مجلة الرسالة/العدد 375/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 375/القصص

مجلة الرسالة - العدد 375 القصص
المؤلف: ألكسندر بوشكين
المترجم: حلمي مراد
المقامر أو ملكة البستوني Пиковая дама هي قصة قصيرة بقلم ألكسندر بوشكين نشرت عام 1834. نشرت هذه الترجمة في العدد 375 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 9 سبتمبر 1940



المقامر. . .

للكاتب الروسي ألكسندر بوشكين

ترجمة الأستاذ حلمي مراد

- 1 -

كانت إحدى ليالي الشتاء الطويلة. . . وقد تراجعت فلول الظلام كسيرة، وأقبلت طلائع الفجر الباسم. . . حين ألتف المدعوون إلى مأدبة نلروموف - الملازم في فرقة الحرس - حول مائدة القمار يلعبون الورق ويتبادلون شتى الأحاديث، فقال المضيف وهو يعطي ورقة اللعب لأحد مدعويه:

- كيف حالك هذا المساء يا سورين؟

فرد هذا: (لقد خسرت كالعادة منذ بدأ الحظ يدبر عني، ولكن. . . ماذا ترون في (هرمان) الذي لم يشترك معنا قط في اللعب؟ حقاً، إن أمره لعجيب، فهو يسهر معنا طوال الليل يرقب عجلة الحظ تدور وتدور بيننا مع أنه ما من داع يدفعه إلى ذلك). وهنا تدخل هرمان في الحديث فقال: (الأمر بسيط أيها السادة فاللعبة تعجبني، ولكني لا أود المغامرة في سبيل الكسب، فقد أخسر بعض مالي). وأردف شخص ثالث:

- لا تعجبوا! فهرمان ألماني وقومه معروفون بالميل إلى الاقتصاد، ولكن. . . ألم تلحظوا أن الكونتس أنافيدروفنا لا تلعب قط. . . هذا هو الذي يستحق دهشتنا حقاً، فإن عجوزاً في الثمانين لا تلمس الورق لهي شاذة بالتأكيد.

ثم أطرق تومسكي - وكان هو المتحدث - قليلاً وأستطرد: (ألم تدركوا السبب؟) فأجاب اثنان بصوت واحد:

- كلا، فهل هناك سبب خاص يدعوها لذلك؟

فرد تومسكي بقوله: نعم. . . فأصغوا إلي:

منذ نحو ستين عاماً كانت جدتي (الكونتس أنافيدروفنا) معبودة باريس وموضع إعجاب قاطنيها، حتى أطلق عليها لقب (فينوس الروسية) فأخذ ريشيليو يتودد إليها، ولما يأس من مبادلتها له حباً بحب حاول الانتحار أكثر من مرة وذات ليلة لعبت الورق مع الدوق دورليان وخسرت مبلغاً كبيراً، ولما لم يكن معها المبلغ كله في ذلك الحين فقد حاولت عند عودتها إلى المنزل إقناع زوجها بدفع المبلغ ولكنه أصرر على الرفض متخذاً من إسرافها مبرراً لقراره هذا. وإذ ضاقت به الدنيا طرقت باب الكونت دي سان جرمان الذي قيل أنه ذو موهبة خارقة في كسب المال، ولما جاءها الكونت وحدثته بالمأزق الذي لم تستطيع الخلاص منه قال: (سيدتي: إني على تمام الاستعداد لإعطائك أي مبلغ تطلبين، ولكني لما كنت أعلم عن يقين أنه لن يهدأ لك بال حتى أسترد ما أقرضت، فقد رأيت أنه يحسن بك أن تعاودي اللعب لتربحي ما خسرت) وما أن وصل تومسكي إلى هذا الحد من الحديث حتى كان الجميع متلهفين إلى سماع بقية القصة، فتوقف قليلاً ريثما أشعل غليونه، ثم أستطرد قائلاً: (وأسر الكونت إلى جدتي بضع كلمات يتمنى كل منكم لو سمعها. . . وفي تلك الليلة بعينها عاودت جدتي اللعب على مائدة الدوق دورليان معتذرة عن عدم دفع المبلغ بنا اعتورها من النسيان، وأخذت ثلاث ورقات، راهنت على الأولى فكسبت ثم ضاعفت الرهان على الثانية فكسبت، وكذلك كان حظها حين لعبت الورقة الثالثة. . .) وهنا صاح أحد الضباط مقاطعاً: مجرد حظ! وقال هرمان: يا لها من قصة. بينما سأل ثالث: وهل كانت الورقات مرقومة؟ فأجاب تومسكي:

