مجلة الرسالة/العدد 365/الحديث ذو شجون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 365/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة - العدد 365
الحديث ذو شجون
زكي مبارك
بتاريخ: 01 - 07 - 1940

للدكتور زكي مبارك

الصداقة الروحية - الطلبة والجاموس! - ابن الحمير! - معركة في غير ميدان - حمار الحكيم! - الرفيق قبل الطريق - عشنا وشفنا فقد اكتوينا بنار الحوادث في حربين.

الصداقة الروحية

كانت قسوة الشواغل قضت بأن أُحرَم أُنس الحديث مع قراء (الرسالة) نحو شهرين، وهي شواغل متصلة بخدمة اللغة العربية في آفاق لا يسايرُنا فيها القراء لأنها متصلة بحياة التعليم، وهي حياة لا يُنشر من أخبارها شيء إلا بعد أن يستوثق الباحث من أنه وصل فيها إلى آراء تستحق التسجيل بطريقة علنية، وذلك لا يتيسر إلا بالجهاد العنيف في الأعوام الطوال، كالذي تَيسَّر في الأبحاث التعليمية التي نشرتها في الجزء الثالث من كتاب (ليلى المريضة في العراق) وفي كتاب (البدائع) وكتاب (وحي بغداد)

وأنا بهذا الكلام أعتذر عما قيل من أنني جَنَحتُ إلى الراحة في الأسابيع الماضية، فما كان من ذلك شيء، وإنما حرصتُ على تأدية واجباتي الرسمية تأدية ترفع عن صدري كرب الغيظ من أن يكون في الزملاء مَن هو أحرص مني على تأدية الواجب، فقد قلت مرة على صفحات (الرسالة) إن في وزارة المعارف رجالاً يجري في خواطرهم أنهم ليسوا موظفين، وإنما يدبِّرون ملكهم الخاصّ، وأنا من هؤلاء مكروبٌ مَغيظ، ومع ذلك أتمنى أن يُكثر الله من أمثالهم في الدولة المصرية. والفُرص أمامي لأسبقهم في ميادين الكفاح الصادق حين أشاء

انتهى العام الدراسي بخير، ولم تبق إلا أعمال خفيفة لا تستنفذ الوقت، فما عسى أن أصنع؟

هل أذهب لقضاء الصيف في باريس؟

وكيف وقد انقطع بيني وبينها الطريق؟

هل أمضي لقضاء الصيف في الإسكندرية؟

وكيف وقد انفضت الملاعب حول الشواطئ، وضاعت الفرصة على مواعظ الشيخ أبي العيون؟ وما أسخفَ الحياةَ التي تستقيم استقامة مُطْلقة فلا يثور عليها واعظ، ولا يتطاول في تثريبها عاذل، ولا يَشقَى في تَعقُّبها رقيب! هل أذهب لقضاء الصيف في سنتريس؟

وكيف وهي تضيق عني، وأخشى أن أكدر صفو أهلها بأحاديثي عن معضلات الحياة الدولية؟ وهل تتسع الحياة في الريف لرجل يريد أن يشهد أعنف قَلقلة من قلقلات التاريخ؟

لم يَبق إلا المقام في القاهرة فأقضي صدر النهار في الاستفادة من خِبرة من ألقاهم في وزارة المعارف، ثم أقضي بقايا الوقت في تحبير الكلمات التي ألقى بها القراء من يوم إلى يوم، أو من أسبوع إلى أسبوع، في الجرائد والمجلات

والحقُّ أننا من الفِكْر في كرب، فالحوادث التي نعانيها في هذه الأيام لا تكفي لتغذية مطامعنا الفكرية، فنحن نفزع إلى الأدب لنملأ به فراغ الأرواح والقلوب والأذواق، ومن هنا تفهمون كيف اتفق في أحيان كثيرة أن تقام الحفلات لذكريات الأدباء والمفكرين في ميادين القتال

لا سبيل إلى تخفيف مكاره هذه الأيام (البيض) إلا بالأنس إلى الصداقة الروحية، الصداقة التي يعقدها الأدب بين الكاتب والقارئ، وهي أثمن ذخائر الوجود

وفي ظلال هذا الأمل الجميل أقضي هَجِير هذا الصيف، فأحادث قرائي، وقد رفع بيني وبينهم التكليف، فقد ضقت ذرعاً بما في الدنيا من قيود، واشتقت إلى تنسم هواء الحرية بين صرير القلم وزئير الروح

الطلبة والجاموس!

