مجلة الرسالة/العدد 371/رسالة العلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 371/رسالة العلم

مجلة الرسالة - العدد 371
رسالة العلم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 08 - 1940


الوضع الحقيقي لمشكلة جابر بن حيان

للأستاذ أحمد زكي صالح

(تتمة)

مناقشة رأي الأستاذ كراوس

الأستاذ كراوس حيران بين أمرين: أولهما أنه يريد أن يثبت أن جابراً إنما عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع من الهجرة، والأمر الثاني هو البرهنة على عدم وجود هذه الشخصية العلمية الإسلامية التي تسمى جابر بن حيان؛ ولكن هل تأنى له أن يصل إلى نتيجة أحسن مما وصل إليه أساتذته وغيره من المستشرقين؟

هذا ما نرى الجواب عليه فيما يلي:

يريد الأستاذ كراوس أن يبين أولاً أن جابراً إن كان له وجود فهو إنما عاش في النصف الثاني من القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري، معتمداً في ذلك على الدراسة المقارنة، فهو أولاً يقارن آراء جابر الكلامية الشيعية بآراء غيره من رجال الفرق الشيعية الأخرى، ويخرج من هذه الدراسة المقارنة بأن آراء جابر بن حيان إنما تشابه وتماثل آراء القرامطة والإسماعيلية اللتين ابتدأتا تلعبان دورهما منذ سنة 260هـ أي في النصف الثاني من القرن الثالث، ولكن نحن نسلم بكل ما جاء في هذه الدراسة المقارنة بين الآراء الكلامية والفلسفية لجابر بن حيان، وبين تلك التي قالت بها فرقتا الإسماعيلية والقرامطة، ولكن الذي لا يمكن التسليم به هو أن وجود هذا التشابه بين الآراء يصح دليلاً على أن جابر معاصراً لهما، بل الأقرب إلى العقل أن جابراً وضع أسس النظريات الكلامية والفلسفية والإلهية التي توسعت فيها فيما بعد الإسماعيلية والقرامطة.

ومن الجلي الواضح لدى كل من درس علم الكلام أن فرق الشيعة كانت أنشط الفرق الإسلامية حركة، وكانت أولى من أسس المذاهب الدينية على أسس فلسفية، حتى أن البعض ينسب فلسفة خاصة لعلي بن أبي طالب.

وعلى هذا فنحن لا نسلم برأي الأستاذ كراوس، وهو أن جابراً عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع من الهجرة، وعلى ذلك فنحن ننتقل إلى مناقشة رأيه الثاني، وهو عدم وجود شخصية جابر بن حيان، وأن المؤلفات المنحولة لجابر بن حيان، إنما هي من أعمال مدرسة في القرن الرابع للهجرة.

يقول الأستاذ رسكا: (إن المسألة لا يمكن أن تفسر هذا التفسير البسيط الساذج وهو أنها أعمال مدرسة استمرت عدة قرون). ولكن يظهر أن الأستاذ كراوس أخذ بشطر من هذا التفسير على الأقل، إذا أنه فسرها على أنها من أعمال مدرسة وجدت في القرن الرابع، ولكن هذا التفسير كذلك ينطبق عليه قول رسكا من أنه تفسير بسيط ساذج، ونحن نسأل الأستاذ كراوس: هل يمكن لهذا التفكير المنسجم المطرد أن يكون تفكير أفراد كثيرين؟

نحن نفهم من المدرسة عدة أشخاص معتنقين مذهباً واحداً واضعين نصب أعينهم أغراضاً واحدة يعلمون على تحقيقها، يقسمون العمل فيما بينهم فلا يخرجون كتاباً إلا إذا بحث ومحص من كل الوجوه كما هو حال (إخوان الصفاء)، ولكن هل نلاحظ هذا في أعمال جابر بن حيان؟؟ كلا فكثيراً ما عاد جابر في مؤلفاته يشرح بعض النظريات التي سبق أن قال بها ويكمل بعض الآراء التي وصل إليها. أضف إلى هذا أن تفكير جابر بن حيان لا يدل على تفكير مدرسي ولا يمكن بأية حال أن يدل على ذلك، إذا أن شخصية جابر تظهر في جميع مؤلفاته على السواء بنفس الروح وبمظهر واحد وأسلوب فذ. على عكس التفكير المدرسي فإنه إما أن يكون خلواً من الروح المميزة له على الإطلاق أي يتلاشى الفرد في الجماعة، وهذا بعيد جداً عن مؤلفات جابر، أو أن تظهر فيه شخصية الأفراد المؤلفين فتختلف روح العمل والإنتاج تبعاً لكل كاتب، وهذا ما لا نجده في مؤلفات جابر.

