مجلة الرسالة/العدد 371/تأخر السنين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 371/تأخر السنين

مجلة الرسالة - العدد 371
تأخر السنين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 08 - 1940


للأستاذ عباس محمود العقاد

أما تأخير السنين فهو الرجوع بها إلى الوراء

يكون الرجل مثلا في سنة أربعين. فيرجع إلى سنة عشر، أو يكون في القرن العشرين فيرجع إلى القرن الأول، أو يكون في أيام التاريخ فيرجع إلى ما قبل التاريخ.

ولذلك ثلاث وصفات على طريقة المعجزات، ووصفة واحدة على طريقة العجزة أبناء الفناء.

فالوصفة الأولى على طريقة المعجزات أن تقبض على دولاب الزمن فتديره إلى الأمام أو إلى الوراء حين تشاء وكيفما تشاء. ولا بد قبل ذلك من معركة فاصلة بين المرء وبين الزمن ينكسر فيها الزمن فيلقي بدواليبه ومقاليده ومفاتيحه ثم يلوذ بالفرار.

وأنا قد حاربت الزمن في معارك شتى، ولكني لم أصل معه إلى المعركة الحاسمة، ولا علمت بمستودع الدواليب والمفاتيح. فليس في الوصفة الأولى رجاء.

والوصفة الثانية على طريقة المعجزات هي وصفة أينشتين في بعض الفروض الرياضية والألغاز (النسبية)

وذلك أن أشعة الأرض تصل إلى بعض الكواكب في مائة سنة، وإلى بعضها في ألف أو ألوف.

فمن صعد إلى كوكب من تلك الكواكب، ورصد أشعة الأرض على أسلوب من أساليب الصور المتحركة، فهنالك يرى اليوم نابليون أو حروب فردريك الكبير أو حروب هنيبال لا تزال في البرامج ولا تزال تجري على حقيقتها كما كانت تجري في هذه الأرض منذ كذا من السنين.

وبيني وبين هذه الوصفة أن أصعد إلى الكواكب بأسرع من صعود الشعاع إليه، أو أن أصعد إلى الكواكب على جناح فرض من الفروض الرياضية في مثل لمح البصر أو خطرة الخيال.

فإذا جاء اليوم الذي يطير فيه الإنسان على أجنحة الفروض فهنالك نؤخر الزمان الأرضي كما نشاء، ولكننا نصعد إلى الكواكب فنجد فيها الحاضر حاضراً لا يقبل التأخير.

والوصفة الثالثة على طريقة المعجزات هي وصفة على لسان (أولاد البلد) فيما يتحدثون به عن فعل الحبوب والعقاقير

فقد زعموا أن حبوباً تعيد الشباب، وان الحبة منها ترد من يتناولها عشر سنين، وأن رجلاً بالغ في التصابي فتناول خمس حبات فعاد رضيعاً على كفوف بناته وأبنائه.

وصيدلية هذه الحبوب لا تدين بمذهب الأمريكان في حب الدعوة والإعلان، فما اهتديت إلى مكانها حتى الساعة، ولعلها تدين بتأخير المكان.

فدعونا إذن من الوصفات الثلاث على طريقة المعجزات وهلموا بنا إلى وصفة العجزة من أبناء الفناء

ووصفة العجزة من أبناء الفناء هي كتب التاريخ، أو هي الصحافة التاريخية على التعبير الصحيح فيما نحن فيه

فإذا رجعت إلى سجلات الصحف فأمامك حوادث الأيام يوماً بعد يوم، وخبر بعد خبر، وفي وسعك أن تقفز إلى الوراء مائة سنة أو اكثر من مائة حسب تواريخ الصحف التي تقرأها، دون أن تتجشم المرانة على براعة القفز إلى الوراء.

ومن سجلات الصحافة القيمة سجل يجمع فصول (التيمس) الافتتاحية في جلائل الأحداث من سنة ألف وثمانمائة إلى ما قبل اليوم بثلاث سنوات.

ففي أي يوم من أيام تلك الأحداث تريد أن تجلس إلى قهوتك وتفتح صحيفتك وتأتمر بأمر الفضول، فتستطلع الغيب عن الحادث المجهول؟

معركة ترافلجار أو الطرف الأغر؟ معركة واترلو؟ تسليم نابليون؟ موت نابليون؟ أحاديث العلماء والجهلاء عن الاختراع الجديد المسمى بالتلفون؟

أنت لا تعلم شيئاً من هذه الأشياء، ولكنك تفتح الصحيفة لتقرأ آخر الأنباء.

