مجلة الرسالة/العدد 363/رسالة النقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 363/رسالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 363
رسالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 06 - 1940


ليالي الملاح التائه

للأستاذ الشاعر علي محمود طه

بقلم الأستاذ خليل هنداوي

ليس أحب على النفس التي تحيا في هذا الجو الضيق الذي حل فيه الربيع بمواكبه عابساً يائساً من أن تنطلق في الحياة انطلاقة (الملاح التائه) الذي يخبط على غير هدى، لا غرض له من هذا الخبط إلا أن ينطلق وينطلق! فيضيع عن الشاطئ عبر هذا اليم الذي تلاشى عن عينيه شاطئه، وأصبح يحمل الموج لمن يسأل عنه صدى ألحانه، وفي هذه الألحان شوق غلاب ووجد ملح

حياة هذا (الملاح التائه)، هي ذات حياة ذلك البوهيمي الذي انطلق من قيود الحياة، وراح يطلب لذتها للذتها. إلا أن البوهيمي قريب منا حينما نطلبه؛ أما ذلك (الملاح التائه)، فقد انفصل عنا حتى ضنَّت الأمواج علينا بالإبقاء على آثار زورقه! فنحن نسمع أصداءه، ولكن لا نعرف مصدر تلك الأصداء؛ ونطرب لألحانه المقبلة مع الموج المتهدل، ولكن هذه الألحان تبقى مجهولة الإيحاء!

أين صاحبها؟ وأية موجه تلفُّ الآن زورقه؟ وأي شاطئ مرصَّع تفتح أمام عينيه؟ أذكر أنني تلوت نقداً لديوانه الأول يلوم الشاعر على أنه يهمل مشاهد بلاده، ويمعن في وصف مشاهد غريبة عنه وعن أهله؛ ولكن غرب عن الناقد أن - شاعرنا ملاح تائه - يعبر كل البحور، ويرف ناظره على كل الشواطئ، ويكحل جفنه بأي نوع من الجمال. ومتى انطلق الشاعر من هذه الحدود، ترامى أمام طرفه، لا نهاية فسيحة تبدو عليها حدودنا خطوطاً تكاد تلوح كباقي الوشم إزاء عالمه الفسيح!

وفي (ليالي الملاح التائه) مشاهد غريبة - عن غير هذا الشاعر - توحي إليه عاطفة شديدة الإحساس، لكنها في هذه المرة لا تكاد ترتدي - الإنسانية - رداء حتى يردها إلى الأرض التي انفصلت عنها نوازع فيها الوجد والحنين والاضطراب والكآبة. . . وكل هؤلاء نعم القرين للشاعر! وإذا كان لا بد من النقد، فإنني آخذ على صاحب الليالي حشده لبعض مقطعات ليست من وحي الملاح التائه! وليست أخوات تلك الرعشات التي تأتي متآخية مع رعشات الأمواج! وأولى بمثل هذا الشاعر الصافي أن يتجرد كثيراً من شعر المناسبات. ومن أولى من الملاح التائه بالتجرد من هذا؟ وهو الذي وقف حياته على الشعر الصافي. . .؟

أول الحان (الملاح التائه) أغنية سامية أعدها فتحاً جديداً في عالم الشعر والغناء، هي (أغنية الجندول) التي نظمها خير شاعر ولحنها خير فنان، قد امتزجت فيها عبقرية الشعر وعبقرية الفن، حتى لتحار في هذا الامتزاج الغريب الذي ترك للقطعة قيمة خاصة تذكرنا بالشعر العربي الوجداني، ولعلها تمت بصلة أو صلات إلى الموشحات؛ ولكن تلك الأغنية أصدق عاطفة، وأبعد تأثيراً في النفس، لأن العاطفة المجردة بعثت بها دون أن تترك مجالاً لتغلب الصبغة الكلامية. . . ولعل هذه الأغنية هي أروع أغاني (الملاح التائه) لأنها تصور حياة هذا البوهيمي الذي يعالجه حنينان: حنين إلى مجالي الهوى، وأين تلك المجالي! وحنين إلى أرضه المتواضعة التي يصارعه الشوق إليها. حنينه الأول إلى كأس يتشهى الكرم خمره، وحبيب يتمنى الكأس ثغره. . . هذا الحنين عاوده وأنساه كل شيء. . . وبات من أجله يضيَّع في الأوهام عمره! ولكن الذكرى تناديه، والشوق إلى وطنه يهتف به. . . فيشعر بغربته شعوراً كاملاً، ولا يزيد على شعوره هذا شيئاً

قال من أين وأصغى ورنا ... قلت من مصر غريب ههنا!