جابر الحقيقي

بعد ذلك تخرج بالنتائج الآتية:

أولاً: إن كلمة في الكتب اللاتينية قد استعملت ترجمة لاسم جابر العربي.

ثانياً: إنه وجد فعلاً شخص عربي كيميائي مسلم هو جابر ابن حيان.

ثالثاً: إن الكتب الكيميائية العربية لهذا المؤلف قد نقلت إلى اللاتينية في القرنين الثاني والثالث عشر من الميلاد.

رابعاً: كثير ما كان المترجم اللاتيني يستعيض عن الترجمة الحرفية للكتب العربية بترجمة مع تصرف.

خامساً: قسطاس الأصل العربي للكتب المفقودة، يحب أن يكون عن طريق البحث في المحتويات أولاً وفي الأسلوب ثانياً.

من هو جابر أذن؟

قال ابن النديم: (هو أبو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي المعروف بالصوفي، واختلف الناس في أمره: فقالت الشيعة إنه من كبارهم وأحد الأبواب، وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق رضي الله عنه، وكان من أهل الكوفة. وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم. وله في المنطق والفلسفة مصنفات. وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرياسة انتهت إليه في عصره وأن أمره كان مكتوماً، وزعموا أنه كان يتنقل في البلدان ولا يستقر في بلد خوفاً من السلطان على نفسه، وقيل إنه من جملة البرامكة وكان منقطعاً إلى جعفر بن يحيى، فمن زعم هذا قال إنه عني بسيده جعفر بن يحيى البرمكي وقالت الشيعة إنما عني جعفر الصادق. . .

(وقال جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين إن هذا الرجل يعني جابراً، لا أصل له ولا حقيقية، وبعضهم قال إنه ما صنف، إن كان له حقيقية، إلا كتاب الرحمة وإن هذه المصنفات صنفها الناس ونحلوه إياها، وأنا أقول إن رجلاً فاضلاً يجلس ويتعب فيصنف كتاباً يحتوي على ألفي ورقة، يتعب قريحته وفكره لإخراجه ويتعب يده وجسمه لنسخه ثم يخلد لغيره إما موجوداً أو معدوماً ضرب من الجهل، وإن ذلك لا يستمر على أحد، ولا يدخل تحته من تحلى ساعة واحدة بالعلم، وأي فائدة في هذا وأي عائدة؟ والرجل له حقيقة وأمره أظهر وأشهر وتصنيفاته أعظم وأكثر، ولهذا الرجل كتب في مذاهب الشيعة أنا أوردها في مواضعها، وكتب في معاني شتى من العلوم قد ذكرتها في مواضع من الكتاب، وقد قيل إن أصله من خراسان والرازي يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة: قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان)

وقال القفطي: (جابر بن حيان الصوفي الكوفي كان متقدماً في العلوم الطبيعية بارعاً في صناعة الكيمياء وله تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة، وكان مع هذا مشرفاً على كثير من علوم الفلسفة ومتقلداً للعلم المعروف بعلم الباطن وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام.

وذكر محمد سعيد السرقسطي المعروف بابن المشاط الإصطرلابي الأندلسي أنه رأى لجابر بن حيان بمدينة مصر تأليفاً في عمل الإسطرلاب يتضمن ألف مسألة لا نظير لها)

ونحن إذا سلمنا بوجهة نظر ابن النديم؛ فإننا نستطيع أن ننسق من جديد ما يقوله (الفهرست)، وأن نعيد مبنى هيكل حياة جابر بن حيان؛ فإذا كان جعفر الصادق الذي عاش من 699 - 765م أي 89 - 155هـ هو أول أصدقاء جابر ومعلميه، فإن تاريخ ميلاد هذا الأخير حوالي سنة 730م أي حولي 120هـ وهكذا يمكن أن يكون قد ارتبط، وهو في سن الستين أو السبعين، بعلاقة ما مع البرامكة. ولا يجد الجلداكي ثمة غرابة في أن يكون لجابر نشاط أدبي عظيم لأغراض علمية وفلسفية وإلهية.