- كلا، ولكن استمعوا للبقية، فقد كان لجدتي ثلاثة أبناء أحدهم والدي، ومع هذا لم يتمكن أحدهم من استخلاص سر الثلاث الورقات منها حتى الآن. . . والأعجب من ذلك أنها قابلت ذات يوم فيما بعد صديقاً لها قد خسر كل ثروته في ليلة واحدة؛ وحين علمت بالأمر ووجدته غارقاً في اليأس أعطته وريقات ثلاثاً كي يلعب بها بعد أن أخذت منه وعداً قاطعاً بالا يجلس إلى مائدة القمار بعد أن يستعيد ثروته. وفي اليوم التالي عرض الشاب على غريمه أن يلاعبه فقبل، وإذ ذاك بدأت المقامرة بأن راهن الأول على إحدى الورقات بخمسين روبل، فكسب. . . وعندما ترك المائدة الخضراء كان قد أستعاد ضعف ثروته

وتوقف تومسكي عند هذا الحد من حديثه ثم قال:

- هيا بنا إلى النوم أيها الأصدقاء فقد حانت الساعة السادسة.

- 2 - في الوقت الذي كان تومسكي يقص فيه حديث جدته كانت هذه تجلس أمام المرآة لتصلح من هندامها وتستكمل زينتها، فإنها رغم كبر سنها كانت تحرص على حضور جميع المراقص والحفلات باذلة عناية فائقة في اختيار ملابسها حتى أصبح منزلها كعبة الزوار يؤمه أناس من أرقى الطبقات لقضاء بعض الوقت في تسلية ومرح ولكن رغم هذا كانت الكونتس عصبية المزاج شاذة الأطوار، لا تهتم إلا بملذاتها ولا تغفر لوصيفتها (ليزابيتا إيفانوفنا) أصغر هفوة، بل أنها كانت إذا أمرتها بأعداد الشاي انتهرتها على تبذيرها في السكر، وإذا طلبت منها قراءة فصل من كتاب عدتها مسؤولة عن السخف الذي يجري به قلم المؤلف، وإذا خرجت معها في نزهة لامتها على سقوط المطر أو هبوب العواصف، وإذا اصطحبتها لمرقص أقصتها عن مجلسها إلى ركن تظل السكينة منفردة فيه، لا يشاركها أحد حديثاً أو يدعوها لرقصة. ورغم ما امتازت به ليزابيتا من جمال فاقت به سيدتها، بل وكثيرات من النبيلات لم يكن أحد ليلقي إليها نظرة أو يعيرها أي التفات، فثارت كرامتها لذاك الوضع المزري الذي أكتنف حياتها وصارت إذا أشتد بها الألم وعصفت بين جوانحها ريح الهموم، أسلمت عينيها للدمع تذرفه وقلبها للزفرات يرسلها. . . جلست ليزابيتا بعد يومين من مأدبة نلروموف بجوار النافذة تطرز، فحانت منها التفاتة إلى الطريق دون قصد، وإذ ذاك وقع بصرها على ضابط وقف بلا حراك مثبتاً عينيه تجاهها، فغضت من نظرها وعادت للتطريز. . . وما مرت بضع دقائق، حتى أطلت من النافذة بحركة آلية، فإذا الضابط لم يبرح مكانه. . . وكان ردها على هذا أن ابتعدت قليلاً وعادت إلى التطريز إذ لم يكن من عادتها مبادلة الشبان النظرات والبسمات. . . وبعد ساعتين قامت للعناية بشؤون سيدتها فلمحت على الرغم منها ذاك الضابط في مكانه.

