مجلة الرسالة/العدد 420/الشيخ محمد عبده

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 420/الشيخ محمد عبده

مجلة الرسالة - العدد 420
الشيخ محمد عبده
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 07 - 1941


بمناسبة ذكراه السادسة والثلاثين

للأمام الأكبر الأستاذ محمد مصطفى المراغي

عبد من عباد الله الذين اختصهم بمزيد فضله، ومنحهم من صفات الإنسانية الفاضلة ما امتازوا به عن أقرانهم في عصرهم وأمثالهم في عصور أخرى، واشرفوا على الناس يألمون لما عليه الناس من انحطاط علمي وخلقي وأدبي، ويحاولون استبدال أمم أخرى بهم؛ ورجل ممن رزقوا لذة المعرفة، وأفيض عليهم نور العلم الإلهي ففهموا أسرار الدين، وعرفوا السعادة الحق على وجهها، منحه الله قوة في الجسم والحواس، وبسطة في العلم، وعقلاً قوياًّ نفاذاً، وفطرة سليمة، وإلهاماً صادقاً، وشجاعة في الحق، وزراية على الباطل، وقلباً رحيما بالضعفاء والفقراء، وحباً للبذل والإحسان

نشأ الشيخ في عصر من العصور القاتمة، كل شيء فيه ممض مؤلم للنفس الحرة والفطرة الصادقة. فالأمم الإسلامية تنحدر علمياً وسياسياً واجتماعياً إلى أحط الدركات، وليس لطالب الحرية العقلية بينها متنفس، والدين يفهمه الناس على غير وجهه، واللغة العربية اختلطت بغيرها من لغات العجم، والزلفى إلى الله لها طرق لم يشرعها الله، والزلفى إلى الحكام لها طرق لا يرضاها ذو مروءة ذهب ريح المسلمين، وتفلَّت من أيديهم زمام الحياة العامة، وتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة على القصاع، وليسوا قلة بين الأمم، ولكنهم كغثاء السيل

ذهب يتعلم فتعلم كما يتعلم غيره: قواعد جافة ليس لها حياة تصلها بمنابعها من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولا بأصولها من لغة العرب وأساليبهم وأدبهم. وتعلم القواعد في مختصرات رضيها ذلك العصر المظلم لا تفهم إلا بشروح وحواش وصناعة خاصة، فلا اللغة العربية بمسعدة على إجادة النظم والنثر والكتابة والخطابة، ولا على فهم القرآن الكريم وفق الأساليب العربية؛ ولا الفقه بساد حاجة المجتمع وحاجة الحكومات والدول في التشريع والتنظيم؛ ولا دراسة الكلام والمنطق بموصلة إلى الاستدلال الصحيح الذي يطمئن إليه العقل ويقنع الخصم. المتحدث في الاجتهاد وتخير الأحكام لتطابق الأحكام حاجة العصر، ولتلائم أحوال الأمم وأحوال الأزمنة، مبتدع مخالف لما أجمع عليه المحققون. والداعي إلى سيرة السلف الصالح داع إلى مخالفة سيرة العلماء المبرزين. والداعي إلى كتب الأولين مقصر عن فهم كتب المحققين من المتأخرين. والمنادي بأن كتب الفقه وكتب التفسير وكتب الحديث ملئت بمعلومات خاطئة وبأوهام وقصص لفّقها من قبل علماءُ الإسرائيليات مخالف لما درج عليه صالحوا هذه الأمة وجهابذتها

عاش الشيخ في هذه البيئة العلمية ضيق الصدر مرير العيش. فمن من أصحاب الفطر الصادقة والنظر السليم يؤمن بالقرآن ويعتقد أن فيه هدياً وفيه شفاء، وأن شريعة محمد ﷺ عامة للأمم كلها وللعصور كلها، يؤمن بأن هذه الدراسة الدينية والعربية تخرج للناس إماماً يهتدون بهديه، ويشفي أمراض المجتمع في علمه وخلقه ونظامه، ويضع له القوانين الصالحة والنظم اللائقة

عاش الشيخ في هذه البيئة يلتمس الوسيلة، وتطلب نفسه مخرجاً منه، وتتطلع إلى رجل يشفي صدره ويزيل قلق نفسه، ويشد أزره، ويبصره بالدين وبالحياة، وينضم رأيه إلى رأيه في أن هذا الذي يراه ليس هو الدين؛ وهذا الذي يعيش فيه الناس ليس هو الحياة؛ وهذا الذي يدرسه من الكتب ليس موصلاً إلى العلم الصحيح بل مبعداً عنه؛ وهذا الذي يتعارفه الناس في طرق الدراسة هو غير طرق الدراسة الصحيحة النافعة

