مجلة الرسالة/العدد 45/بين المعري ودانتي في رسالة الغفران

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 45/بين المعري ودانتي في رسالة الغفران

مجلة الرسالة - العدد 45
بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 05 - 1934

4 - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة

بقلم محمود احمد النشوى

الجحيم في الروايتين

إذا تحدث الأدباء فيما بينهم عن جحيم دانتي. فإنما يريدون تلك الكوميدية التي لم تقصر نفسها على الجحيم تذكر طبقاته وحراسه ومعذبيه، بل ضمت جوانحها ثلاث نواح: الجحيم ' المطهر أو الأعراف والفردوس ودانتي في كل ذلك يبلغ نهاية الإجادة. بيد أنه في وصف الجحيم كان اكثر إسهاباً وأشد قوة، فطعى اسم الجحيم على الرواية كلها واستأثر بالاسم وحده بين كثير من المتأدبين.

ولكن المعري لم يعن بجهنم كما عنى بالفردوس. ولم يسهب في وصفها كما أسهب في وصف الجنة. ولعله ما كان يريد أن يعرض للجحيم لولا رغبته أن يتم لابن القارح نعيمه. وأن يعظم شكره. فقد قال المعري بعد أن استكمل لابن القارح كل لذائذه في فراديس الجنان: ويبدو له أن يطلع على أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم بدليل قوله تعالى (قال قائل منهم إنى كان لي قرين. يقول ائنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا تراباً وعظاما أئنا لمدينون. قال هل أنتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم. قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) فيركب ابن القارح بعض دواب الجنة، ويسير بها صوب الجحيم معرجاً في طريقه على (جنة العفاريت) يلتمس من أشعار أهلها متحدثا (مع الخيثعور أحد بني الشيصبان، ومع أبي هدرش) مارا على الحطيئة عند شجرة قميئة، وليس عليه نور سكان أهل الجنة فيسائله عن سبب دخوله الجنة فيقول له الحطيئة: بالصدق في قولي:

أبت شفتاي اليوم إلاتلكما ... بهجر فما أدري لمن أنا قائله

أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقب حامله

ثم يغذ في سيره حتى يشرف على جهنم فيرى امرأة تطلع على من فيها. فيقول لها من أنت؟. فتقول: أنا الخنساء السليمة. أحببت أن انظر إلى صخر. فاطلعت فرأيته كالج الشامخ. والنار تضطرم في رأسه، فقال لي: صح زعمك في، يعني قولي:

وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار

ثم يتركها متغلغلا في طبقات الجحيم.

طبقات الجحيم في الروايتين

لم يعن المعري بتقسيم الجحيم إلى طبقات، لكل طبقة من العصاة والمذنبين جزء مقسوم. ولم يسهب في وصف أهوالها وآلامها إسهاب دانتي. بل كان همه لقاء الشعراء وحوارهم فيما نسب إليهم من شعر. وفي تصحيح الرواية، وبيان الوجوه النحوية واللغوية والصرفية. فلم تكد تقع عينه على امرئ القيس حتى يسائله عن إعراب (يوم) وعن تخفيف الياء من (سي) وتشديدها في قوله

ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل

ثم يقول: ليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم؟ فيقال ها هو ذا من تحتك ان شئت أن تحاوره فحاوره في (سخينا) من قوله. .

سنعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا

أمن السخاء. أم من الماء السخين؟. إلى كثير من حوار وجدل، ذلك سبيله، سنفرده بالحديث حين الكلام عن الحوار في الروايتين.

ولقد بذل دانتي مجهودا عظيما في تقسيم جهنم، فقسمها إلى تسع طبقات اختص كل طبقة منها بطائفة من المعذبين، ووصف ما هم فيه من عذاب وآلام وصفا مؤثراً بليغا. ففي الطبقة الأولى رأى الملائكة الذين لم يطيعوا الله ولم يطيعوا الله ولم يطيعوا ابليس حينما تمرد على ربه. انتظارا للنتيجة حتى يتبعوا الغالب في زعمهم؛ ثم رأى خلقاً كثيرا عريت أجسامهم، وانتابتها أفواج من الذباب والزنابير تدمى جلودهم، وتنهل من دمائهم.

وفي الطبقة الثانية رأى المحبين الذين أسرفوا فالقوا أنفسهم في حمأة الخطيئة. ومن بينهم باولو وعشيقته فرنشسكا التي قصصت خبرها في العدد الماضي.

وفي الطبقة الثالثة رأى البخلاء والمسرفين يلعن بعضهم بعضا. ويقول الأولون للآخرين: لماذا أسرفتم؟ فيقول الآخرون: للأولين لماذا قترتم؟. ولن يغنى تخاصم أهل النار عنهم من العذاب من شيء.