والبرهان على حياة جابر وتنظيمها أثبت في كتاب الجلداكي (البرهان في أسرار علم الميزان). جاء في هذا المخطوط: الأستاذ الكبير جابر بن حيان ولد في الكوفة، وهو من قبيلة أسد فهو طوسي الأصل صوفي المذهب، تتلمذ في صباه على حرابي حميرات أحد المعمرين. ويذكر لنا جابر أن حميرات هذا قد عاش أربعمائة سنة؛ أي أنه ولد في سنة 200 قبل الهجرة وعاش حتى حكم هارون الرشيد، أي أنه مات سنة 170هـ تقريباً. وعن هذا المعمر أخذ جابر العلم في صباه؛ ثم رحل إلى حيث يوجد الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وتتلمذ عليه وصار بعده إماماً. ثم اتصل بعد ذلك بالبرامكة ومارس تحت ظلهم الكثير من التجارب، وعن طريق جعفر البرمكي اتصل اتصالاً مباشراً بهارون الرشيد وأهدي إليه الكثير من كتبه.

وعلى هذا الأساس فإن جابراً بعد أستاذاً للكيمياء. ومما ساعده على ذلك أنه أحضر في أيامه الكثير من المؤلفات الكيميائية اليونانية من بيزنطة إلى بلاط الخليفة في بغداد. أضف إلى ذلك أن جابراً نفسه قد انهمك في الفلسفة حيناً من الزمن ثم مات وله من العمر تسعون عاماً أي حوالي سنة 210هـ أي 820م. بعد تصنيفه لثلاث آلاف رسالة وكتاب.

الخواص العلمية لكيمياء جابر

كان بن حيان أول من فطن إلى الناحية التجريبية الخالصة في الكيمياء، وبهذه الوسيلة تيسر له أن يأخذ بيد هذا العلم الناشئ في ناحيتيه النظرية والعلمية، ويمكن أن نتتبع أثر جابر هذا في الكيمياء وكيميائي أوربا.

فمن الناحية العلمية يصف لنا جابر طرق التبخير، والتكوير والترشيح، والذوبان والتعطير والتبلور! كما وصف أيضاً الكثير من طرق التحضير الكيميائي، كالزنجفر وأكسيد الخارصين، كما عرف تماماً كيف يحضر حامضا الكبريتيك والأزوتيك، وحجر السنب، والقلوي والسلمونيك وملح اليارود.

ولقد اقتبست اللاتينية عن العربية بفضل مؤلفات جابر ابن حيان الكيميائية بعض الاصطلاحات الكيميائية التي لا زالت تستعمل في اللغة الأوربية مثل البوتقة والأنييق والتوتيا التي هي أكسيد الخارصين، والقلوي والرجار الذي هو كبريت الخارصين.

الأسس العامة التي قامت عليها كيمياء جابر

بينا كيف أن كيمياء جابر إنما تقوم على أسس تجريبية؛ ويرى الأستاذ كراوس أن كيمياء جابر مؤسسة كذلك على أسس فلسفية، ويقرر أن هذه النظرية الفلسفية قد اقتبست إلى حد كبير من طبيعة أرسطو، وجابر نفسه يعيد ذكر الكثير من عبارات أرسطو كما يذكر بعض فقرات وتعليقات على: الإسكندر الأفروديسي، وطيمسطس وسمبليكيوس ونورفوريوس وغيرهم. وكذلك ترى في مؤلفات جابر ذكراً لمؤلفات أفلاطون وبقراط وجالينوس وأقليدس وبطليموس وأرشميدس، وبين هؤلاء المؤلفين الكثيرون ممن لم تفقد أصول مؤلفاتهم اليونانية، وبالدراسة المقارنة أثبت أنه ليس هناك مؤلف كيميائي في الإسلام على معرفة واسعة النطاق بالأدب العلمي القديم، ومؤلفاته لها صبغة دوائر المعارف إلا جابر بن حيان ومؤلفاته، هذه المؤلفات التي تقرب من أن تكون دائرة معارف إسلامية تعبر عن معارف عصره تماماً. وأساس العلم الجابري هو الميزان، وهو في نفس الوقت الذي يبين لنا وحدة العلم الجابري، ونحن كي نستطيع فهم هذا الأساس وهذه الوحدة، يجب أن نعدد المعاني المختلفة لهذا الميزان:

أولاُ - الوزن النوعي.

