مجلة الرسالة/العدد 36/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 36/القصص

الصديق الصدوق
The Devoted Friend
القصص
المؤلف: أوسكار وايلد
المترجم: بشير الشريقي
الصديق الصدوق هي قصة قصيرة بقلم أوسكار وايلد نشرت في كتاب "الأمير السعيد وقصص أخرى" عام 1888. نشرت هذه الترجمة في العدد 36 من مجلة الرساالة الذي صدر بتاريخ: 12 مارس 1934



الصديق الصدوق

للأديب الإنجليزي المعروف أوسكار وايلد

في صباح أحد الأيام أطل من جحره فأر ماء عجوز، ذو عينين لامعتين كالخرز، وشارب خشن أسمر، ذنب كأنه قطعة طويلة من المطاط الأسود، وكان يسبح حوله في الغدير أفراخ من البط ومعهم أمهم البيضاء الناصعة ذات السيقان الحمراء تعلمهم كيف يقفون في الماء على رؤوسهم، وتقول لهم من حين إلى حين (لا يمكن أن تعيشوا في جمعية راقية وانتم غير قادرين أن تقفوا في الماء على رؤوسكم.) ثم تريهم كيف يكون ذلك؛ ولكن الأفراخ لم يصغوا إليها، لقد كانوا صغاراً لا يدركون فائدة الحياة في الجمعية.

صاح فأر الماء العجوز - ما أعقهم من أولاد، أنهم ليستحقون الموت غرقا.

أجابت البطة - ليس الأمر كذلك، إن لكل امرئ بداية. . وإن الآباء ليصبرون طويلا.

فأر الماء - آه. . أنا لا أعلم شيئاً عن عواطف الآباء، إنني لست رجل أسرة، فلم لم أتزوج ولم أفكر قط في الزواج. الحب جميل إجمالا، ولكن الصداقة أسمى بكثير. في الحق أني لا أعرف ما هو أشراف ولا أندر من الصديق الصدوق.

سأل الطائر الصغير الملقب بالتفيفحة، وكان جالساً على شجرة الصفصاف وقد سمع المحادثة (ولكن بالله عليك قل لي ما رأيك فيما يجب أن يكون عليه الصديق الصدوق؟)

البطة - نعم هذا ما أردت أن أعرفه - وسبحت إلى نهاية الغدير ووقفت على رأسها.

صاح فأر الماء - ما أسخفه من سؤال! إني أريد من صديقي الصدوق أن يضر نفسه لينفعني.

قال العصفور الصغير وهو يطير فوق عسلوج ذهبي ويصفق بجناحيه الرقيقين (وماذا تفعل أنت مقابل ذلك؟)

أجاب فأر الماء - لا أفهم ما تعني.

العصفور - دعني أقص عليك حكاية في هذا الموضوع.

فأر الماء - وهل يدور حولي محور هذه القصة - إذا كان كذلك فأنا أصغي إليك لأني جد مولع بالقصص الخيالية.

العصفور - إنها تناسبك، وطار هابطا وحط على الشاطئ وأخذ يقص حكاية الصديق الصدوق.

الطائر الصغير - كان يعيش في أحد الأزمنة شاب نبيل يدعى (هانس)

فأر الماء - هل كان مشهوراً.؟

الطائر - كلا ما أظن أنه كان مشهوراً، اللهم إلا بقلبه الرحيم ووجهه الضحوك البشوش المستدير، لقد عاش في كوخه الحقير وحيدا وكان يشتغل كل يوم في حديقته التي لم يكن في القرية حديقة تدانيها في الجمال، فيها كان ينمو الزهر المنثور والورد الأحمر والورد الأبيض والأصفر والزعفران الليلكي والذهبي والبنفسج الأرجواني والريحان والياسمين وهكذا كنت تجد دائماً في الحديقة ما يقر العين وينعش الفؤاد.

وكان (لهانس) الصغير أصدقاء كثيرون، ولكن (هيو) الطحان الضخم الغني كان أكثر هؤلاء الأصدقاء وفاء وتضحية وقد بلغ من وفائه (لهانس الصغير) أنه لم يكن يمر بحديقته دون أن يعطف على الحائط ويقطف باقة أزهار كبيرة أو يجمع حزمة من الحشيش النظيف، وإذا كان الفصل فصل الأثمار ملأ جيوبه بالبرقوق والكرز.

