مجلة الرسالة/العدد 386/أخلاق القرآن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 386/أخلاق القرآن

مجلة الرسالة - العدد 386
أخلاق القرآن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 11 - 1940


الصدق

للدكتور عبد الوهاب عزام

الصدق هو الإبانة عن الحق، والإخبار بالواقع. وبه يستقيم التفاهم بين الناس، ويكون التناصح والتعاون، وتسجل الحقائق والوقائع؛ وبدونه يصير تخاطب الناس غشاً، وتفاهمهم باطلاً، وتعاونهم محالاً

يتخاطب الناس ليخبر بعضهم بعضاً عن حقائق واقعة في العالم أو في أنفسهم، أو ليبين بعضهم لبعض عن أمل يأمله، ورأي في بلوغ هذا الأمل. فإن كان الكلام غير مبين عن الحق فهو تضليل يسير أعمال الناس على ضلال، وهو غش يؤدي إلى للتفريق بين الناس لا التعاون

ثم الكذب يجر بعضه بعضاً لأنه لا مكان له بين حقائق العالم فُيضطر الكاذب إلى أن يغير حقائق كثيرة ليخيل كذبه على السامع وليلائم بين ما أخبر به وبين حقائق تخالفه. فإذا قال قائل: قابلت فلاناً أمس في مكان كذا، فقيل له إن فلاناً لم يكن أمس في هذا المكان أضطر إلى أن يقول جاء إليه ثم سافر. وإن قيل إن هذا المكان لم يكن الذهاب إليه أمس ممكناً أدعى من الأباطيل ما يوهم أن الذهاب إليه قد أمكنه، ولم يكن بد من سلسلة من الأكاذيب يربط بها كلامه بالوقائع المعروفة بين الناس

وعلى قدر ما في كلام الناس من صدق توافق أعمالهم حقائق هذا العالم فتنجح، وعلى قدر الكذب تبعد الأعمال من الحقائق فتخيب. . .

وقد أجمعت أخلاق الأمم وشرائعها على الدعوة إلى الصدق، والنهي عن الكذب ووكّدت تجارب الناس ما عرفوا في الصدق من خير، وما رأوا في الكذب من شر. وهل كان التخاذل بين الناس والتنافر والتحارب والضلال إلا بضروب من الكذب والغش والخديعة؟ وهل ذهب كثير من أعمال الناس ضياعاً وكثير من أقوالهم هباء إلا بالكذب ونتائجه؟

والقرآن الكريم، وهو ترجمان الدين الحق والدعوة الصادقة، يؤكد الدعوة إلى الصدق ويشيد بذكر الصادقين، ويشتد في النهي عن الكذب ويلعن الكاذبين. كررت هذا آياته، ودارت عليه دعواته والصدق، فيما يتبينه قارئ القرآن، يكون في القول والفعل؛ فكما يصدق الإنسان بالإنباء عن الحق يصدق بتأدية الواجب المرجو منه. فمن أوفى بعهده، ومن ثبت في نصرة الحق الذي يدعوا إليه، ومن قام في الخير المقام الذي يجدرُ به، فقد صدقت أفعاله ووافقت ما ينتظر منه في معترك الحياة

وقد عدد القرآن خلالاً من البر كالصدق والوفاء بالعهد والصبر في الشدة وختم الآية بقوله: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.) فسمي هذه الأعمال صدقاً

ويقول القرآن الكريم: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) ويقول: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وأجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً)

مدخل الصدق ومخرج الصدق أن يدخل الله الإنسان في كل الأمور إدخالاً صادقاً ملابساً للحق والخير، وأن يخرجه من الأمور كلها كذلك إخراجاً مقارناً للحق والخير، فيجعل تصرفه في الأمور كلها كما يجب عليه ويرجى منه، في غير رياء ولا تزوير ولا تضليل ولا غش ولا خداع

وقال القرآن في جزاء المؤمنين والمتقين: (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) وقال: (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فقدم الصدق يراد بها المسعى الصادق الذي يدخر عند الله جزاؤه، أو المقام المحمود عند الله تعالى، ومقعد الصدق المنزلة التي تفي بما استحقوا من ثواب