بدا لها كل ذلك غريباً فلم تدر كيف تعلله إلى أن عادت بعد الغداء إلى عملها، ولكن الضابط كان قد ذهب فلم تنشغل بالتفكير في أمره. . . ومر يومان غادرت الكونتس بعدها قصرها بصحبة وصيفتها، وما كانت الأولى تتخذ لها مقعداً في العربة حتى أبصرت ليزابيتا الضابط عينه واقفاً عن بعد، وقد التف بمعطف حجب نصف وجهه ولكنه لم يحجب عينيه المتقدتين، فاضطربت الفتاة دون أن تدري لذلك الاضطراب سبباً.

وواظب الضابط على الحضور إلى نفس المكان كل يوم يسدد إليها بصره، فكانت إذا ما رأته انسحبت على الفور والفضول يقتلها وشعور غريب يضطرم في أعماقها بشكل لم يسبق لها أن أحست بمثله. ولم يمض وقت طويل حتى نشأت بين الاثنين صداقة جعلت الفتاة تحس بوجوده حين تجلس إلى النافذة فتحدق فيه بضع لحظات ثم تعود لعملها وقد كست الحمرة وجنتيها، بينما ينصرف الشاب مغتبطاً بتلك اللحظات التي تفضلت بها عليه

. . . ومر أسبوع تبادلت فيه ليزابيتا مع الضابط البسمات البريئة الساذجة، وكان قلبها يخفق كلما رأته وخاصة عندما دخل تومسكي يلتمس من جدته الإذن بأن يقدم لها أحد أصدقائه إذ ظنت الفتاة أن صديقها الضابط هو المعني بالكلام. كان هرمان من أسرة ألمانية أقامت في روسيا فلما مات والده ورث عنه بعض المال ولم يشأ أن يقامر به خوف فقدانه فظل قنوعاً بما يدر عليه من ريع كان يكفيه، بل ويسمح له أحياناً بالإنفاق على أصدقائه إذا خرجوا يتنزهون، ولكنه رغم إحجامه عن المقامرة لم يجد بأساً من قضاء السهرات مع خلانه يراقبهم وهم يلعبون. . . وحين انتهى تومسكي من قصة الوريقات الثلاثة كان الفضول قد تملكه والدهشة قد عقدت لسانه، فلم يكف عن التفكير في محيطها طوال تلك الليلة. . . وفي الليلة التالية خرج يتربص في شارع سانت بطرسبرج وهو يمني نفسه بالتقرب من الكونتس كي تبوح له بسرها، ولا سيما أنها في الثامنة والسبعين من عمرها فموتها متوقع من يوم لآخر. . .

ولم يكن يقطع على هرمان حبل أفكاره أحياناً إلا الشك الذي نسج خيوطه في مخيلته فبات يخشى أن تكون قصة تومسكي دعابة جدت بها قريحته ولكنه ما لبث أن سمع هامساً يهتف في أعماق قلبه مذكراً إياه بأن وريقاته الرابحة هي الاقتصاد والعمل والمثابرة فليقصر جهوده عليها ليتضاعف دخله ويغدو من ذوي اليسار.

مرت هذه الخواطر بذهنه وهو يتنزه إلى أن استرعى نظره قصر تجلت فيه آيات الفن وازدحمت أمامه العربات بعد أن قذفت إليه بمن فيها من رجال وسيدات وضباط وآنسات فمرقوا جميعاً من بابه وسرعان ما احتوتهم قاعاته. . .

اقترب هرمان من الحارس سائلاً عن رب القصر، وما أن رد هذا ناطقاً باسم الكونتس أنافيدروفنا حتى اشتمل هرمان الذهول فهتف في نفسه: (تاالله!؟ إنها جدة تومسكي. . . إنها صاحبة الوريقات الثلاث) ووقف لحظة مشدوهاً ثم خط طريقه إلى المنزل حيث تملكه القلق ففارقه النعاس، ولكنه حين قهره بعد طول عناء أخذت الأشباح تتراقص أمام عينيه. . . رأى المائدة الخضراء تعلوها النقد وأكوام من (الروبلات). . . ورأى نفسه جالساً إليها وقد غمره فيض من الربح زخرت به جيوبه ثم استيقظ متنهداً فإذا كنوزه ليست إلا ثمرة كابوس مضطرب.

