مجلة الرسالة/العدد 392/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 392/القصص

مجلة الرسالة - العدد 392
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 01 - 1941


من أيام الصبا

للأستاذ محمود البدوي

كنا خمسة. . . خمسة من الشبان المتمردين على الجماعة والخارجين على حدود الناس، والذاهبين مع مرح الشباب ولهوه. . . كنا قد انقطعنا عن المدرسة، وتخلفنا عن الرفاق، وسرنا مع نزق الشباب وطيشه، فطردنا من الأهل وحرمنا من الصحب، وتقطعت بنا الأسباب. . . وذهبنا على وجوهنا نبغي العيش من التصعلك والتشرد وركوب متن الأهواء. . . ثم ارتددنا على أعقابنا، وضمتنا القرية الحبيبة بعد طول شتات. . . فانطلقنا نعمل في الحقول ونشرف على حراسة المزارع. . .

وكانت الأيام المشردة قد مسحت ما على أجسامنا من غضارة المدينة ولينها، فالتفت سواعدنا واشتد عودنا، وأصبحنا أقوى ساعداً وأعظم قوة من هؤلاء الريفيين الذين يقضون حياتهم بين أحضان الطبيعة، ناعمين بالحياة الحرة، في الهواء الطلق، والجو المشمس. . .

كنا جالسين في حقل من حقول المزرعة وحولنا الأجران، والليل ضارب بجرانه والصمت رهيب. . . وكنا قد تأخرنا عن زمن الحصاد، فحرمنا بذلك من أمتع (أيام الصبا) ولهوه. . .

كنا نقف وراء صفوف الحاصدين ونرقب هذه السواعد القوية وهي تطوي سنابل القمح طياً، وخلفنا الفتيان الأشداء يكومون الأحمال وينيخون الإبل، ونساء الفلاحين يلتقطن السنبل الساقط، ويجمعن قوت الأيام السود. . . وكنا نزجر العجائز الدميمات منهن، وندع الصبايا الجميلات يتوغلن حتى الحقول. . . كانت أسواطنا تخطئ دائماً. . . ومع ذلك، فما قطعنا القلوب حسرات، ولا ندمنا على ما فرط منا من إثم. . . كنا ذاهبين مع الصبا بقلوب نزقة، لا نحسب لأوضاع الناس حسابا. نتخذ من عطلة الصيف وأيام الحصاد مرتعاً خصباً لشبابنا الجامح وعواطفنا الجائشة. . . ونظل النهار بطوله واقفين في قلب المزرعة تحت لفح الشمس، لا نكل ولا نمل، لأننا نرى في كل ساعة وجهاً فاتناً صبوحاً من تلك الوجوه القروية النضرة التي تستغرق الطرف، وإن كانت تعيش في ظلام الفقر وبؤسه. . .

فإذا أقبل العشى انطلقنا وراء الإبل المحملة بالقمح، وخلفها الجمالون يحدونها بأصواتهم الشجية. . . حتى نبلغ الأجران، فتناخ الإبل، وتفك عنها أحمالها، وهي تهدر هديراً قوياً كان يبعث فينا النشاط والحماسة والقوة. . .

فإذا تمت الأجران وعلت كالأطواد اتخذنا من ظلالها وأوكارها أعشاشاً لغرامنا. كان كل شيء في تلك الساعات النزقة اغتصاباً وقسوة. كانت لنا الساعة التي نحن فيها، لم نكن نفكر في المستقبل، ولا كانت عيوننا ترتد إلى الماضي. كنا نطوي الشهور في المزارع بين الرياض والغياض، ولا نرى منازلنا إلا نادراّ. كان من الصعب علينا أن نحبس قوتنا الدافقة وحيويتنا العظيمة بين الجدران. كنا كالأعشاب البرية وهي تنمو تحت أشعة الشمس على أتم غراس وأنضجه، نفتح سواعدنا عندما يشعشع النور ونستقبل بصدورنا ندى الفجر، ونود من قوة عضلاتنا لو نقاتل ونرضي تلك الغريزة الفطرية في الإنسان

كنا مسلحين دائماّ حول أجسامنا أنطقة البارود، فإذا أقبل الليل وضل إنسان العين في سواده، صوبنا بنادقنا في كبد الفضاء، وأطلقنا النار وأرسلنا عيوننا وراء سهام البارود النارية وهي تخترق حجب الظلام الكثيف، وملأنا خياشيمنا برائحة البارود. . .

