مجلة الرسالة/العدد 388/كتب لم أقرأها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 388/كتب لم أقرأها

مجلة الرسالة - العدد 388
كتب لم أقرأها
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 12 - 1940


مؤلفات اللورد دنساني

للأستاذ عبد اللطيف النشار

أما الكتب التي أتحدث عنها اليوم فعشرون كتاباً صفقة واحدة لا أعرف اسم واحد منها ولا عرفت شيئاً عن مؤلفها إلا في هذا الأسبوع حينما نشرت الصحف له صورة ظريفة مع حضرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي في نادي الاتحاد الإنكليزي المصري.

وكانت مناسبة الاحتفاء به في هذا النادي أنه مر بمصر أثناء سفره إلى أثينا حيث يتقلد منصب الأستاذية في الأدب الإنكليزي بالجامعة اليونانية. وكرسي الأدب الإنكليزي في تلك الجامعة يلقب باسم الشاعر الإنكليزي بيرون. فيقال (كرسي بيرون) للأدب الإنكليزي تكريماً لذكرى هذا الشاعر الذي ساهم في تحرير اليونان بقلمه وبسيفه. وما زالت اليونان تحتفظ له بأطيب الذكرى وله في عاصمتها أكبر تمثال فيها.

ولما مرَّ اللورد دنساني بمصر نظم أبياتاً هذه ترجمتها نثراً:

انتظار طويل

(أيها الملوك الأربعة الجالسون في ساحة أبي سمبل متجهين نحو مشرق الشمس، لقد رأيتم الإنسان يطير).

قلت لهم ذلك وخلت أني أسمع جواب ثلاثة منهم أثناء مرورنا أمامهم بالطيارة (أما الرابع فقد كسر عند منتصفه فانشطر شطرين).

(وأحسب جواب الثلاثة:

(نحن لا نلحظ إلا ما كتب له الخلود. نلحظ نهرنا القديم في فيضانه، والشمس في سطوعها، والمطر في إبانه، وكل خالد في تغلبه على زمانه. ورأينا ورأى معنا هذا الرابع قبل أن ينكسر شعاعاً ذهبياً ينبثق من صخرة فيوقظ الروح في بلدنا هذا المقدس وقد أخذ هذا الشعاع الذهبي من زمن فات يتجه نحو الشمال، ونحن منذ ذلك العهد لم نلحظ ما يستحق أن يلحظ).

هذه الأبيات في أصلها ذات جرس ورنين، وهي كل الذي قرأته له عدا حديثاً له مع مح الغازيت. أما الذي قرأته عنه فهو أنه أديب أيرلندي له مسرحيات ودواوين شعر وأقاصيص وروايات، ويبلغ عدد كتبه العشرين، وأسلوبه من السهل الممتنع. وهو رحالة ومن هواة الصيد، وقد قضى معظم الشباب في الجندية وعمره الآن قد تجاوز الستين.

اشترك في حربين: حرب البوير والحرب العظمى. وجاب أقطار العالم في رحلاته، وقلما استطاع البقاء أمداً طويلاً في مكان.

ومن غريب أمره أنه لا يستطيع مزاولة التأليف راحلاً، ولا الرحلة ولديه موضوع يشغله بالتأليف. ويقول إن حياتيه: الروحية والجثمانية ليستا على ائتلاف، فهو يطلق لكل منهما العنان، حتى إذا فرغ من رحلة له عاد إلى وطنه، فاستجم وترك لخواطره متنفساً من يراعه خلافاً لبعض الكتاب الذين يجمعون الجذاذات في أثناء الرحلات، أو يدونون فيها بعض الخواطر أو المعلومات. وهو يقول في حديثه لمحرر الغازيت: إنه لا يرى في الكتابة واجباً يفرضه المرء على نفسه وينقطع له، وأنه لا يرى للكاتب أن يكتب سواء أكان لديه أفكار أم لم تكن لديه.

وحاول المحرر أن يستدرجه للحديث عن وطنه أيرلندا فأبى أن يخوض في ذلك الحديث. ويعرف القراء أن تلك البلاد لم تشترك مع إنكلترا في حربها الحاضرة؛ ولكن هذا اللورد الذي بقى في أيرلندا حتى شهر أغسطس الماضي قد رحل عنها إلى لندن وتطوع جندياً في الجيش الإقليمي (الجيش المرابط) وعدده في إنكلترا مليون وسبعمائة ألف لعل فيهم الكثير من هذا النوع.

ولما سئل عن رأيه في الحرب قال إن هتلر قد خسرها، لأنه أراد تحطيم روح الشعب البريطاني فأخفق، ولن يستطيع تحطيم تلك الروح بعد ثباتها ستة أسابيع على قنابل الغارات الجوية.

وهو يرى أن الحرب ضرورة لا بد منها كتناول الطعام وشرب الماء ما دام بعض الأمم يسبق البعض في اطراد النمو من ناحيتي الثروة وعدد السكان، فلا مناص من الحرب، لأن الذين تضيق بهم بلادهم لا بد لهم من طلب التوسع فتكون الغزوات وتكون الحروب، ولا يرى في الإمكان تدبير وسيلة للاحتفاظ بالسلام.

قال: (بعد الحرب الماضية اجتمع العقلاء من مختلف الدول في مدينة جنيف وحاولوا إيجاد الوسيلة لمنع الحروب في المستقبل. وأحسب أنهم بعد الحرب الحاضرة سيرسلون عقلاءهم إلى مدينة ما لإيجاد وسيلة لمنع الطعام وسيقولون إنه متعب في إعداده، متعب في هضمه، متعب في تناوله، فلنتدبر في وسيلة تريحنا منه. . . وسينجح هؤلاء الحكماء في محاولتهم منع الطعام بمثل القدر الذي ناله من النجاح من سبقوهم في محاولة منع الحرب. وهو مع رأيه هذا في الحرب يرى أن أذى الحروب أقل من نفعها، ومن نفعها أنها تولد الشجاعة والجرأة والنخوة.

هو متحدث بارع، وقد يدافع عن قضية خاسرة لمجرد الاغتباط بالحرب الكلامية.

ومن رأيه أن حملة الأقلام جميعاً رجال غير عاديين.

قال: وإذا نحن أحصينا من يكتبون وجدناهم قلة ضئيلة بالقياس إلى من لا يكتبون، وهذا وحده سبب كاف لاعتبارهم من الطراز غير طراز الرجل العادي.

هذه بداية تعرفي على المؤلف الذي أدرجت مؤلفاته العشرين في قائمة (كتب لم أقرأها) وليس كل ما في هذه القائمة مندرجاً بالطبع في قائمة (كتب لن أقرأها) فعلى حين أزداد تعرفاً عليه أزيد تعريفاً به.

أو لعل من سبقوا إلى معرفته أن يشركوا أهل لغتهم فيما أفادوه منه.

وبعد كتابة ما تقدم قرأت في جريدة الإجبشيان ميل عدد 28 نوفمبر سنة 1940 أن اللورد دنساني دعي إلى حفلة تكريمية أخرى بنادي الاتحاد الإنكليزي المصري فألقى بها قصة طريفة له عنوانها (بنت رمسيس).

وأنه سيلقي في الأسبوع القادم محاضرة عن الشعر الإنكليزي بالجمعية الملكية الجغرافية، وأرجو أن ألخص القصة والمحاضرة لقراء الرسالة.

عبد اللطيف النشار