مجلة الرسالة/العدد 407/نظرة في مناظرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 407/نظرة في مناظرة

مجلة الرسالة - العدد 407
نظرة في مناظرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 04 - 1941


للأستاذ محمد توحيد السلحدار بك

قال بعض أصحاب الفكر والذوق للمعاني: إن الثقافة وعي أطراف صالحة من أثمار العقول، العلمية والفنية والأدبية، بها يلتفت المثقف إلى المبادئ والأسباب والقوانين والحقائق، ويرشد قومه إلى الأصلح لحالهم، والأنفع لترقيتهم، والأخلق بالإنسانية. . .

ومناظرة الأستاذ العقاد بكلية الآداب - في أن (التراث الشرقي كاف لنضج الحياة العقلية بين الشرقيين) - هي مشاركة في بحث يمت إلى هذه الثقافة، إذ يرمي إلى إنارة الأذهان بالكشف عن الحقيقة في الخلاف بين الذاهبين إلى الأخذ عن الغرب وبين القائلين بالاقتصار على تراث الشرق، في سبيل نهضتنا؛ والحقيقة تتبين من مقابلة الشيء بضده، والموازنة بين الرأيين

ألقى علي الأستاذ الفاضل عبء الدفاع عن الرأي الذي يصعب تأييده، وهو ابن بجدته، فجاء من الحجج بما يعسر الخروج منه. وكان كلامه، مع إيجازه المطابق لمقتضى المقام، أحسن ما يستطيع مثقف أن يقول في الموضوع. وفي الأدب العربي فصول في مثل إيثار الدمامة على الجمال، ونحو ذلك من الموضوعات التي لا يجيد متناولها إلا بأوفر دراية ولباقة. لكن ذلك الكلام أذكرنا مناقضات نوردو للآراء المألوفة في الاجتماعيات والنفسيات، ورسالة روسو في حمد الجهل وتفضيله على العلم، وقد أجازه عليها مجمع ديجون وكدنا نصدقها يوم قرأناها

استخدم المناظر منطقاً وبياناً في طريقة حصيفة هدته إليها ثقافته؛ وصاحب المنطق يستطيع أن يهدي به ويضل، وصاحب البيان ساحر، والثقافة قدرة إن شاء حائزها أحالت الهدى ضلالا والضلال هدى، وهو لم يشأ، بل أراد فتق الأفكار والآراء بالمناقضة، وتعليم النظر الأدبي وذلاقة اللسان بالمثال البارع؛ وافتتح كلامه بقوله (كان من نصيبي) أن أؤيد هذا الرأي، فكأنه أراد أن ينبه في لطف على قبوله القيام بهذا التأييد كي تقوم المناظرة المفيدة؛ ولم يقل أن رأيه الشخصي هو الاكتفاء بالتراث الشرقي، وإن ساق الحجج الحاذقة في كفايته لنضج الحياة العقلية (عند الشرقيين)

قال: إن تراث الشرقيين هو (ما لهم من أشعار ومواعظ وأمثال وحكايات وآداب وقواعد سلوك، وروح العقائد الدينية والحكمة النفسية والفكرية، وما يصاحب ذلك من فقه شريعة ودين).

أما العلوم الطبيعية التجريبية - يعني العلوم الحديثة - والمعارف الرياضية، فإنها خارجه عن التراث الشرقي والتراث الغربي معاً، لأن (الحقيقة الطبيعية ثابتة في جميع الجهات)، يكتشفها (الإنسان باعتباره إنساناً مدركا حيث كان) و (ما كشف منها في الغرب تتمة لما سبقها منذ بداية عهد الإنسان بالمعرفة، فهي جزء من التراث الإنساني)؛ ولأن المعارف الرياضية (لا تتوقف على المشاهدات والمحسوسات بمقدار ما تتوقف على قوانين العقل المجرد، المعزول عن خصائص الأوطان والأزمان).

لكن تحقيق النظر في التراث الشرقي محصوراً في هذه الحدود يظهر أن لبابه من ثمر أحوال النفس الواحدة في البشر، ومن أحكام العقل البشري ونتائج تجارب الإنسان أينما كان، ومن مقتضيات حاجاته في الحياة الإنسانية: فالحب - مثلاً - في الشرق هو الحب في الغرب، وكذلك البغض أو الشجاعة أو الجبن، أو الفرح أو الحزن وسائر الوجدانيات، وكل أولئك معزول في ماهيته عن خصائص الأوطان والأزمان؛ والإنسان (باعتباره إنساناً مدركا حيث كان)، قد عرف حاجته إلى الحث على الخير والنهي عن الشر، والى إقامة النظام يتقي به آفات الفوضى؛ وهذه المعرفة ونتائجها من التراث الإنساني. ومن الحكم والمواعظ العربية ما له نظائر في تعاليم (كونفوشيوس) مثلاً، أو في أخلاقيات (فوفنارج)؛ وفي الشرائع الرومانية ما يقارب بعض الشرع الإسلامي؛ وفي الأدب اليوناني ما يماثل بعض الشعر العربي، وفي الأدب العربي ما يشبه أمثالاً وحكايات هندية أو فارسية أو غيرها؛ وذلك كله بأن الإنسانية دارجة في تطور عام واحد مطرد، على نحو ما بينه (ريكلو) و (ويلز) وإن لم تخل قبائلها وشعوبها من أنواع التفاوت في المدنية