كنت نشرت مقالاً في المقطم موضوعه (التصوف في الوطنية) سردت فيه بعض الأسباب التي أحب من أجلها وطني، ومن تلك الأسباب أن أرض مصر تصلح للزراعة أربع مرات في العام الواحد، فكتب إليّ حضرة (م. ع. ف) خطاباً يُنكر فيه أن تكون مصر كما وَصَفتُ، ويؤكِّد أن أهل مصر لا يعرفون غير سوء الحال، وأن في مصر آلافاً من الأعيان حُكِم عليهم بالسجن لعجزهم عن سداد المال (؟!) والظاهر في خطاب هذا السيد أنه يتعقب أعمال الحكومة، فقد ذكر أشياء تشهد بأنه يُساير خطوات الحكومة في جميع الميادين، ويتناولها بالثناء والملام على حسب الظروف!

وأقول بصراحة إن الأمة التي تنتظر من الحكومة كل شيء وتطالبها بكل شيء هي أمة في دَوْر الطفولة، والطفل يعتقد أن أباه على كل شيء قدير! وأقول أيضاً إنه ليس من المعقول أن يكون في مصر آلاف من الأعيان حكم عليهم بالسجن للعجز عن سداد الضرائب. وإذا صح ذلك فهو شاهد على أن الأعيان في مصر لا يصلحون لتدبير ما يملكون من الأموال والأطيان

وهذا السيد له منزلة في الصعيد، ولم أصرح باسمه إلا خوفاً عليه من النقد الذي سأسوقه إليه بلا ترفق. فهو يرى من الإسراف أن يكون في الميزانية مال مرصود لجسر شبرا وجسر سمنود، وهو ينكر أن يكون للأوبرا وحمام السباحة في أسيوط نصيب من أموال الميزانية، وهو في النهاية يَعجب من أن تنفق الدولة ثلاثين ألفاً من الجنيهات لتحسين نسل الجاموس مع أن في طلبة الجامعة من عجز عن دفع المصروفات!

تحسين نسل الجاموس؟

يا سلام! يا سلام؟

كيف يليق بحكومة رشيدة أن تفكر في تحسين نسل الجاموس مع أنها تعرف أن بعض طلبة الجامعة عجزوا عن دفع المصروفات الدراسية؟!

ذلك منطق هذا السيد الذي يَشغل مكاناً مرموقاً في الصعيد!

وعُذر هذا السيد أنه قرأ في مجلة (آخر ساعة) كلمة جَرَت مجرى الدعابة، فظنَّ أن من العيب أن يهتم وزير الزراعة بتحسين نسل الجاموس، وهو جاموس!

هو حقيقة جاموس يرعَى البَرسيم ويأكل الفول ويشطح وينطح بلا فهم ولا تمييز، ولكن هذا الجاموس الأعجم هو من صميم الثروة المصرية، والاهتمام به لا يقلَّ خطراً عن الاهتمام بالقطن والقمح والعنب والتين والبطيخ

فكيف يجوز لرجل أن يعدَّ الاهتمام بتحسين نسل الجاموس عيباً من عيوب الحكومة، إلا أن يكون هذا الرجل من الصالحين للسجن بسبب العجز عن تسديد الضرائب؟

المَقتَل الخطير لأهل مصر هو الغرام بالنكتة، ومن هنا جاز أن ينتهزوا الفرصة فيعيبوا على حكومتهم أن تهتم بتحسين نسل الجاموس

ويقول هذا السيد إن اشتغالي بالأدب صرفني عن مواجهة الواقع. وأقول إنه لو اشتغل بالأدب كما اشتغلتُ لقرأ في كتاب البيان والتبيين كلاماً معناه أن أحد العرب قال: لو كان لي ألف بعير فيها بعيرٌ واحد أجرب لقمتُ عليه قيام من لا يملك غيره! ومعنى ذلك أن الاهتمام بالبهائم والأنعام لا يغضَّ من أقدار الرجال، وإنما هو دليل على العناية بأصول الاقتصاد

أيها الغافلون من أهل هذه البلاد

راجعوا وزارة الصناعة والتجارة تخبركم عما نستهلك في كل عام من الواردات المصنوعة من الألبان، وعندئذ تعرفون أنه ليس من العيب أن نهتم بتحسين نسل الجاموس

اللهم ارزقني جاموسة أو جاموستين لأنسى مرارة الإفطار على الشاي الأسود في كل صباح

وأنت أيها الجاموس

هل تحفظ هذا الجميل فتذكر أني دافعت عنك في مجلة الرسالة الغراء؟

لقد ضاع الجميل عند الحيوان الناطق، فهل تحفظه أنت يا جاموس!