مر بهذا الطور ثم أعطاه الله ما كانت تصبو إليه نفسه، فهبط إلى مصر جمال الدين الأفغاني، وهو رجل ثائر على النظم الموجودة جميعها: نظم الدراسة ونظم الحكومات؛ خبير بأحوال الدنيا وأحوال الأمم، عليم بأدوار التاريخ وما تقلبت عليه الأمم الإسلامية من أطوار، خبير بالتاريخ العلمي الإسلامي وبغيره من التواريخ، عالم بمذاهب الأمم ونحلها، عالم بالاستدلال وطرقه، بصير بالدعوة إلى الله سبحانه وبالدعوة إلى ما يريده من الآراء والمذاهب؛ يفقه أغراض الدين العامة، ويحترم العقل ويعرف له قدره، ويضع الرجال مواضعهم لا يعطيهم أكثر مما يستحقون

رجل يمت بصلة نسبية إلى صاحب الرسالة ويرى أن عليه ديناً لجده لا بد أن يؤديه. ذلك الدين هو وقف مواهبه جميعها على تبيين هذا الدين وإصلاح حال المسلمين. وجد الشيخ في السيد جمال الدين بغيته، ووجد ما يشبع نهمه ويشفي صدره ويزيل صدأ عقله ويشحذه، ويرد ذلك الجوهر صافياً نقياً لامعاً كما فطره الله، ثم يملؤه علماً ويقيناً وإيماناً ومعرفة ويعدهّ للإصلاح

أتم الشيخ دراسته، ولأمر ما أراد الله به كماله، هجر مصر لأسباب سياسية وطوّف في بعض بلاد الإسلام وبعض البلاد الغربية فأكتمل نضجه. ثم عاد واشتغل بالقضاء الأهلي وعرف أساليب القضاء الحديثة من منابعها فصار قديراً على الإصلاح في القضاء الشرعي كما هو قدير على الإصلاح العلمي وإصلاح نظم الدراسة

هيأت له الأسباب جميعها تولي إفتاء الديار المصرية وصار له شأن في إصلاح الأزهر بعضوية الإدارة فيه، وكانت مواهبه وجاهه وخبرته بالدولة ورجال الدولة مما جعله المسيطر على الإصلاح في الأزهر وصاحب النفوذ به

عرف الشيخ أن النفوذ والجاه ووضع النظم وما إلى ذلك لا يكوّن الرجال العاملين ولا العلماء المجددين، وأنه لا بد لهذا كله من أن يضاف إليه التعليم الصحيح وأن يتولاه بنفسه، فقرأ في الأزهر كتاباً قيما من كتب المنطق، وقرأ رسالة في التوحيد، وقرأ كتب الشيخ عبد القاهر في البلاغة وشرع يفسر كتاب الله.

كانت دروس الشيخ كالغيث. أما البلد الطيب فقد خرج نباته بإذن ربه؛ وأما البلد الخبيث فقد خرج نباته نكداً. وكانت دروسه مثلاً عالياً في طريقة الإلقاء والتفهيم وفي العبارات الفصيحة المتخيرة النافذة إلى القلوب. وكانت دائرة معارف يجد اللغوي فيها حاجته والفقيه رغبته والمتكلم بغيته. ويجد علماء الاجتماع فيها تطبيق آي القرآن على معارفهم، وكانت صرخاته المدوية منبهة للغافل ومحركة للجامد. وكانت عاصفة قوية هزت الأشجار الباسقة القوية فسقطت أوراقها الذابلة ثم أورقت. أما الشجيرات الضعيفة والحشائش الدنيئة فأفلتت منها ولم تنتفع بها

عاملان من أقوى العوامل وقفا في طريق الشيخ. عامل الحسد، وعامل البيئة. ومن المحال أن يوجد رجل كالشيخ في صفاته وعلمه لا يحسد. ولو أنه لم يحسد ولو أنه لم يرم بالكفر والضلال ولو أنه لم يشتد حسده ولم يقاوم أشد المقاومة بسبب الحسد لما كان شيئاً يتحدث عنه ولما كان رجلاً من رجال التاريخ وقديماً قال الإمام الغزالي: (استصغر من علماء الدين كل من بالكفر لا يعرف، وكل من بالضلال لا يوصف). والسلاح القاتل الذي يرمي به علماء الدين هو الكفر والزندقة، والمقتل الوحيد الذي يقصد بالسهام في علماء الدين هو العقيدة.