7 نوفمبر سنة 1805 - يوم ترافلجار

(في مكان آخر من عدد اليوم نص التقرير الرسمي عن المعركة البحرية التي انتهت بأحسم انتصار ظفرت به الفطنة والبسالة البريطانيتان. وهو انتصار على ما فيه من العظمة والمجد قد اشتريناه بثمن غال، وكفى دليلاً على شيوع هذه العقيدة ورسوخها في الأذهان ذلك الحزن البالغ العميم الذي قوبل به موت اللورد نلسون. فلم يكن للنصر صدى الحماسة والطرب الذي تردد به كل نصر في معاركنا البحرية السابقة، وليس في البلاد فرد لا يرى أن حياة بطل النيل أنفس جداً من أن تقوم بعشرين سفينة فرنسية وإسبانية بين ضائعة ومأسورة، فلا مظاهرات فرح شعبي ولا أصداء نشوة قومية صحبت هذا الحادث الخطير. وإنما ظهر شعور الأمانة والرجولة في نفوس الأمة كما ينبغي أن يظهر: رضى عميق بانتصار سلاحهم المحبوب، وحزن خالص أليم كحزن المرء في أسرته على البطل الصريع وتقدم ثماني سنوات فأنت في انتظار الأخبار عن معركة (واترلو) وهي تتوالى متناقضة متفرقة، يقول بعضها بانتصار نابليون ويقول بعضها بانتصار الحلفاء. وتروي عن ولنجتون كلمته المشهورة: (ما رأيت كاليوم غباءً في سبيل النصر، ولا رأيت كاليوم اقتراباً من الهزيمة)

وتقدم أياماً أخرى فإذا بنابليون أسير لم تتحقق أنباء أسره، وإذا بالناس مختلفون هل يجوز الحكم عليه في محكمة دولية؟ هل يسلم إلى ملك فرنسا ليعقد له محكمة فرنسية؟ هل يحاسب على من قتل من الأسرى والسجناء في غير ميدان القتال؟

ثم تحقق نبأ الأسر وجيء بالأسير إلى الشواطئ الإنجليزية، وانعقد مجلس الوزراء للبحث في مصيره. فهل تعلم ماذا قرر مجلس الوزراء؟. . . كلا. . . أنت لا تعلم ذلك في أثناء انعقاده ولكنك تقلب الصفحة فتعلم بالقرار.

وتستمع فإذا الصبية في الطرقات ينادون ينفي نابليون إلى جزيرة القديسة هيلانة، وإذا بالتيمس تقول بعد السفر به إلى تلك الجزيرة:

(ألان نحسبنا على يقين أننا سنفرغ من شأن نابليون بونابرت فلا نعود إلى ذكره إلا أن نتخذ منه مثالاً لكل جريمة عبرة للآخرين. ولئن كانت يد الإنسان قد رفقت به في جزاء آثامه فلا يفهمن من هذا أنه نجا من كل عقاب غير هذا العقاب. وما ندري بأي عقيدة من العقائد يدين الآن. فقد جهر بالإلحاد مرة وبالإسلام مرة أخرى وبالكثلكة مرة ثالثة حسبما لاح له من بوادر المصلحة في كل حين، وكان على ما رزق من الملكات العظيمة والنشاط والدائب عريقاً في الخسة، تلك العراقة التي لا يبالي معها أي ضرب من ضروب الغش والرياء تزجيه لمآربه في غير خجل من افتضاح أمره أو عواقب خداعه ما دام قد نفذ إلى مراده. ولكنه - إن لم يكن إنساناً - فله لا محالة وقد أوى إلى العزلة والفراغ عقيدة يركن إليها وتلعج في ضميره مضيض الألم ووجع الندم مما اقترف من المساوئ والشناعات)

وتقدم ست سنوات فأنت تقرأ نعي نابليون كما تقرأ الذكرى المنسية قد انبعثت من قبور النسيان.

وعلى هذا الشاكلة يرجع المدبرون إلى الماضي من طريق الصحافة، وهي طريق معبدة يهتدي إلى معالمها كل عابر سبيل

فإن لم تعجبك طريق الصحافة فللشعر والأدب طر يقمها إلى كل ماض وإن لم تكن بالطريق المعبدة لجميع العابرين.

ومن مصادفات الأيام أنهم احتفلوا في يونيو الماضي بانقضاء مائة عام على مولد الشاعر الإنجليزي الكبير توماس هاردي صاحب قصيدة (العواهل) أو قصيدة نابليون.

وظهرت الصحف الأدبية وفيها شذرات من تلك الملحمة الفخمة كأنما تقال في هذه الأيام، ومن أجل هذه الحرب، وعلى نغمات الحوادث العالمية التي تصلصل الآن في الآذان.

وأي وصاة في حروب نابليون لا يوصي بها في الحرب الحاضرة؟

قال هاردي على لسان ولنجتون وقد سئل في اليوم المرهوب بماذا توصي إذا وقعت في حومة الوغى؟

قال هاردي أو قال ولنجتون: (بالثبات إلى أقصى مداه. . . فحيثما بقي في الميدان رجل واحد على قدم عرجاء في حقيبته رصاصة واحدة فلينته في النهاية كما انتهيت)

ولكن نابليون هو الذي انتهى فوقف بلسان الشاعر يقول: (الآن كل شيء ضاع. . . فيا ساعات الأرض جميعاً دقي لسلطاني دقة الختام)

ووقف الزمن يقول لذلك السلطان المخذول: (ما أمثالك من الرجال الذين يخوضون غمار الدنيا محدثين فيها الأحداث مقلبين السعود والنحوس إلا حشرات على صفحة الأجيال كحشرات النبات على صفحة الأوراق، ينشرون ما تطوي أخاديد التراب)

أترانا على هذا النهج قد رجعنا في طريق الماضي، وأفلحنا في تأخير السنين؟

كلا، بل نحن فيما أرجو قد تقدمنا أمام الزمن، ونظرنا إلى المستقبل، ورأينا على صخور القديسة هيلانة مكان ضيف جديد!

عباس محمود العقاد