذه العطية إلا من عظيم قد أعجب بقصصي وما أحسبني الآن إلا قادراً على إتمام القصة) ثم أشرقت في نفسه السعادة،.

وفي الغداة طار السنونو إلى مرفأ المدينة وجلس إلى سارية سفينة فأشرف على الحمالين وهم يجتذبون الصناديق الثقيلة وقد شدوها إلى الحبال، وألقي إليهم السمع وهم يصيحون جماعات كلما اجتذبوا صندوقاً فصاح بهم السنونو وقال (أنا طائر إلى مصر) فلم يحفل به أحد، ثم طار في ضوء القمر إلى الأمير السعيد وقال (جئت الآن لأستودعك الله) قال الأمير (هل لك أن تبقى معي الليلة؟) قال (نحن في زمان الشتاء وسيشتد البرد بهذه المدينة ومالي بها بعد اليوم مقام. سأطير إلى مصر فأنعم بشمسها الحارة تنصب على رءوس النخل الأخضر، وأسعد برؤية تماسيحها، وقد اطمأنت إلى أرض رخوة واستمرأت الكسل، ودارت عيونها تبصر ما حولها، وما أحسب رفاقي إلا جادين في اتخاذ أعشاشهم في معبد بعلبك، ترقبهم أعين الحمامات الرقطاوات تتناجى بأعذب الأنغام، أيها الأمير العزيز لست بعد اليوم مقيماً، وما أنسى فضلك وجودك، وسأعود إليك في الربيع وفي فمي جوهرتان جميلتان أعوضك بهما عن الجوهرتين اللتين جدت بهما، ستكون إحداهما أشد حمرة من الورد، والأخرى أشد زرقة من البحر.).

قال الأمير (هنا في الميدان فتاة تبيع أعواد الكبريت، ولقد سقطت الأعواد من يدها وأصابها البلل فما تصلح للبيع، وستلقى الفتاة من أبيها نصباً، وإني لأرها باكية، وأراها حافية القدمين حاسرة الرأس،. . اقتلع عيني الأخرى وجد بها عليها عل أباها يعفيها من سوط عذابه) قال السنونو (أما البقاء معك هذه الليلة فنعم، وأما ما تأمرني به فلا! أتحسبني لا أعصيك في هذه فأقتلع عينك فتصبح مكفوفا!!) قال الأمير (بل لا تعص لي أمراً). . . فما عصاه. . .!

وطاف فوق رأس الفتاة وأسقط الجوهرة في يدها. قالت (ما أجمل هذه الزجاجة! وسارعت إلى بيتها ضاحكة مستبشرة،) وعاد السنونو إلى الأمير وقال له (أما الآن فحق علي البقاء معك، فقد أصبحت كفيفاً ولا غنى لك عني!) قال الأمير المسكين (بل ارحل إلى مصر) قال السنونو (ما بي إلى الرحلة حاجة، ولن أبرح مقامك) وطوى رأسه تحت جناحيه واستكن بين قدمي الأمير) وفي الغداة جلس على كتف الأمير وأخذ يقص عليه من أنباء الدنيا عجباً، قص عليه أنباء طير مصر المعبود، وكيف وقوفه على ضفتي النيل يمسك بين منقاريه سمكاً ذهبياً، وقص عليه أنباء أبي الهول وقد عمر عمر الدنيا واتخذ الصحراء مسكناً، وأوتي علم كل شيء، وقص عليه أنباء التجار يسيرون الهوينى بجانب إبلهم وفي أيديهم مسابح من الكهرمان يذكرون عليها اسم الله ويسبحون بحمده، وقص عليه أنباء الأرقط الذي يأوي إلى سعف النخل، وله من الكهنة سدنة عشرون يطمعونه فطيراً معسولاً، وقص عليه أنباء الأقزام وما شب بينهم وبين الفراش من حرب في البحر،

وألقى إليه الأمير السمع ثم قال (أيها السنونو الصغير، في حديثك العجب، ولكني أرى في شقاء الرجال وشقاء وفي النساء ما هو أعجب، ليس في العالم مأساة أمعن في الأسى من الشقاء) طر أيها السنونو فوق مدينتي، وائتني بأنباء ما ترى، وما لا أرى.

طاف بالمدينة فرأى دوراً منجدة، وقصوراً مشيدة. وأغنياء ينعمون وعلى أبوابهم سابلة محرمون،!