وفي الطبقة الخامسة يرى الحمقى الذين كان يستفزهم الغضب وهم يضرب بعضهم بعضا. ثم يرى المتكبرين والمتغطرسين في بركة سوداء مترعة بالأوحال والأقذار، وهم يتقلبون فيها خاشعين. ينظرون من الذل من طرف خفي.

فأما الطبقة السادسة فهي مقابر متراصة. تزخر بالأنين وباللهب، وأعدت لمن أنكروا الله ووجوده.

وفي الطبقة السابعة نظر نهرا من دم يغلي يغوص فيه السفاكون، وقاطعوا الطريق.

وفي الطبقة الثامنة رأى رجال الدين المتجرين به. والذين كانوا يدّعون أنهم خلفاء المسيح الذي أحب الفقر وآثره على الغنى. بيناهم يتساقطون على الحطام تساقط الذباب على العسل، والكلاب على الجيف. ورأى المنجمين والمخادعين والمرائين. وهم يلبسون أثواباً باطنها رصاص يشوي الوجوه، وظاهرها ذهب لامع براق جزاء وفاقا على ريائهم. ودهانهم.

أما الطبقة التاسعة فهي زمهرير تجمد ماؤه، وضم في أحشائه إبليس، (ويهوذا الأسخريوطي) الذي نم على مكان السيد المسيح فدل اليهود عليه. ثم الذين خانوا أوطانهم مسهباً في وصف هؤلاء الخائنين. مفتنا في ذكره ما أعد لهم من جحيم ذي غصة، ومن عذاب أليم.

حراس الجحيم

تحدث المعري عن حراس الجحيم في قلة وفي دعابة. ثم ذكر شيئاً قليلاً من أعمالهم ووظائفهم، على حين أن دنتي ذكر لكل طبقة من طبقات جهنم حارساً أو جملة احراس، وأسهب في وصف أعمالهم وما يصبونه فوق رؤوس المعذبين من ويلات وآلام. وما أوجز المعري فيما أحدثك عنه إلا لأن المعري رجل دعابة وظرف، يريد أن يجتذ القارئ نحوه. وان يعلمه كثيراً من قواعد اللغة ومفرداتها دون أن يحس جفاف تلك الأبحاث كما عهدناه يحاول ذلك في (رسالة الملائكة)

وما أسهب دانتي إلا لأنه رجل موتور ممن شردوه ونفوه فهو يريد أن يرى واتريه يصب من فوق رؤوسهم الحميم. ثم هوغرس (الكنيسة) يهوى أن ينفر الناس عن الخطيئة ما استطاع لذلك سبيلا. فالمعري يقص علينا عمل الزبانية بما حدثنا به عن بشار بن برد. وقد أعطاه الله عينين بعد الكمه لينظر ما نزل به من النكال. ولكن بشارا يأبى إلا أن يغمضهما حتى تتوارى عنه الوان العذاب، فتفتحها الزبانية بكلاليب من نار. . . كما حدثنا عن الزبانية مرة أخرى إذ يغضب ابليس من حوار بين الأخطل وبين ابن القارح فيصيح فيهم قائلا: ما رأيت أعجز منكم إخوان مالك! فيقولون: كيف زعمت ذلك يا أبا مرة؟ فيقول؛ ألا تسمعون هذا المتكلم فيما لا يعنيه؟ فقد شغلكم وشغل غيركم عما هم فيه، فلو ان فيكم صاحب نحيزة قوية لوثب وثبة حتى يلحق به إلى سقر. فيقولون: لم تضع شيئاً يا أبا زوبعة ليس لنا على أهل الجنة سبيل. فيشمت ابن القارح في إبليس: فيقول إبليس عليه اللعنة: ألم تنهوا عن الشمات يا بني آدم؟ ولكنكم بحمد الله ما زجرتم عن شيء إلا وركبتموه. .

وكم كان المعري طريفاً حقاً إذ يحدثنا عن نداء ابن القارح لمهلهل أخي كليب حينما يقف في جنبات السعير وينادي: اين عدي ابن ربيعة؟ فتجيبه الخزنة قائلين: زد في البيان: فيقول: الذي يستشهد النحويون بقوله

ضربت صدرها إليّ وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقى

فيقول له خزنتها. انك لتعرف صاحبك بأمر لا معرفة عندنا به. ما النحويون؟ وما الاستشهاد؟ وما هذا الهذيان؟ نحن خزنة النار. فبين غرضك تجب اليه، فيقول: أريد المعروف بمهلهل التغلبي أخي كليل بن وائل الذي كان يضرب به المثل: فيقولون له: ها هو ذا يسمع حوارك فقل ما تشاء:

ذلك جل ما ذكره المعري عن حراس جهنم لم يسهب فيه ولم يطل

فأما دانتي وإسهابه ووصفه الغريب لكل شيطان من شياطين السعير فموعدنا بالحديث عنه العدد القادم.

يتبع

محمود احمد النشوى