كانت تلك الليالي من أمتع ليالي حياتنا، وكانت ذكراها تبعث فينا الحماسة والنخوة. . . كنا نذكرها وكأننا ننظر إلى حلم جميل ولى

رحنا نسترجع تلك الذكريات الحلوة ونحن جالسون في هذه الليلة الصيفية المظلمة على جرن عال يشرف على أجران المزرعة، والظلام من حولنا شديد، والمكان موحش رهيب. . .

وكان جرن كبير من الأجران قد ذُرِيّ وأعد قمحه للمخازن. وكان علينا أن نسهر عليه حتى تنطوي فحمة الليل، فأخذنا نتبادل الأحاديث الممتعة ونطرد النوم بكل الوسائل. . . أوقدنا النار، وشربنا الشاي، ولمعنا البنادق وملأنا خزاناتها بالرصاص

وكان ينهض واحد منا كل ساعة ومعه كلبان من كلاب الحراسة، فيدور حول المزرعة ويتفقد مرابط الخيل وحظائر الماشية. . .

ونهض أحدنا، وكنا مستغرقين في الحديث فلم نشعر بغيابه. . .، وسمعنا على غرة نباح كلاب شديد قادم من شرق المزرعة. . . ثم ومض البارود، واز الرصاص، وملأ الدخان عنان الجو، فنهضنا مسرعين واتجهنا إلى الناحية التي سمعنا منها صوت الطلقات. . . ثم خفنا أن تكون هذه حيلة بارعة لتبعدنا عن المزرعة، فعدنا إلى مكاننا وأعيننا لا تتحول عن سهام النيران الحامية. . .

وانقطع صوت النار وبقى صوت الكلاب، وأخذ نباحها يقترب منا. . . ثم برز شبح في الظلام، فصوبنا بنادقنا وهتفنا بالقادم. . . فرد علينا إسماعيل (أحد رفاقنا) بصوت أجش. . . واقترب منا وهو يلهث، ووجهه يتصبب عرقاً، وغدارته تفوح منها رائحة البارود. . .

فصحنا في صوت واحد

- هل أصبت. . .؟

- لا ولله الحمد. . . وإنما كدت أن أقتل. . . وكل ذلك بسبب هذين الملعونين. . .

واستطرد وهو يشير إلى واحد من الكلبين

- لن ترافقني مرة أخرى يا مسعود!

فسأله رفيق له:

- هل مررت على القرية؟

فأجاب في إيجاز متعمد:

- أجل. . .

- وهل كان من الضروري ذلك في هذه الساعة من الليل. . .؟

- أجل. . . كنت في حاجة إلى تبغ. . .

- أكنت في حاجة إلى تبغ أم كنت في حاجة إلى شيء آخر. . .؟

فصمت ولم يجب على أن وجهه كان ناطقاً بفعلته. . .

وسأله أحدنا مازحاً:

- أكنت تعس حول المزرعة أم كنت تسطو على بيوت الناس؟. . . هكذا والله هي الحراسة. . .

وضحكنا جميعاً، وعدنا إلى مكاننا الأول من الحقل، وجلس إسماعيل ناحية، وأخذ يمسح بندقيته، وعلى وجهه سمات من ارتد خائباً بعد جهاد طويل

وسأله أحدنا:

- ولكن لماذا أطلقت النار. . .؟ - أنا لم أبدأ بإطلاق النار، وإنما هم الذين بدءوا. . .

- هم. . .! من هم. . .؟ من الذي أطلق عليك النار. . .؟

- بصر بي بعض الفلاحين عندما نبح هذا الكلب الملعون وظنوني لصاً. . . وكنت على قيد أذرع من خبائها. . . فأطلقوا النار في الهواء. فغبت في جوف الظلام وأطلقت طلقتين معاً. . وجريت. . . وحلت لي هذه المطاردة وتصورت نفسي لصاً يبغي السرقة لا مخلوقاً دنيئاً يسطو على خباء امرأة في غلس الليل وتحت ستاره! وبادلت الفلاحين الطلقات السريعة. فظنوني عصابة كاملة من الأشقياء ثم راوغت تحت جناح الليل ووليت هارباً

- ما كان أحلاها قتلة. . .!