وأما البيئة فقد أشرت إليها من قبل ولا أبيح لنفسي أن أضرب الأمثال وأقيم الأدلة على أنها بيئة لم يكن من العدل أن ينتظر منها مناصرة الشيخ وقبول آرائه وطرائقه في الإصلاح الديني واللغوي وغير ذلك. ولم يكن من الحق أن يطمع الشيخ في مناصرتها إياه. وبخاصة أنه هاجمها هجوماً عنيفاً لا هوادة فيه وسفّه آراءها في أعز شيء لديها وهو العقيدة. وسبب ثالث له خطره وهو أن جهة ذات نفوذ أظهرت عدم الرضا عن الشيخ وساعدت خصومه. وان جهة ذات نفوذ آخر ساعدته وشدت أزره فظن القوم أنه رجل يريد إفساد الدين وإفساد العلم وإفساد الأزهر. ومن أشد مظاهر الحسد إذ ذاك أن عالماً من كبار العلماء كتب سلسلة مقالات في جريدة المؤيد يحرم فيها تعليم الحساب والجبر والهندسة والتاريخ في الأزهر لأن الشيخ كان أول المشيرين بتعليم هذه العلوم في الأزهر وكاد العناد يكون كفراً.

ذهب الشيخ إلى جوار ربه منذ ست وثلاثين سنة، وكان فضله مجحوداً، وكان يرمي بالكفر والزندقة. لكنه كلما ابتعد الناس عنه بالزمان اقتربوا من معرفته، وزاد المقرون له بالعلم والتقوى والإيمان والغيرة على الدين. والمقرون له بالإصلاح وبالذود عن الإسلام والمسلمين

مات الشيخ وبقيت طريقته في الإصلاح لم تمت، وبقيت آراؤه مدونة في الكتب ومرسومة في صدور تلاميذه المخلصين يورثونها الأبناء والأحفاد. إن ذلك المصباح لا يزال يسطع نوره ولا يزل نوره يمتد في آفاق البلاد الإسلامية وغيرها وسيتجلى للناس جميعهم عندما ينصفه التاريخ ويتقادم العهد أنه علم من أعلام الأمة ومجدد من مجددي الإسلام؛ وأنه أحد رجال السلف الصالح. تأخر ميلاده عن خير القرون لحكمة أرادها الله، فولد في القرن الثالث الهجري

ترك بذور الإصلاح للتعليم الديني وتعليم علوم العربية وبذور إصلاح القضاء الشرعي، وبذور إصلاح المجتمع الإسلامي والأمم الإسلامية. وليس في رجال تفسير كتاب الله من يضارع الشيخ أو يقاربه في تطبيق آي القرآن على سنن الاجتماع، وفي تصوير هدى القرآن، وفي فهم أغراض الدين العامة ودعته ليلة سفري إلى السودان لتولي قضاء مديرية دنقلة في نوفمبر سنة 1904، فسألني: هل معك رفقاء السفر؟ فقلت: نعم، بعض كتب آنس إليها وأستديم بها اتصالي بالعلم؛ فقال: أو معك كتاب الأحياء؟ فقلت: نعم؛ قال: الحمد لله، هذا كتاب لا يجوز لمسلم أن يسافر سفراً طويلاً دون أن يكون رفيقه؛ ثم قال لي: أنصحك أن تكون للناس مرشداً أكثر من أن تكون قاضياً، وإذا استطعت أن تحسم النزاع بين الناس بصلح فلا تعدل عنه إلى الحكم، فإن الأحكام سلاح يقطع العلاقات بين الأسر، والصلح دواء تلتئم به النفوس وتداوي به الجراح.

وداعبني مرة إثر خروجي من امتحان شهادة العالمية هل تعرف تعريف العلم؟ فقلت له نعم وكنت أحفظ إذ ذاك أكثر تعاريف العلم فسردت بعضها. فقال اسمع مني تعريفاً مفيداً العلم هو ما ينفعك وينفع الناس. ثم سأل: هل انتفع الناس بعلمك؟ قلت له لا. قال: إذاً أنت لست بعالم. فانفع الناس بعلمك لتكون عالماً

ولم يكن يفوته أن يذكر بالقرآن وأن يعتبر بالقرآن كلما ذكرت الحوادث وكلما جدت العبر، ولم يكن يفوته أن يشهر بالظالمين، وأن يثني على المخلصين العادلين. فقد كان يحب الحق أكثر مما يحب نفسه. عاش للعلم وعاش للدين وعاش للإسلام والمسلمين

رحمة الله ورضوانه عليه وعلى إخوانه الأئمة المهتدين

محمد مصطفى المراغي