مجلة الرسالة/العدد 457/الهند. . .

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 457/الهند. . .

مجلة الرسالة - العدد 457
الهند. . .
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1942


للأستاذ أبو الفتوح عطيفة

هي الدرة اليتيمة في التاج البريطاني! من أجلها حقدت الدولة على بريطانيا، وبسببها تحملت إنجلترا الكثير من الشدائد ونزلت بساحتها الكوارث. إليها رنت أبصار الفرنسيين، وهفت قلوب الألمان، وداعب طيفها اليابان. وهاهي ذي اليوم تستعد للهجوم، وتتحفز للوثوب على الهند.

لقد داعب نابليون طيف الهند! اشتد العداء بين فرنسا وإنجلترا، ورأى نابليون أن خير طريق لقهر إنجلترا هو غزوها في بلادها (وإرغامها على إملاء شروط الصلح في لندن)!

حينذاك يسجد للعالم أمام نابليون، وتحت أقدام فرنسا والفرنسيين! ولكن دراسة هذا المشروع ردت نابليون إلى صوابه فعلم أن غزو إنجلترا ضرب من الأوهام والأحلام. إذن أين يوجه الطعنة القاتلة إلى بريطانيا؟ هداه تفكيره إلى أن خير طريق للوصول إلى هذه الغاية إنما يكون بالاستيلاء على مستعمراتها وبخاصة الهند، وكيف يكون ذلك؟ إن ذلك يمكن أن يتحقق إذا تمكن من غزو مصر، فمن مصر يمكن السير براً إلى الهند. ألم يفعل ذلك الاسكندر المقدوني أكبر قواد العصور القديمة؟ لم لا يفعل نابليون بونابرت أكبر قواد العصور الحديثة؟ وعبارة نابليون (لضرب إنجلترا يجب أن نكون سادة مصر) مشهورة معروفة، وفي نفس المعنى قال تاليران: (عن طريق مصر نصل إلى الهند). وتنفيذاً لهذه الخطة قدم نابليون بحملته المشهورة إلى مصر في أول يوليو سنة 1798، وبقى بها سنة وبضعة أشهر، ورأى بعيني رأسه آماله تنهار ومشروعه يفشل، وتحت جنح الليل البهيم غادر مصر في 22 أغسطس سنة 1799 وبعد قليل لحق به جيشه؛ وهكذا فشلت الحملة ولم يستطع نابليون الوصول إلى الهند.

ومن اجل الهند وحرصاً عليها خرجت بريطانيا على صداقتها التقليدية للروسيا وناصبتها العداء طوال القرن التاسع عشر لأنها رأت في مطامع روسيا وفي توسعها في آسيا خطراً على الهند، ولكن الخطر الألماني وحد بين صفوف البريطانيين والفرنسيين والروسيين. ومن أجل الهند والمستعمرات البريطانية الأخرى ناصبت ألمانيا إنجلترا العداء. وقد فزعت إنجلترا من تقدم الألمان نحو القوقاز في الصيف الماضي وسارعت إلى احتلال إيران، وكل ذلك لتأمين الهند.

والهند تجذب أنظار العالم اليوم لعاملين:

1 - اقتراب الخطر الياباني منها.

2 - ذهاب السير سترافورد كريبس إليها لحل مشاكلها المتعددة ووضع نظام جديد لحكمها.

مشاكل الهند

ليس هناك دولة في العالم تحاكي الهند من حيث كثرة مشاكلها وتعددها وصعوبة حلها، فهي من ناحية من أغنى بلاد العالم، ومن ناحية أخرى من أكثر جهاته ازدحاماً بالسكان.

ومع هذا فإن حكمها ليس بالأمر اليسير الهين، وذلك لتباين ديانتها واختلاف عناصرها وكثرة لغات أبنائها وكراهية طوائفها بعضها لبعض كراهية شديدة

يبلغ عدد سكان الهند 320 مليون نسمة، ومساحتها مليوناً ونصف المليون ميلاً مربعاً، أو قدر نصف مساحة أوربا. على أن بريطانيا لا تهتم بالهند حباً في حكها، ولكن لأنها سوق عظيمة لمصنوعاتها ومورد للمواد الخام. وقد كانت صادرات بريطانيا إلى الهند في كثير من السنين أعظم من صادراتها إلى دولة أخرى. وقد بدأت الهند تدخل في الدور الصناعي وقد جاء هذا الدور على يد البريطانيين وتحت إشرافهم