خرج إلى الطريق ليزيح تلك الخيالات التي أقضت مضجعه، ولكنه وجد قدميه تقودانه ناحية القصر. . . كان يبدو أن قوة خارقة قد اجتذبته إلى هناك، فوقف يتطلع إلى النافذة وما لبث أن رأى فتاة يزين رأسها شعر أسود متهدل قد أكبت على كتاب تقرؤه أو حرير تطرزه. . . وتحركت الفتاة تجاهه فأخذت عيناه وجهاً جميلاً وعينين نجلاوين يشع منهما بريق خاطف

. . . وفي تلك اللحظة تحدد مصيره وكتب القدر نهايته.

- 3 -

كانت ليزابيتا قد أنهت عملها حين نادتها الكونتس لتؤنس وحدتها في نزهة قصيرة، وبينما كانت تساعد سيدتها على ارتقاء العربة رأت الفتاة ذاك الضابط. . . رأته بجانبها يدس ورقة بين يديها فأخفتها بين طيات قفازها وبدأت تفكر، فلم تر أو تع شيئاً مما مر حولها. وزادتها حيرة وارتباكا أسئلة الكونتس المتوالية التي اكتفت في الرد عليها بأجوبة مقتضبة مما دعا سيدتها إلى القول:

(ماذا بك اليوم؟ فيم تفكرين؟ ألا تسمعينني؟. . . إنني لا زلت أتكلم بوضوح. أليس كذلك؟)

. . . ومرة أخرى لم تصغ ليزابيتا إلى كلامها، وحين عادت إلى حجرتها أقفلت بابها وشرعت تقرأ في الورقة المطوية أرق عبارات الحب التي صيغت في قالب عاطفي، فتملكها شعور من الفرح. . . ولكنها وقفت بعد حين تحدق في الفضاء. لقد كانت هذه أول مرة يحس فيها أحد بوجودها بل ويظل ساعات طويلة في انتظار ابتسامة عذبة يفتر عنها ثغرها، أو نظرة تتجلى بها عيناها. . . فكيف لا ترتبك. . . وأخيراً وبعد لأي كتبت له هذه الكلمات بيد مرتعشة: (أؤمل أن تكون نواياك طيبة نبيلة. . . وإنما يجدر بك أن تعرف أن علاقتنا لا يمكن أن تبدأ عن هذا الطريق. وهاأنا ذي أعيد إليك خطابك راجية ألا تلجئني للندم على تسرعي).

ثم قذفت بالرسالة من النافذة فالتقطها الضابط وما أن أتم قراءتها حتى شاع البِشر في قسمات وجهه فبدأ قانعاً بأولى خطوات مغامرته. . .

مضت أيام وأسابيع كان هرمان خلالها يتوسل بمختلف الطرق لإيصال رسائله لمحبوبته. . . كان يكتب تلك الرسائل بعبارات أخاذة لم تستطيع الفتاة مقاومة إغرائها فاضطرت للرد عليها ومبادلة الشاب وداً بود؛ وكان الرد يطول يوماً بعد يوم إلى أن أحتوى ذات يوم هذه الكلمات:

(سيقام مرقص الليلة في دار السفارة وستحضره الكونتس فتمكث هناك حتى الثانية صباحاً، فعليك - إذا أردت مقابلتي - أن تقبع في مكانك حتى تطفئ الأنوار في الساعة الحادية عشرة وإذ ذاك وجه خطواتك نحو باب القصر وادخله بلا تردد لأن الحارس سيكون غارقاً في غطيطه؛ ثم ارتق الدرج بسرعة حتى غرفة الكونتس حيث تجد خلف الأستار بابين يقود الأيمن منهما إلى حجرتي وانتظرني هناك. . .)