والكذب فيما يفهم من الآيات القرآنية يكون كذب الأقوال وكذب الأفعال كذلك. فمن فعل غير ما يقضيه حاله فهو كاذب، ومن حشر نفسه في غير زمرته فقد كذب، ومن اتخذ غير شارته فقد كذب، ومن قعد عن نصرة الحق وهو قادر فهو في مقام الكاذبين، ومن فر عما يلزمه الثبات له أو الدفع عنه فقد كذبت دعواه ومظهره، فان هوْلاء جميعا قد وعدت أحوالهم واْخلفت اْفعالهم، وقد حكى القران الكريم وعن قوم آمنوا بالرسل ثم دعوا إلى الارتداء، اْنهم قالوا:

(قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها). فقد سموا الرجوع إلى الباطل بعد ان استبانت دلائل الحق، كذباً على الله. وقريب من هذا قوله في قصه يوسف: (وجاءوا على قميصه بدم كذب)

وحسبنا هذا بياناً لوصف القرآن الأفعال بالصدق والكذب كما توصف الأقوال

والقرآن الكريم يأمر بالصدق في كل صُوره، وينهى عن الكذب في جميع أشكاله؛ وكفى بقوله: (أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)

واشتد القرآن في تقبيح الكذب ولعن الكاذبين؛ وجعل الكاذب أظلم الناس، ووصفه أشنع الأوصاف

قال: (فمن أظلم ممن أفتري على الله الكذب أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون.). وقال: ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنه الله على الظالمين). وقال: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه؟ أليس في جهنم مثوى للكافرين. والذي جاء بالصدق وصدَّق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون). وقال: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. أليس في جهنم مثوى للمتكبرين). وقال: (انظر كيف يفترون الله الكذب. وكفى به إثما ًمبيناً)

وبين القرآن أن الكذب يمنع صاحبه الهدى، ويجور به عن القصد. وكيف يهتدي الكذاب وهو يتعمد طمس الحق، والعدول عن الرشد؟ إنما يهدي الله من أخلص قوله وفعله وتحرى الحق جهده غير مائل مع الهوى، ولا سائر مع الباطل , قال: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار). وقال: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)

وقد بالغ القرآن في عقاب بعض الكذبة فجعل كلامهم مظنة الكذب دائماً وأهدر شهادتهم. وتلكم عقوبة المفترى على النساء الصالحات، قال: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلده ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون). وقال: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)

بل أمر القرآن بالتثبيت وحذر من الظن الكاذب وجعله إثماً فقال: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)؛ ونهى عن مظان الكذب والخطأ فقال (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وكذلك بين القرآن أن عاقبة الكذب أن يمرد الإنسان على مخالفة الصدق ومجانبة الحق، حتى يستقر النفاق في قلبه قال (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)

وكثيراً ما يقرن القرآن الكريم الصبر بالصدق، وهما من منبج واحد، هما من المرؤة والكرامة والأنفة والشجاعة التي تقول الحق غير مباليه، وتصبر على الشدائد غير مستخذيه

الصدق في القول والفعل خلق يبين عن صفاء النفس وخلوصها وصراحتها وحبها الحق، وميلها عن الباطل، ونفورها من المداجاة والمراءاة والنفاق والخداع، خلق يأبى التكلف والتصنع ويربأ عن المذلة والخنوع، خلق ينطق بالإباء والشجاعة، وحب الخير للناس، وتحكيم قوانين الله فيما بينه وبينهم لا يبغي صاحبه عن هذه القوانين حولا، ولا يرضى لمنفعة نفسه الاحتيال لإخفاء الحقائق، والتماس غيرها من الوسائل المخترعة المزورة

وذلكم هدى القرآن وشرعه الإسلام، وسيرة المسلمين الأولين نطقت به مآثرهم في الحرب والسلم وفي معامله العدو والصديق. كانوا في أقوالهم وأفعالهم حرباً على الباطل والبغي والكذب، فكانت سيرهم مثلاً من الحق الصريح الذي لا يشوبه رياء ولا مداراة ولا مداجاة، فجزاهم الله بصدقهم أن مكن لهم في الأرض وملكهم أزمة الأمم يسوسونها بعدل الله ابتغاء مرضاه الله كما قال: (ليجزي الصادقين بصدقهم)

وتلكم أيها المسلمون الأسوة الحسنه فاجعلوها نصب أعينكم واتخذوها هديا في رضاكم وغضبكم، ومنشطكم ومكرهكم، وحربكم وسلمكم، وشدتكم ورخائكم. فإنما هي قانون الله وهدى القرآن وصدق الإسلام وميراث السلف الصالح، وذخر الخلف الطامح

(يا أيها الذين آمنوا أتقو الله وكونوا مع الصادقين) صدق الله العظيم

عبد الوهاب عزام