وكيف نطالبك بحفظ الجميل، وما حفظنا لك الجميل؟

كانت فِطرة العربيّ في الصحراء ألطف وأصدق، فقد نظم في ناقته أعظم القصائد، أما المصريّ فقد ظلم جاموسته أقبح الظلم ولم يذكرها بغير السخرية والاستهزاء

فهل تكون للبداوة تلك المحاسن وتكون للحضارة هذه العيوب؟

كان الفراعنة أعرفَ الناس بأصول المنافع فعدُّوا البقرة من المعبودات لأنهم رأوها من صُوَر الحنان ولأنهم عرفوا ما يصدُر عنها من الخيرات

والجاموسة أغزر نفعاً من البقرة، ومع ذلك صح لأدبائنا أن يَسخروا من الوزير الذي اهتم بصحتها الغالية!

ولكن لا بأس فنحن في زمن تَغلِب فيه السخرية من المنافع، وهو زمنٌ مقلوب الأوضاع، ولولا ذلك لرُسِمت الجاموسة بجانب الفلاح على ورق (البنكنوت)

لبن الحمير!

ومن جناية النكتة على أهل مصر نُفرتهم من شرب لبن الحمير، مع أنه بشهادة الطب أطيب أنواع الألبان، وهو في أمان من الجراثيم التي يتعرض لها لبن البقر والجاموس

ومن المؤكد أن هذه الكلمة ستفوز بطوائف، من النكت حين تظهر في مجلة الرسالة، كما ظفرت الكلمة التي نشرتُها عن فضائل الحمير في كتاب (ذكريات باريس) والمهمُّ عندي أن يعرف المصريون خيرات بلادهم، وأن يذكروا أن الحمير كانت ولا تزال من أطايب الثروة المصرية، وإليها يرجع الفضل في خدمة الفلاّح الذي يذرفون من أجله دموع التماسيح!

وقد ورد التنويه بالحمار المصري في كتاب الأغاني، وهو أصبر من الحمار الحَسَاوي، المنسوب إلى الحَسَا من بلاد البحرين، وهذه فائدة قد يذكرها بعض من يحفظون الجميل

ولا مؤاخذة يا أرباب الذوق المصقول من أعداء الحيوان!

معركة في غير ميدان

دهش الناس للمعركة الحامية التي ثارت فوق صفحات (الأهرام) بين الصديقين أحمد الصاوي وتوفيق الحكيم حول الفكر والحرب، وقد وقعت في تلك المعركة ألفاظ غلاظ لا يصوِّبها صديق إلى صديق

وخلاصة رأي الصاوي أن زمن الشِّعر قد ولّى وفات ولم تبق إلا دولة الطيارات والدبابات

ويقول الحكيم إن الأمم القوية من الوجهة الحربية هي الأمم القوية من الوجهة الفكرية

والرأيان يلتقيان بكل رفق، فما الموجب للتراشق بالألفاظ الغلاظ؟

وقد فصل الأستاذ سعد اللبان في هذه القضية حين قال: أولئك قوم يتجادلون في البديهيات!

ولعل الأستاذ توفيق الحكيم يعترف اليوم أنى هديته إلى أصل الفكرة حين حاورته في جريدة الأهرام، فقد كان يتوهم أن الفكر منفصل عن الحرب كل الانفصال

لعله يذكر أني قلت وأنا أحاوره:

(إن الحرب الدموية ترجِّ الأذهان والعقول، ولكنها في الأصل من صنيع الأذهان والعقول. والعالم غير مُقْبل على الخراب - كما نقول حين نقرأ أخبار الحرب - وإنما هو مُقْبلٌ على يقظة روحية وعقلية واقتصادية سيعرف مَداها من يشهد تطوّر الوجود في المستقبل القريب، وهو مستقبل نشهد تباشيره منذ اليوم برغم ما نعاني من الضجر والاكتئاب كلما طالعنا أخبار التدمير والتخريب في الصُّبح والظُّهر والمساء

الإنسانية اليوم في حومة هائلة من يقظة الفكر والرأي، فليس القتال نزاعاً بين جنود وجنود، وإنما هو صراع بين آراء وآراء، كما كان في العصور الخوالي نزاعاً بين دِين ودِين، وما تغيرت المعاني وإن تغيرت الأشكال) ذلك ما قلته في الحادي والعشرين من شهر مايو، وهو أصدق من آراء الصاوي والحكيم، على ودهما القديم ألف تحية وألف سلام!