وحوالي الساعة العاشرة من ذاك المساء كان هرمان واقفاً أمام القصر ينتظر. . . كانت الليلة رهيبة، والريح تعصف بشدة، والثلج يتساقط بفيض زاخر بينما انبعثت من المصابيح نور خافت، فخلا الطريق من المارة وعم السكون. . مرت لحظات سمع بعدها صوت عجلات العربة يردده الفضاء وهي تبتعد بالكونتس ووصيفتها في طريقهما إلى المرقص. ثم كرت الدقائق وأطفأت الأنوار، فانتظر هرمان بعض الوقت، ومن ثم يمم شطر القصر فعبر بابه وصعد السلم بخفة النمر حتى وصل إلى غرفة الكونتس حيث رأى على ضوء مصباح صغير قطع الأثاث الفاخر منثرة في أرجائها وبضع صور زيتية تزين جدرانها فوقف يتأملها في صمت وسكون وما لبث أن عبر الغرفة إلى الممر الذي تقع في نهايته غرفة الفتاة فولجها وأقفل خلفه الباب فعمها الظلام. . . وجلس ينتظر.

مر الوقت بطيئاً وكان الهدوء ناشراً ظله على القصر ثم دقت الساعة اثنتي عشر دقة وعاد السكون الذي لم يعكره سوى ضربات قلب الشاب تطرق أذنيه. . . وبعد وقت سمع دقة واحدة. . . ثم دقتين. ولم تمض لحظات حتى عادت العربة ترسل صوتها فيشتد خفقان قلبه ويزداد اضطرابه. ولما شعر بخطوات على السلم ركز بصره في ثقب الباب فرأى الكونتس تخلع ملابسها وترفع عن رأسها إكليل الورد والشعر المستعار ثم تجلس إلى مقعد بجوار النافذة تناضل الأرق دون جدوى. رفعت الكونتس رأسها حين سمعت حركة خلفها فرأت رجلاً منتصباً أمامها. . وما لبث هرمان أن قال: (لا تنزعجي يا سيدتي بحق السماء. إني لا أود لك ضرراً وإنما جئت أنشد منك مطلباً هيناً).

نظرت إليه المرأة العجوز وهي صامتة كأنها لا تعي، فأعاد قوله بصوت عال إذ ظنها صماء. ولكنها لم تتحرك فاستطرد يقول: (إنك تملكين أن تسعديني طوال حياتي دون أن يكلفك الأمر شيئاً سوى ثلاث ورقات).

وهنا فهمت الكونتس كل شيء فأجابت على الفور: (أوه. إنها مزحة. . . أقسم لك على ذلك). ولكن صوت هرمان قاطعها بقوله: (كلا يا سيدتي، ألا تذكرين الرجل الذي أعطيتها له فضاعف ثروته).

بدا الاضطراب على وجهها. ولكن هرمان عاود القول: (هلا ذكرت لي ذاك السر. . . لِمَ تحفظينه لأحفادك؟ إنهم في غنى عن مزيد من المال. . . أما أنا فلن تأسفين على إسعادي لأني كفيل بالإنفاق على خير الوجوه. . . هيا بربك تكلمي. . . أفصحي!)

وقف ينتظر الرد وقد عيل صبره، ولما لم تجب انحنى متوسلاً وهو يقول: (ألا تعرفين الرحمة والحب. . . إذا كنت تذكرينهما فإني أستحلفك باسم الأبوة والأمومة وبكل ما تقدسين ألا تخيبي أملي. . . اذكري أنك كبيرة السن وأن أبنائي وأحفادي سيباركون ذكراك).

ولكن الكونتس لم تجب، وحينئذ نهض هرمان واقفاً وسدد غدارة نحوها ثم أردف: (إذا سأضطرك إلى الكلام).

أشتد اضطراب المرأة فاهتز رأسها بقوة، ومدت يديها كأنها تبغي أن تبعد شراً يوشك أن ينقض عليها، ثم تراجعت إلى الوراء بلا حراك.

(هيا لا تكوني كالأطفال. . . إني أمهلك آخر مرة. . . ما هي الورقات الثلاث؟. . .)