هذا البوهيمي نفسه يمر على الخيام فيقف عنده، وهو الذي لا يقف في مكان، وهنالك يرسل لحناً يعد أعمق ما أرسله من ألحانه في لياليه؟ وأنى لنا أن نتمثل هذا البوهيمي الذي أضناه جوب البحار وشق القفار، حتى وقف عند باب هذا الخمار!

كلما لألأ في الشرق السنا ... دقت الباب الأكف الناحلة

أيها الخمار! قم وافتح لنا ... واسقنا قبل رحيل القافلة

وما عسى يسقيه هذا الخمار الذي جمع خمره من كرم غريب عن الكروم وعصرها من عناقيد ترى فيها:

كل عنقود دموع جمدت ... وقلوب فنيت فيها شعاعاً

ما احتواها الفجر إلا اتقدت ... جمرة تذكو حنيناً والتياعاً وبعد السكر يناجي الخيام بمثل ما عاوده في حياته، وفي هذه النجوى صعود شاعر:

صرخت آلامه في كوبه ... فهوى يثأر من آلامه

إنما البعث الذي تشدو به ... يقظة المفجوع في أحلامه!

لله ما أروع هذا البعث؟ ولكن حسبه تعزيه:

. . . . . . . . . أنا سنحيا ... في غد، مثل حياة الزهر

وسنطوي الأبد المجهول طيا ... بُعددَ الأطياف شتىَّ الصور

حسبها تعزية أن نحملها ... بأناشيد الصباح المنتظر

ونشق الأرض عن وجه السما ... حيث نور الشمس أو ضوء القمر

ربما جددَّ أو هاج لنا ... نبأً، أو قصةً من حبنا

نوح ورفاء، أرنَّت حولنا ... أو صدى قبره مرت بنا

في الديوان شعر كثير، وخطوات تدل على قلب شاعر: وللشاعر قدرة عظيمة بنقل الحوادث الخاصة بروح إنسانية كما فعل في قصيدة (مصرع الربان). ولعل بين هذا الربان وهذا الملاح نسباً. هذا الربان هو الكابتن (ماكيج جونس) ربان حاملة الطائرات كوراجيوس التي أغرقتها غواصة ألمانية في بدء الحرب الحاضرة، فآثر الموت غريقاً مع سفينته على الحياة بعدها. ولما بلغ الماء هامته، ألقى بقبعته على الموج إجلالاً للموت وإكباراً للبحر الذي حمله حياً وضمه ميتًا! ولم يجد الشاعر في هذه الحادثة مهرباً من وصف ذلك العدو الخافي المقاتل. . . وهو وصف دانٍ جداً من وصف شوقي للغواصة. وما أدنى المشابهة حين يقول:

رماك في جنبات اليم محترب ... خافي المقاتل عند الروع فرار

ترصدتك مراميه ولو وقعت ... عليه عيناك لم تنقذه أقدار

وأبدعْ بتلك الصورة التي خلدها الشاعر

وغاب كل مشيدٍ غير قبعة ... ذكرى من الشرف العالي وتذكار

ألقيتها، فتلقَّى الموج معقدها ... كما تلقَّي جبين الفاتح الغار

وهذه قصيدة وليدة البحر، لو لم يقع عليها الملاح التائه أثناء تطوافه لم يلقها، لكن الباعث عليها يختلف عن جملة البواعث الأخرى، لأنه باعث الحياة التي تهتز بانفجار، وتأبى الحياة إلا فجاءة واقتحام أخطار

شعر فيه جميع عناصر الشعر!

زودَّينا من مثل هذا الشعر يا مصر!

وهل الشعر إلا نشوة علوية وشعاع كأس لم يقبَّلها فم؟!

خليل هنداوي