- أجل والله ما كان أحلاها قتلة. . . وما كان أطيب وقع النعي على نفسها. . .!

وقال عثمان وهو يبتسم ابتسامة عريضة وكان أشد رفاقنا بطشاً وأعظمهم قوة:

- أي مشقة يلقاها الرجل دائماً وهو في طريقه إلى الرذيلة ومع ذلك لا يزدجر. . .!

وصمت برهة ليشعل لفافة تبغ. . . والابتسامة لا تبارح وجهه القوي التعابير الدقيق الملامح. . . ثم أجاب على سؤاله بنفسه:

- لماذا؟ أجل لماذا؟ ألان ركوب الصعب من الأمور دائماً شائق، أم لأن الاستيلاء على ما في حوزة الناس فيه إمتاع ولذة؟ ماذا كان يحدث يا صاح لو رآك زوجها. . . أي موقف حرج. . . دفعت نفسك فيه. . . وأي مصيدة؟ أنا أعرف أن المرأة هي علة الشقاء الإنساني. . . كما أنها قد تكون علة هنائه أيضاً. . . ذكرتني أيها الأخ الشهم. . . بحادث كدت أن أنساه فما تحدثت به لإنسان؛ بيد أني أشعر برغبة قوية تدفعني إلى أن أقصه عليكم. . .

فسررنا وتوقعنا في حديث صاحبنا مغامرة ممتعة نتسلى بها حتى انبلاج الصبح

ونظرنا إليه في شوق ولهفة، وكان قد أطرق، ثم رفع وجهه وقد غامت عيناه قليلاً، ثم لانت ملامح وجهه. وأنشأ يقول بصوت واضح النبرات:

- كنت في التاسعة عشرة من عمري وفي أول دراستي العالية، وكان قد مضى عليً سبعة أعوام في القاهرة قضيت جانباّ منها مع بعض أقربائي، ومضيت الجانب الآخر مع بعض الأسر الفرنجية التي تنزل عن غرفة من سكنها للطلاب البعيدين عن أهليهم. . . وكنت دائماً أتخير الأسر الهادئة الكريمة الخلق وأقمت مرة مع سيدة أجنبية، وكانت صبية جميلة وحديثة العهد بالقاهرة. وكان زوجها يعمل سحابة النهار وجزءاً كبيراً من الليل، وكنت أرجع من المدرسة في الساعة التي يكون فيها الرجل قد عاد من عمله. . . ولهذا ما كنت أراه إلا نادراً. وكانت الزوجة مع جمالها دمثة الطبع، طيبة الأخلاق؛ فأخذت تعني بي عناية فائقة: ترتب غرفتي، وتنظم كتب، وترتق ملابسي الممزقة وتعمل لي أكثر مما تعمل لزوجها وكانت تحب أن ترى ما في القاهرة من حسن، فزرنا معاً أجمل الضواحي وأنضر البساتين، وهي تزداد بي كل يوم تعلقاً وألفة، حتى توثقت بيننا عرى المودة وأصبحت تترقب عودتي من الجامعة أكثر مما تترقب عودة زوجها من عمله، وأصبحت ألج عليها غرفتها في أي وقت، وأراها على أي حال تكون عليه. . .

ومرت أيام وأنا لا أحس بوجود الزوج معنا في منزل واحد وأصبحنا من وفرة السعادة كأننا في حلم جميل. . .

رجعت مرة إلى المنزل ساعة الظهر فلم أجد السيدة في ردهة البيت كعادتها، وكنا في قلب الصيف، والحر شديد فتمددت على فراشي ونمت. واستيقظت قبل مغرب الشمس وهتفت باسمها فلم تجب. . . فنهضت من فراشي ومشيت نحو فسحة البيت فرأيت باب غرفتها موارباً فأدركت أنها نائمة

وحركت بابها برفق. . . ودخلت وعيني على السرير. . . فوجدت جسماً ممدداً ملتفاً في ملاءة بيضاء. . . وحلى لي أن أداعبها قبل إيقاظها فتقدمت من السرير حتى قربت منها وجذبت رجلها فلم تتحرك. . . فتحولت إلى خصرها ودغدغتها. . . ووقفت أرقب حركة جسمها وأنا لا أكاد أتماسك من مغالبة الضحك المكتوم. . . وتحرك الجسم أخيراً وانزاحت الملاءة. وظهرت مقدمة رأس. . . رأس صلعاء. . .!