ولما لم يسمع رداً أو حركة أمسك هرمان يدها فوجدها قد فارقت الحياة حاملة سرها معها.

- 4 -

حينما دخلت ليزابيتا إلى حجرتها سرها أن لم تجد فيها صديقها الضابط، إذ أن شعوراً من الندم غمرها فأخذت تلوم نفسها على تسرعها في استدعائه. وبينما هي سابحة في بحار الفكر فتح الباب فإذا بهرمان واقفاً تجاهها. فارتعدت الفتاة وقالت: (أين. . . كنت؟)

فرد مطرقاً: (في غرفة الكونتس. . . لقد تركتها منذ لحظة. . . ميتة).

(يا للسماء!! ماذا تقول؟) فاستطرد هرمان: (أخشى أن أكون سبب موتها). ثم جلس بجوار النافذة وشرع يقص عليها أنباء مغامراته، فأدركت أن عبارات الوجد والهيام التي كتبها والساعات الطويلة التي قضاها واقفاً أمام نافذتها لم يُمِلها الحب الصادق بل حب المال. . . المال الذي سيطر على قطب تفكيره فجعله يستخدمها أداة طيعة في يده. . . المال الذي صيره مجرماً أثيماً.

ولم تتمالك الفتاة نفسها منة البكاء في مرارة وألم، ولكنه أخذ يراقبها في سكون دون أن تلين قلبه دموعها التي ذرفتها ولا جمالها الذي زاده الحزن سحراً وفتنة، ولم يلق بالاً إلى موت الكونتس في ذاته، وإنما أحزنه أنها دفنت سرها معها.

وعاد إلى الصمت فلم يتبادلا كلمة ولا نظرة حتى بدت طلائع الفجر فانسحب الضابط من حيث أتى وما لبث أن احتواه الطريق.

- 5 -

مضت أيام ثلاث دخل هرمان بعدها الدير الذي رقدت فيه الكونتس ليؤدي لها واجب الاحترام الأخير. . . ولكن هذا لم يكن قصده الحقيقي، وإنما كان - ككل رجل لم يتسرب إلى قلبه شعاع من الإيمان - شديد التشاؤم والتطير، فخيل إليه أنه لو قصر في أداء هذا الواجب لحلت عليه لعنة روحها واستحق غضبها، وإذ ذاك رأى أن يرضيها من هذا الطريق.

دخل هرمان القاعة فوجد جسدها مسجى على فراش من المخمل الأسود وقد أحاطه خدمها حاملين الشموع. . . وبدأ المكان رهيباً. ولما حان دور الضابط تقدم منها فانحنى قليلاً، وفجأة صور له الوهم أن عيني المرأة تتطلعان إليه وأنهما فتحتا فتطاير منهم الشرر. . . ارتعد هرمان واختلج جسمه ثم ارتمى على من خلفه وقد غمر وجهه الشحوب، وفي نفس اللحظة كانت ليزابيتا في أقصى المكان قد أغمي عليها.

خرج هرمان وقد تملكه الرعب والفزع فتوجه إلى حانة حيث جلس يحتسي كؤوس النبيذ ليرفه عن نفسه المكروبة. ولما حان المساء عاد إلى بيته فاستلقى على الفراش وغرق في نون عميق لم يصح منه إلا والليل يغمر الكون فلا يبدد ظلمته سوى نور القمر المنبعث من النافذة. . . ولم يكد يغسل الكرى عن عينيه حتى أعتدل جالساً ومكث بعض الوقت على تلك الحال، وما لبث أن سمع خطوات شخص يمر بنافذته ويتطلع إلى داخل الغرفة ثم يواصل سيره. . . لم يلحظ الأمر في البداية باهتمام ولكنه أرتعد حين سمع باب منزله يفتح، والممر يردد صوت تلك الخطوات، وأوشكت صرخة أن تفلت منه حين رأى امرأة في ملابس بيضاء منتصبة أمامه. . . عرف فيها الكونتس أنّا فازداد اضطرابه وازداد لعابه بصعوبة إذ سمعها تقول: (لقد جئتك رغم إرادتي لأشكر لك احترامك لذكراي ولأكافئك بذكر الوريقات الرابحة، إنها الثلاثة والسبعة والآس. ولكن أحذر أن تعاود اللعب بعد أن تجمع لنفسك ثروة معقولة. وإذا تزوجت وصيفتي ليزابيتا غفرت لك كل ما بدر منك).