كنت أظنهما صديقين، ثم عرفت - مع الأسف - أنهما من إخوان الزمان:

نعيبُ زماننا والعيبُ فينا ... وما لزماننا عيبٌ سوانا

(حمار الحكيم)

وفي هجوم الصاوي على الحكيم وردت عبارات مقتبسة من كتاب (حمار الحكيم)، وهي عبارات يقول فيها المؤلف: إن الوقت عنده ليس من ذهب، وإنما هو من تراب. ويقول: إنه يخاف من العفاريت

وأقول: إن الصاوي لم يدرك ما في هذه الكلمات من السخرية، السخرية من المجتمع الذي نرى صوره في بعض البيئات، وهي سخرية رأينا صداها في مقال نشره سعادة الأستاذ مصطفى عبد الرزاق بك في مجلة الصاوي

وقد آن لبني آدم من أهل هذه البلاد أن يفهموا أن المؤلف لا يُسأل هما يَرد في كلامه من العبارات التي يديرها حول نفسه ليتمكن من السخرية بالمجتمع، فقد آذتني جريدة لا أسميها في بلد لا أسميه، لأني قلت في كتاب (ليلى المريضة في العراق):

(أنا رجل لئيم، ويجب أن أستفيد من فساد المجتمع)

فقد قالت تلك الجريدة: كيف يجوز لحكومة رشيدة أن تعتمد على هذا الرجل في تثقيف الشبان، وهو يعترف بأنه لئيم يستفيد من فساد المجتمع؟

وإذا جاز لصديقنا الصاوي أن يؤول كلام صديقه الحكيم بلا فهم لغرضه الصحيح، فقد جاز لي أن أصفح عن ذنوب الجاهلين ممن فاتهم سر التأليف يوم قرءوا كتاب (ليلى المريضة في العراق)

الرفيق قبل الطريق

تلك حكمة عربية أوحتها ظروف الحياة البدوية، فقد كانت المسالك وعرة، ولم يكن للمسافر بدٌّ من رفيق يعينه على متاعب الطريق.

وطريقنا في هذا العهد هو الكتابة والتأليف، والرفيق هو رئيس التحرير، أو القارئ، أو الرقيب في الأيام التي تُفرَض فيها الرقابة على الكتابة والتأليف

ولي في هذه النواحي تجارب، وأستطيع أن أقول إن أعظم من عرفت من رؤساء التحرير هم بعد القادر حمزة وخليل ثابت وأميل زيدان ومحمود أبو الفتح وأحمد حسن الزيات، فهؤلاء نشروا لي مقالات لم يكن يجوز أن تُنْشر لولا إيمانهم بقيمة الحرية الفكرية

ولم أكن أعرف الرقيب الذي كنت أصطدم به يوم كنت رئيس تحرير جريدة الأفكار في سنة 1921 فقد كان يفصل بيني وبينه فقيد الوطنية عبد اللطيف الصوفاني بك، طيَّب الله ثراه

أما الرقيب في هذه الأيام فهو الأستاذ محمود عزمي، وأستطيع أن أقول إني كنت أملك نشر ما أشاء بدون تهيب ولا تخوف، لأني كنت أملك الاحتكام إليه حين أريد

وفي الأستاذ محمود عزمي عيب فظيع هو الخضوع للحرية الفكرية، وهو عيب جميل، أكثر الله من أمثاله بين الرقباء!