فمهما كان على هذا التراث من مسحة وطنية ومن أثواب اللغة العربية، فهو في جوهره حلقة من سلسلة الأثمار العقلية والنفسية، وهي سلسلة لا يقف تمددها (منذ بداية عهد الإنسان بالمعرفة).

وتلك أمور إنسانية في صميمها مهما كانت من قبيل ما يمتزج بحياة الشرقيين، و (مصطبغ بصبغة الشرق ويجري على سنته) وليس هذا بمانع من أن يقال: (إن الحياة العقلية إذا نضجت بين الشرقيين، فهي لاحقة بالتراث الشرقي أيا كان المصدر الذي جاءت منه أو حملت عنوانه)، مثل الفلسفة اليونانية كما نقلتها الحياة الشرقية إلى الشرق العربي؛ أو يقال: إن الحقيقة الطبيعية أو الرياضية منسوبة إلى العقل الناضج الذي كشفها - كنسبة قوانين الجذب العام إلى نيوتن - وإن كانت من (التراث الإنساني)

أما العقل فإننا إذا اعتبرناه عضواً في الإنسان، كعينه وأذنه وسائر أعضائه الظاهرة والباطنة، فهو ينضج كما تنضج بالبلوغ وتستحصف إلى الأربعين، وهو يؤدي وظيفته كما تؤدي وظائفها، وذلك منذ تميز الإنسان عن الحيوان في ظلمات الماضي الأقصى، بالنسبة إلى علمنا، من اللانهاية الزمنية، وإنما تميز بقدرة عقله على التصور والقياس والحكم. وعقل الإنسان (يعمل ويفكر، ويبحث فيما يراه ويحيط به، أيا كانت المسائل التي يتناولها بتفكيره وبحثه) منذ لم يكن له أي تراث في أي مكان؛ ولولا ذلك لما سما إلى مستوى هذه المدنية. فالسلامة البدنية والصحة النفسية تكفيان وحدهما أبداً لتصحيح العقل الذي يصيب ويخطئ، كما تخطئ العين وتصيب؛ وبين الأفراد تفاوت في حصافته الفطرية كتفاوت حدتها فيهم، ولكنه عقل ناضج بهذا الاعتبار على كل حال.

كان العقل الناضج هذا النضج في الإنسان (يعمل ويفكر فيما يراه ويحيط به) يوم كان صاحبه يعيش عيشه الوحوش المفترسة، ويخشى ظواهر الطبيعة التي يجهل كل شيء من أسرارها؛ ويوم أدرك ضرورة الحد من حريته الفردية الفوضوية، ويوم وضع نظماً للعائلة فالقبيلة، إلى آخر ما هنالك. وهذه مستويات تدرج الإنسان في الرقي إليها مع تدرج عقله الناضج في نضجه التطوري بما غذاه، في كل وقت، من تجاربه وتجارب سلفه وعمل عقولهم الإنسانية

ويتضح مما تقدم بيانه أن العقل باعتباره عضواً من الإنسان له نضجان: نضج أول هو قدرته على تأدية وظيفته الفطرية، وهو عام بين الأصحاء لا يحسن تأديتها إلا به: ونضج ثان هو إدراكه محصول أعمال العقول الإنسانية في زمان معين من حياة البشر مع قدرته على المشاركة في زيادة هذا المحصول أو تحسينه؛ فللعقل البشري في كل مستوى أعلى من مستويات العرفان العام نضج أتم.