نطقت بهذه الكلمات بين دهشته وذهوله، ثم خرجت من حيث أتت وردد الطريق وقع أقدامها. . .

لبث هرمان مشدوهاً بعض الوقت، ثم اجتاز الغرفة وأيقظ خادمه ولكنه عبثاً حاول أن يعرف منه شيئاً عن الأمر؛ فقد كان هذا مستغرقاً في النوم لحظة أن دخلت الكونتس.

لم يغمض للرجل جفن طوال تلك الليلة، إذ أخذت الأفكار تطارده والأحلام تذكره بالثلاثة والسبعة والآس؛ فحصر مخيلته في البحث عن مكان للمقامرة، وحين علم بنبأ عزم فريق من الأثرياء على الالتفاف حول مائدة القمار بأحد الأندية يمم شطره وريح الأمل تدوي بين جنبيه، وهناك وجد عليه القوم وكبار الضباط يلعبون.

وجلس هرمان يشاركهم، وما لبث حين مر به الدور أن أخذ ورقة وراهن عليها بمبلغ 47 ألف روبل فتركزت حوله الأبصار وأخذ الجميع يتطلعون إليه ثم قال تلروموف وهو يغمغم (لقد فقد الرجل عقله) وتلاه أحد اللاعبين بقوله: (أتسمح لي يا سيدي أن أحذرك مغبة المراهنة على مثل هذا المبلغ الجسيم. . . إنها مغامرة مميتة فنحن لا نراهن عادة على أكثر من مائتي روبل).

ولكن هرمان قال في إصرار: (إني أعلم ذلك فهل تقبلون لعبي أم لا؟) وإذ ذاك قال صاحب النادي: (لا بأس فقد أردنا تنبيهك فقط) وأخرج هرمان من حافظته عدداً من أوراق البنكوت سلمها لمحدثه ثم بدأ اللعب فكشف الورقة التي بيده وكانت الرابحة. سرت موجة من الدهشة بين الحاضرين وتسلم هرمان ما ربح ثم أنصرف تاركاً الخاسرين فريسة الذهول، وفي الليلة التالية عاد إلى اللعب والتأم الجمع حول المائدة الخضراء فقامر الضابط كالليلة السابقة وما أن كشفت الورقة التي بيده وكانت السبعة حتى تبين أنها الرابحة. . . ومرة أخرى جمع أرباحه ولم ينس أن يحيي الحاضرين عند خروجه بانحناءة وابتسامة. ظهر هرمان في الليلة الثالثة والأخيرة، وازدحم حول المائدة أفواج من المتفرجين واللاعبين وقد أشتد بهم الحماس والتشوق ثم بدأ اللعب. . . فأخذ هرمان (الآس) واستعد الكل للحظة الفاصلة فخيم الصمت على أرجاء القاعة. . . ثم أخذ الرئيس الورق بيد مضطربة ودار اللعب برهة ثم تبين أن الورقة الرابحة هي الآس وإذ ذاك كشف هرمان ورقته وهو يكاد يفقد عقله من الفرح والغبطة. . . ولكنه وجدها (دام) (سباتي). . . اشتد به الذهول وزاغت عيناه وتصلبت أطرافه وهو يحدق في الورقة إذ خيل إليه أن (الدام) تفتح عينيها وتغمضها بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هازئة. . . شعر بالرعب يلجم لسانه فقد كانت (الدام) شديدة الشبه بالكونتس.

- 6 -

وبعد يومين كان زائر مستشفى أبو كوف يقع نظره في إحدى الحجرات على رجل فاقد العقل والشعور، لا يجيب عما يوجه إليه من أسئلة وإنما يظل يتمتم بصوت خافت: (ثلاثة. . . سبعة. . . آس)

حلمي مراد

المحامي