ثانياً - وزن الكيميائيين القدماء الذي يحدد امتزاج العناصر بعضها ببعض.

ثالثاً - ميزان الحروف: كان يرى أن حروف اللغة العربية على صلة بالخواص الأربع: الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف، وهو يرى أن ميزان الحروف هذا لا ينطبق على عالم ما تحت القمر فقط إنما كذلك على الكائنات الميتافيزيقية مثل العقل الروح والمادة والمكان والزمان.

رابعاً: والميزان هو المبدأ الميتافيزيقي للواحدية العلمية ويظهر هنا أن تصور أفلاطون للواحد لا يمكن أن يكون إلا ذا أثر.

خامساً: وأخيراً فإن الميزان يتفرع عن تفسير مجازي طويل لآيات القران عن ميزان الحكم في العالم الآخر، وهذا هو ما يوجد إجنوزية الإسلام التي حاول جابر أن يربط بها مذهبه في الدين.

أثر جابر في الدراسات الكيميائية

جابر في نظر كيميائي الإسلام أستاذ الصنعة الأكبر، ولقد ترك جابر أثراً ليس من السهل الإقلال من شأنه، ونكتفي بأن نشير إلى أنه من خيرة تلاميذ مدرسة جابر بن حيان في الكيمياء: الخرقي، ابن عياض المصري الإخميمي، وذو النون المصري، وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي، ومسيلمة بن أحمد الماجريطي، والطغرائي وأبن وحشية، والإكميمي المصري، وأبو القردان النصيبي (؟)

أما في العالم الأوربي فأغلب أعمال جابر الكيميائية إن لم تكن كلها مترجمة إلى اللاتينية مطبوعة في المجموعات التالية:

1.

2.

3.

4.

وهذه التراجم اللاتينية تنقسم إلى قسمين:

قسم أخذ بمنهج الترجمة الحرفية فخرج غير متين الأسلوب ولا قوي التركيب. وقسم أخذ فيه بمنهج الترجمة مع تصرف فجمع فيه بين دقة التعبير العلمي وبين متانة الأسلوب الأدبي، وبين وضوح الفكر ورونق التنسيق وجمال التقسيم.

وهذه التراجم اللاتينية لكيمياء جابر إنما سادت التفكير الأوربي العلمي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر حينما عرفت كتب جابر العلمية، وإن كان بعض المغرضين قد انتهزوا فرصة فقد الأصول العربية لهذه التراجم اللاتينية وضياعها، فحاولوا أن يخرجوا بهذه التراجم عن دائرة الفكر العربي الإسلامي، فإن هذه المحاولات مقضي عليها بالفشل، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على قيمة هذه المؤلفات وعظيم تأثيرها على الفكر اللاتيني في القرون الوسطى.

وإني لا أعدو أن أكون مقرراً للواقع حين أقول إن كيمياء جابر يمكن أن نعدها إلى حد ما أساساً للكيمياء الحديثة؛ وذلك لأن التراجم اللاتينية لأعمال جابر بن حيان طبعت في القرن السادس عشر، ثم أعيد طبعها في القرن الثامن عشر، ولا بد لهذه الأعمال العظيمة أن تؤثر في عقليات المفكرين سواء أكان هذا التأثير من ناحية سلبية أم من ناحية إيجابية أم هو بين السلب والإيجاب.

هذه هي مشكلة جابر بن حيان في وضعها الصحيح، وبهذا تكون قد أزحنا بعض العبء الثقيل الذي يبهظ أعناقنا نحن دارسي التراث الإسلامي، وفقنا الله جميعاً لإحياء هذا التراث الخالد.

(تم البحث)

أحمد زكي صالح

-