والجدير بالنظر إنما هو النضج الذي غذته أثمار العقول الإنسانية في هذا الوقت، والذي يتيسر للمثقف أن يشارك في إنماء هذه الأثمار أو تحسينها، في آية ناحية يميل إليها، فيكون لعمله شأن يذكر له ويشكر، والأستاذ نفسه أدرى الناس بالفرق بين نضج عقله القوي قبل أن يعي كل ما استوعب من الثقافة الغربية، أو العصرية، وبين نضجه بعد ذلك؛ لكن كان عليه أن يعارض رأي مناظريه، فعارضه بطريقة حاذقة شفت عن هذا النضج الأخير، أي عن ثقافة سامية

والخلاصة أن العقل يعد ناضجاً، أو غير ناضج، لا من حيث تأديته وظيفته فحسب، بل من حيث قيمة ما وعى وما ينتج، فهي قيمة مناسبة لدرجة علمه وثقافته، والمهم إذن في النضج إنما هو مستوى (الموضوعات والمواد التي يتناولها) عمل العقل؛ ولذا ليس يمكن أن تنضج للشرقيين حياة عقلية إذا هم لم يأخذوا عن الغرب في هذا العصر. أما إن هم اقتصروا على تراث الشرق بحاله المحدودة في ثقافته عصر غابر كانوا كأنهم عائشون فيه، ولمن أراد بنضج العقل ذلك النضج الأول، أو أراد نضجاً عتيقاً، أن يقول إن (التراث الشرقي كاف لنضج الحياة العقلية، ولم يخل الشرق من العقول الناضجة قديماً وحديثاً)

فهارون الرشيد وابن خلدون كان كل منهما ناضج العقل في مستوى الثقافة العربية في زمانه ومكانه، بعدئذ مضى على خروج العرب من شبه جزيرتهم قرنان إلى ثمانية قرون بنوا دولهم فيها على ما طوعوا للدين والشريعة من نظم ومدنيات وفلسفات لأمم كاليونان والرومان والفرس وسواهم. أما جمال الدين الأفغاني فقد يكون فيما نعتوه به مواضع نظر لعلها تستدعي التحقيق العلمي المتحرر من المؤثرات الوجدانية والسياسية؛ ولولا تفاهة ما أفاد من الثقافة الفرنجية لاختلف شأنه. . .

وليس يصح إن نوازن بين عقول أمثال هؤلاء الرجال وبين عقول تلاميذنا لتفاوت الأسنان والتجارب والمشاغل، ولقلة المحصول في التلمذة فضلاً عن أننا ما نزال في سبيل التحصيل من الثقافة الحديثة؛ ولسنا نشك في أن بين تلاميذنا النجباء من لا يقل في نضج العقل، ذلك النضج الأول، عن أولئك الرجال حين كانوا في سن التلمذة

ألا أن البحار والجبال لم تحل دون التنقل والاتصال بين بني الإنسان من قديم الأزمان حتى عصر الطيران. والناس إلى الآن يفرقون بين الشرقي والغربي، وبين الأسود والأبيض، والأسمر والأصفر؛ ولكن ما تحت الجلود لون واحد، والأجسام جميعاً مكونة من عناصر وخلايا متماثلة، لا يتميز بها جسم عن جسم إن حلل لم يبق منه سوى أملاح ومواد قليلة، لا تختلف في واحد من هذه الأجسام. وليس يستحيل عقلاً وقياساً أن يتكامل ما بدأ في الدهارير من تطور، وإن يأتي على الإنسان حين من الدهر وطور يصل فيهما بالتجارب أيضاً والتقارب، كلما صغرت عقبة المسافات بسرعة المواصلات، إلى ثقافة واحدة شاملة، تكبح من شر الغرائز، وتهدي العقول والنفوس إلى تفاهم أتم، وسلام أدوم وأعم، في إنسانية أصفى وأسمى نحول المثل الأعلى

لكن ما لنا وللفكر هنا في مثل هذا المستقبل الخيالي الأبعد؟ وحسبنا أن نلاحظ أننا منقادون لسنن التطور، يسوقنا توافر عوامله في وجهته الطبيعية، ولا يمنعه اختلاف آرائنا في موضوع المناظرة إذ نحن في الواقع آخذون عن الغرب كما أخذ عنا؛ وقد نفعل ما فعل السلف الصالح حين صبغوا الفلسفة اليونانية في زمانهم صبغة عربية، وكما فعل اليابان في عصرنا هذا

فلا يفهن أحد من الرجعيين أو من الشباب مضللاً بشهوة جاهلة، أو بعاطفة غالبة، أن المناظر الفاضل أراد في تأييده القوي لذلك الرأي القائل أن يقتصر الشرق العربي على تراثه، ويهمل كل ما فيه ذرة حديثة أو غربية، ثم يعمل بهذا التراث وحده إلى أن يبلغ مستوى يسابق فيه الغرب في الرقي؛ لأن ذلك مستحيل عملياً وإن جاز فرضه نظرياً؛ وإذا نحن جارينا هذا الفرض الخيالي انتهى بنا التخيل إلى أن الشرق، يوم يبلغ ذلك المستوى، قد يجد أن الغرب رحل إلى السيارات يستعمرها أو ما شاكل هذا من الأعاجيب التي لا يعرفها العلم. وليس من المعقول أن يهمل الشرق كسب الإنسانية في قرون ليكد هو قروناً مثلها في تحصيله.

محمد توحيد السلحدار