فذهلت وسمرت في مكاني مبهوتاً

- كان وجه زوجها. . .؟

- أجل. . .

فانفجرنا ضاحكين. . . ولما هدأت عاصفة الضحك عاد الصديق إلى حديثه

- كان موقفاً حرجاً. . . فشدهت. . . ووقفت ذاهب النفس وجسمي يتصبب عرقاً. ثم رأيت نفسي أقول في غضب بصوت المحموم:

- سأغادر الغرفة يا سيدي. . .!

فنظر إلي الرجل دهشاً. . . وقال وهو يصعد في بصره:

- ستغادر الغرفة! ما السبب يا سيدي! ما الذي جرى؟

- أثاث الغرفة رث. . . ثم هي بعد ذلك متناهية في القذارة

- كيف ذلك يا سيدي وقد جئنا لك بكل شيء جديد؟

- أبداً إنها غاية في القذارة

وتدفق من فمي كلام لا أعرف له مرمى وكان لا بد من ذلك لأنجو بأعصابي

وعدت إلى غرفتي وأنا لا أكاد أتصور شيئاً مما حدث، ولازمتني حالة من الهدوء غريبة. . . ثم لبست ملابسي وخرجت إلى الطريق. . . وهنا عادت إليً الخواطر وأخذت أتصور الموقف على شناعته وحال الزوج بعد أن يرجع إلى نفسه ويدرك أني كنت متهجما على مخدع زوجه. . . وواضعاً يدي على سريرها. . . وجسمها. . .!

وظللت جزءاً كبيراً من الليل وأنا متردد بين العودة إلى المنزل أو إيفاد صديق ليجيء لي بمتاعي وكتبي. . . ثم رأيت الرأي الأول واتجهت صوب البيت وأنا مقدر كل الأحداث. . وكان الزوجان قد ناما. . . وبقيت أساهر النجم حتى الصباح. . .

ورأيت الزوجة في اليوم التالي جالسة تقرأ في كتاب على أريكة في الردهة. . . فمررت بها وأنا أذوب خجلاً. . . وتطلعت إلى وجهها فرأيته لا ينم على شيء مما حدث بيني وبين زوجها، فقد كانت تبتسم في مرح. . . فغاظني هذا وبلغ مني الألم مبلغه

وقضيت بعد ذلك أياماً في البيت ونظري لا يقوى على مجابهة الرجل، وكان يغيظني منه بروده وهدوءه وامتلاكه زمام أعصابه وكنت أتخيل أنه بلغ مبلغاً هائلاً من خبث الطوية وبراعة الحيلة وأرى في صمته تبييتاً لأمر في نفسه، وكنت أود لو يثور ويضاربني وتنتهي المعركة بيننا مع أسوأ الفروض

وجاءت عطلة العيد فبارحت الغرفة إلى الريف ولم أعد إليها بعد ذلك أبداً. . . تركتها مخلفاً فيها أمتعتي وكتبي. . . وهي تذكار دائم على أيام هنية

ولا زلت أرى المرأة وزوجها كلما ذهبت إلى القاهرة. . . وأغلب الظن أنهما لم يغيرا المنزل. . . كما أن الرجل لا يزال على حاله هادئاً بارد الطبع لا تعبر ملامح وجهه عن حزن أو فرح أو أي انفعال نفساني. . . أو عاطفة من عواطف الجنس البشري

أما المرأة فقد أصيبت بأزمة نوعاً!

وفرغ صاحبنا من قصته وانطلق يدخن، وعدنا نشرب الشاي، وكان الفجر قد قرب وبدت خيوط النور في الشفق، فدرنا حول المزرعة لآخر مرة، وكنا قد تعشينا في أول الليل، فلما دنا الفجر أحسسنا بجوع شديد وكان الطعام سيجيء إلينا عند الشروق ولا طاقة لنا على انتظاره فقد اشتدت علينا وطأة الجوع وأخذت بطوننا تعصرنا عصراً. . .