ومشكلة الهند أمام إنجلترا تنحصر في أمرين: الإشراف على سكانها البالغ عددهم 320 مليوناً، وترقية التجارة البريطانية مع الاحتفاظ بالسلام. وليس من السهل حكم دولة معقدة كالهند ذلك لان التباين بين سكانها عظيم بدرجة يستحيل معها تحقيق أي وحدة حقيقية بين أجزائها، فلكل إقليم من أقاليمها ولكل دين من أديانها وطائفة من طوائفها أفكارها ومعتقداتها، ويتكلم سكانها 170 لغة، وتنقسم إلى 2400 طائفة. ومن أبنائها 217 مليونا من الهندوكيين و 60 مليوناً من المنبوذين، وهؤلاء هم أحط سكانها، وهم مجرمون من الحقوق المدنية؛ والبراهمة وعددهم 14 مليوناً، والمسلمون وعددهم 66 مليوناً

وبالهند سبعمائة مقاطعة تحقد الواحدة منها على الأخرى وتملك خمس أرضها؛ وعدد سكانها 75 مليوناً، وأكبر مقاطعاتها حيدراباد وسكانها 13. 000. 000 نسمة. وبعض هذه الولايات قديمة التاريخ، وبعضها حديثته

على أن البريطانيين حين قدموا الهند عقدوا معاهدات مع الكثير منها وضمنوا لها استقلالها الذاتي وأقروا حكمها، وقد احترمت هذه المعاهدات حتى الوقت الحاضر، وهؤلاء الحكّام ليسوا مستقلين ولكن يخضعون لجلالة ملك بريطانيا وإمبراطور الهند ولنائبه الحاكم العام

والهند ما تزال أمة زراعية واهم محصولاتها القمح والقطن، وتعتمد الزراعة في كثير من جهاتها على الري ومعظم أمطارها موسمية؛ وهي في البنغال وأسام وبرما فقط تكفي للزراعة. أما في باقي الأجزاء فتختلف الأمطار من عام لعام مما عرض الهند لكثير من المجاعات التي كانت تقضي على الملايين من أبنائها. وقد خفف التقدم الحديث في وسائل النقل من وطأة هذه المجاعات. وتعنى حكومة الهند الآن بمشروعات الري وبواسطتها أن تزرع 20 , 000 , 000 مليون فداناً

وبتزايد عدد سكان الهند عاماً بعد عام (50 مليوناً في السنين الأخيرة) ولكن عدد المهاجرين من أبنائها مازال قليلاً، ولذلك يتعذر على الكثير من أبنائها الحصول على طعامهم، ويضطر الكثيرون منهم إلى الاستدانة على المحصول الجديد قبل نضجه

موقف بريطانيا

ليست مشاكل الهند الاجتماعية والاقتصادية من خلق بريطانيا ومع هذا يلقى الهنود تبعتها دائماً على بريطانيا ويطلبون منها حلها واشتراك أبنائها في حكم بلادهم. وقد منحت بريطانيا الهنود كثيراً من السلطة الإدارية المحلية عقب الحرب الماضية إرضاء لهم، فتركت لثمان من ولاياتها الكبيرة شئونهم الداخلية الخاصة بالتعليم والزراعة والصناعة والصحة والأعمال العامة، وعينت كثيرين من أبنائها حكاماً لولاياتهم، وأشركتهم في المجالس التشريعية، وأنشأت مجلساً للدولة يرأسه الحاكم العام وعدد أعضائه ستون: منهم 16 من الهندوكيين و11 من المسلمين و3 من السيخ و3 من الأوربيين والباقي من موظفي حكومة الهند البريطانيين، وجمعية تشريعية يرأسها كذلك الحاكم العام وعدد أعضائها 140 منهم 100 منتخبين، ولكن حرمت هذه الجمعيات من بعض الحقوق الهامة فلا تسري قراراتها المتعلقة بالدين العام وبقوات الدفاع وبالسياسة الخارجية بدون موافقة الحاكم العام

وقد شعر كثير من الهنود أن الحقوق التي نقلت إليهم قليلة الأهمية وبذلك طلبوا من بريطانيا أن تمنحهم الحكم الذاتي وغلا بعضهم فطلب الاستقلال. على أن أي حل لا يرضي مختلف الطوائف سيكون نصيبه الفشل. ويجب أن تنتبه بريطانيا إلى مطالب المسلمين بصفة خاصة وذلك بالنسبة لعظيم عددهم وشدة تمسكهم بمطالبهم.

وقد طار إلى الهند أخيراً السير (سترافورد كربيس) ليحاول حل القضية الهندية (وان ذهابه إليها دليل على أن حكومة بريطانيا وشعبها يعلمان بأن مطالبة الهند بأن تكون أمة قائمة على حق). ونحن نتمنى له التوفيق في مهمته

أبو الفتوح عطيفة