بَقِي الرقيب الأعظم وهو القارئ

وأستطيع أن أقول إن رقابة القارئ لم تكن رفيقة في أكثر الأحايين، فقد كان يفهم عني غير ما أريد، وكان يراني بعين الحقد والمقت في بعض الأحيان

ومع ذلك بقيتْ صداقتي للقارئ كما كانت، فلم أتحوَّل ولم أتبدَّل، ولم أستبح الرياء لأظفر منه بالإعجاب، لأني أعتقد أن الكاتب الذي يتلمس المواقع من هوى القارئ ليس بكاتب، وإنما هو مأجور، والكاتب المأجور لا يصلح لشيء ولو استمدَّ بيانه من وحي السماء

الكاتب الحق هو الذي لا يخاف ولا يرجو رضاك

الكاتب الحق هو الطبيب الذي لا ينزعج من صُراخ المريض

الكاتب الحق هو الذي يفزع إلى القلم والقرطاس كما يفزع الجائع إلى الطعام والظامئ إلى الشراب

الكاتب الحق هو النهر الذي يحمله الطغيان على الهدير، أو الأسد الذي يحمله الغضب على الزئير

الكاتب الحق لا يعرف قراءه أبداً، وإنما يعرف أنه ينفِّس عن صدره بالتعبير، كما ينفِّس الوجود عن صدره بسعير الحروب فمن كان يظن من القراء أننا اشتقنا إليه فهو مخطئ، فما بنا شوق إلى أحد، إلا أن تَصلُح الدنيا فترجع الأنوار إلى بُولميش في باريس، وشارع فؤاد في القاهرة، وشارع الرشيد في بغداد

أفي الحق أن الدنيا ردَّتني إلى هذا الحد من القسوة والعُنف؟

أفي الحق أني أمسيت لا أهتم بعواطف قرائي؟

هو ذلك، فمنذ أسابيع وأنا جاثمٌ بالدار التي بنيتها على حدود الصحراء

وعن الرمال التي يُلهبها القيظ، يتحرك القلم الذي يُلهبه الغيظ

فإن عشت وعشتم إلى عودة السلام فسيكون لي معكم حديث غير هذا الحديث. ألم تسمعوا أني كنت شاعر الصباحة والجمال؟ ألم تلوموني على عُنف الهيام بالعيون والقدود؟

ذوقوا بأس الحرب يا عُشاق الحرب، ذوقوا بأس البلاء يا عشاق البلاء، فلن أنسى أنكم سَخِرتم مني حين كنت أتغنى بالجمال في أيام السلام!

متى تعود أيامي وأيامكم؟ متى تعود؟ متى تعود؟

عشنا وشفنا

شهدت حربين في حياتي: الحرب الماضية والحرب الحاضرة

فمن كان يعجب من أني قضيت حياتي في حرب فليعرف أني أخذت الوقود لأدبي من سعير هاتين الحربين، ولا يملك الفرار من حوادث زمانه غير المزوَّد بالغفلة والجمود، وما كنت من الغافلين ولا الجامدين

في الحرب الماضية كنت طالباً بالجامعة المصرية، وكانت أملاكي بالقاهرة لا تزيد عن مكتبة صغيرة سارعتُ بنقلها إلى سنتريس ورجعتُ لأشاهد تلك القلقلة التاريخية

وفي هذه الحرب، الحرب التي يقال إنها قد تؤذي مصر بعض الإيذاء، صار لي في مصر الجديدة منافع هي المكتبة التي لا يمكن نقلها إلى سنتريس، فأنا معها إلى أن يقضي القَدَر بما يشاء

وأقسى ما أعانيه هو الفزع الذي يقاسيه جيراني حين تولول صَفَّارة الإنذار بغارة جوّية في أعقاب الليل، فهم ينزعجون ويتواصَون بالنزول إلى السراديب ليأمنوا شر الويل، فأنزعج لانزعاجهم لحظة ثم أُسلم جفوني إلى النوم العميق الحياة ليست غالية جدَّا، يا جيراني، فلا تخافوا ولا تجزعوا فأينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في أعماق السراديب!

وما قيمة الحياة وهي دُنيا بحق؟

ألم نشهد فيها غدر الصديق بالصديق، ونوم الحليف عن نصرة الحليف؟

لن أقبل النزول إلى السرداب ولو سقطت السماء فوق الأرض! ولو كان أبنائي في مثل عزيمتي لأبيت عليهم الرحيل إلى مرابع السلامة في سنتريس

وما الذي فاتنا من نعيم الحياة أو بؤس الحياة حتى نحرص عليه؟

أنا باقٍ في داري على حدود الصحراء إلى أن ينفد زاد الموت، والمستميت لا يموت.

زكي مبارك