وطار إلى أزقة يغشاها الظلام فرأى أطفالاً يتضورون جوعاً، ترنو أبصارهم المتلهفة إلى الشوارع المظلمة، ورأى تحت جسر صبيين قد استلقيا على الأرض متعانقين يتقيان شر البرد، ويهمس أحدهما في أذن الآخر (ما أشد الجوع) فينهرهما حارس الليل ويقول (ما ينبغي لكما أن تقيما في هذا المكان) فيفران وقد صب عليهما عذاب عنيف من الجوع والبرد والمطر.!

وعاد السنونو إلى الأمير وحدثه بما رأى، قال الأمير (هذه لفائف الذهب فوق جسدي فانزعها عني ورقة ورقة وهبها إلى الفقراء، فقد جبل الناس على حب الذهب، كأنهم يرون فيه السعادة.)

وقام السنونو ينزع الذهب عن الأمير ورقة بعد ورقة، حتى بدا جسمه كالح اللون شاحباً، وطاف بها على الفقراء يغدقها عليهم أرزاقاً، فتهللت وجوه الأطفال واستخفهم الطرب، فملئوا شوارع المدينة بشراً وسروراً وقالوا (لقد أوتينا طعاماً).

ثم قسا الشتاء على المدينة وصب عليها صقيعه وجليده، وتدلى الثلج من النوافذ، وخرج الناس يبتغون أرزاقهم، وقد اكتسوا الفراء، وخرج الأطفال يلعبون ويتسابقون زحفاً على الثلوج، كل هذا والسنونو تضنيه تباريح البرد، ولكنه لا يبتغي عن الأمير حولاً. يبتغي في الأرض رزقه من فتات يسترقه من حانوت الخباز، ويبتغي دفئه من تحريك جناحيه الضعيفين، ولكنه أحس أخيراً بدبيب الموت يسري في جسمه المقرور، وأحس بقواه تضعف وتخور، حتى لم يقو على أن يطير إلا مرة واحدة يصعد بها إلى كتف الأمير، وقال (وداعاً أيها الأمير العزيز، أتسمح لي أن أقبل يدك) قال الأمير (إني لسعيد بما عزمت عليه من الرحلة إلى مصر - أيها السنونو الصغير - لقد طال مكثك معي. خذها قبلة من فمي فإني أحبك) قال (ما رحلتي إلى مصر ولكن إلى دار البقاء، وما يفزعني الموت فهو صنو النعاس، أليس هو كذلك؟) ثم طبع على فم الأمير قبلة. . . ثم رفرف بجناحيه. . . وسقط بين قدميه. . . ميتاً،.

في هذه اللحظة سمعت في جوف التمثال قرقعة داويه، وكان قلبه وقد قد من الرصاص قد انشطر شطرين.

وفي الصباح مر عمدة المدينة بالميدان وحوله أعضاء المجلس البلدي فشهدوا التمثال وقد أصبح عاطلاً من حلاه، وقال العمدة (ما أقبح منظر الأمير السعيد!) قال أعضاء المجلس (حقاً ما أقبحه!) وكانوا دائماً يرددون ما يقوله العمدة - ثم صعدوا إلى التمثال ليتبينوا شأنه وقال العمدة (لقد ضاعت حلاه، وسقطت عن قبضة سيفه ياقوتها الحمراء، وسقطت من عينيه جوهرتاهما الزرقاوان، وتعطل جسده عن لفائف الذهب، وهو بهذا لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال أعضاء المجلس (وهو لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال العمدة وهاكم طائراً قد مات بين قدميه، أرسلوا في المدينة إلى الطير نذيراً ألا يموت أحد في هذا المكان، وحرر كاتب المدينة إعلاناً كتب فيه (ممنوع موت الطيور هنا).

دكوا تمثال الأمير السعيد، وما بهم إليه من حاجة بعد أن زال عنه جماله، ثم صهروا معدنه، وعقد العمدة مجلساً يتشاورون فيما يستخدم فيه معدنه المصهور،.

قال العمدة: (ما أرى إلا أن تعملوا منه تمثالاً، ويكون التمثال لي) وقال كل عضو من أعضاء المجلس: (ويكون التمثال لي) فدبت بينهما الشحناء، وماج بعضهم في بعض وما زالوا مختلفين،.

قال أحد العمال الذين يصهرون معدن التمثال (هذه قطعة من الرصاص لا تذوب في النار ولا تلين) والقى بها على كومة القمامة، وكان على الكومة جثمان السنونو)

فلو قال الله لملائكته ائتوني باثنين من أعز ما لقيتم في المدينة، وأتاه الملائكة بقلب الأمير وجسم الطائر - لقال لهم (صدقتم فيما اخترتم - وسعت جنتي هذا الطائر الصغير يغرد فيها، وهذا الأمير السعيد يسبح بحمدي)

أحمد الطاهر