وبعثنا اثنين منا إلى حديقة كروم قريبة ليحملا لنا منها ما يمسك بطوننا. وجلسنا في انتظارهما بصبر فارغ وقد انقطعنا عن الحديث. وإذا بنا نسمع نباح كلاب المزرعة فجأة. فصوبنا أبصارنا تجاه الصوت فرأينا غباراً شديداً يسد عرض الأفق. ومددنا أعناقنا فأبصرنا قطعاناً كبيرة من الضأن قادمة من الطريق الزراعي الكبير ومتجهة إلى بعض القرى القريبة. . . وظهر أمامها رجلان ضخمان يلوحان بعصوين طويلتين. . . وحول القطيع كلاب كاسرة تطوقه من كل جانب وخلف القطيع امرأة ترتدي دثاراً أسود فاحماً. . . وتهش بعصا رقيقة على الغنم وتزجر في صوت رنان كلاب المزرعة عن كلابها. . .

وقربت القطعان منا. . . وكان أحد الرجلين معلقاً في عنقه مزماراً طويلاً. . . أما الآخر فكان يحمل على ظهره قربة ضخمة فيها متاعهم. . . وأخذنا نرقب القطيع بعيني الصقر حتى بعد عنا فشيعناه بأبصارنا وبطوننا الخاوية تمزق أحشاءنا. وحدجنا الأحمال الصغيرة التي تتوثب حول القطيع الماضي في طريقه بعيون جائعة ومر في ذهننا خاطر سريع ودون أن ننبس بكلمة انسللنا في أثر القطيع متجنبين طريقه. . . وجرينا شوطاً، ثم كمنا في جرن كبير من أجران القمح الهش في أقصى المزرعة ومرت قطعان الضأن وملأ خياشيمنا الغبار المتطاير من أرجلها. وكانت المرأة لا تفتأ تتلفت يمنة ويسرة وتضرب الصغار بعصاها. . . وجاوزوا حدود المزرعة وابتدأ الرجل حامل المزمار يزمر، ومدت القطعان أعناقها ثم تقدمت في صمت وسكون عجيبين. وانقطعت المرأة بعد صوت المزمار عن الكلام، وسكنت حركة الكلاب وانقطع نباحها. وكان في القطيع حمل صغير ما فتئ طول الطريق يتوثب ويركض في كل اتجاه، ويضرب برجليه الأرض. فلما سمع صوت المزمار سكن أيضاً واستقام بأعجوبة كسائر رؤوس القطيع. . . وكنا قد تهيأنا له لنقتنصه. . . فما سمعنا صوت المزمار حتى شلت أيدينا وعجزنا عن الحركة، وبقينا ممددين على الأرض وعيوننا تتطلع إلى السماء وتتأمل النجوم. . . ورجع المزمار الحلو يتردد. كان كأنه مزمار داود يبعث من وراء الأجيال ويدوي وحده في هذا الليل وهذا السكون. ظللنا في مكمننا حابسين أنفاسنا، وصوت المزمار يهفو، والقطيع يسير، ونحن نرقبه عن بعد ولا نستطيع أن نتحرك

ورجعنا إلى مكاننا من الحقل ونحن لا نستطيع أن نعلل هذه الظاهرة الغريبة التي اعترتنا في تلك الساعة. أكان ذلك من تأثير الموسيقى، أم شعور آخر أيقظته الموسيقى

وعاد الرفيقان الذاهبان في طلب الكروم. . . وكان أحدهما يحمل كروماً، أما الآخر فكان يحمل شيئا آخر. . . كان يحمل حمل الضأن الذي أفلتناه من أيدينا

وأشعلنا النار وشويناه. . . وكنا ننظر إلى اللهب الأحمر وهو يشوي لحمه. . . ونتصوره منذ لحظات وهو يجري ويتوثب بين رفاقه مرحاً سعيداً طروباً، فيعصر الهم أفئدتنا

ولما جلسنا نأكل انقطعنا جميعاً عن الكلام كأن على رؤوسنا الطير. وكانت كل قطعة من اللحم تستقر في جوفنا تمزق أحشائنا تمزيقاً. . . كنا نتصور أن الحمل لا يزال يجري ويتوثب والقطيع يسير والمزمار يزمر.

محمود البدوي