وكان الطحان يقول: يجب أن ترتفع الكلفة من بين الأصدقاء الأوفياء، فيؤمن هانس الشاب على أقواله ويبتسم ويأخذه العجب كلما فكر أن له صديقا يحمل مثل هذه الأفكار النبيلة.

وكان الجيران أحياناً يتساءلون مستغربين: كيف أن الطحان الغني لا يعطي هانس شيئاً مقابل ما يأخذه منه في حين أن لديه مئات من أكياس الدقيق مخزونة في مطحنته وعنده ست بقرات حلوب، وقطيع كبير من الغنم المكسو بالصوف، ولكن (هانس) لم يزعج نفسه بمثل هذه الافكار، ولم يكن ليسره شيء بقدر ما كان يسره أن يصغي إلى الأقوال الغريبة التي كان يذكرها له الطحان عن تضحيات الصديق الصدوق.

وكان هانس الصغير يشتغل في حديقته ويعيش جد سعيد خلال أيام الربيع والصيف والخريف، ولكن حين يأتي الشتاء وليس لديه ما يبيعه من أثمار وأزهار كان المسكين يتألم كثيراً من البرد والجوع، وكثيراً ما كان يذهب إلى فراشه دون أن يتناول شيئاً من الطعام اللهم إلا قليلاً من التين الجاف أو شيئاً من الجوز اليابس، وفي الشتاء أيضاً كان دائم الوحدة لان الطحان لم يكن يأتي ليراه في ذلك الفصل أبداً.

- ليس من الخير أن أذهب وأرى (هانس الصغير) (والثلج لا يزال على الأبواب) هذا ما كان يقوله الطحان لزوجه حين يكون الناس في اضطراب، علينا أن ندعهم فلا نزعجهم بزياراتنا هذا رأيي في الصداقة، واكبر ظني إني على صواب، لذلك فأنا سأنتظر قدوم الربيع وعندئذ أذهب لزيارته، وسيكون عندئذ قادراً على أن يقدم لي سلة كبيرة من أزهار الربيع!

أجابت الزوجة وهي ترتمي على المقعد الكبير إلى جانب النار - في الحق أنك كثير الاهتمام بغيرك، إنه ليسرني أن أسمعك تتكلم عن الصداقة دائماً. . إنني على يقين أن رجل الدين نفسه لا يتكلم بمثل كلامك الممتلئ علماً وحكمة.

قال أصغر أولاد الطحان - ولكن لا نطلب (لهانس الصغير) أن يصعد إلينا - إذا كان هانس الصغير في ضيق فأنا سأقدم له نصف ما عندي من ثريد، وأريه أرنبي الصغير.

صاح الطحان - يالك من ولد غبي. حقاً إني لا أعلم ما فائدة إرسالك للمدرسة، يظهر انك لا تتعلم شيئاً؛ لماذا؟ إذا أتى هانس الصغير إلى هنا ورأى نارنا الموقدة وطعامنا اللذيذ ودننا الكبير الطافح بالنبيذ الأحمر عندها يأخذه الحسد، والحسد هو أفظع خلة يمكن أن تشوه طبيعة الإنسان، أنا خير أصدقائه وسوف أظل أرعاه بعنايتي وأحول دون دخوله في أية تجربة، وبالإضافة إلى ذلك فان هانس إذا جاء إلى هنا فقد يطلب مني أن أقرضه قليلا من الدقيق، وهذا ما لا أستطيعه، الدقيق شيء والصداقة شيء آخر ولن يجتمعا. لماذا! لأن الكلمتين تختلفان في التهجية ولكل منهما معنى خاص. كل إنسان يوافقني على ذلك (. .

قالت الزوجة وهي تملأ كأسها بالجعة الدافئة: إن ما تقوله هو عين الصواب. .

أجاب الطحان - يحسن بعض الناس التمثيل، ولكن قل من يجيد منهم الكلام، وهذا يعني إن الكلام أصعب من التمثيل وهو كذلك أجمل بكثير. ثم نظر بجفاء إلى ولده الصغير الذي جلس إلى المائدة منكمشاً مطرقاً برأسه، خجلا من نفسه.

سأل فأر الماء العجوز - أهذا ختام القصة؟

أجاب العصفور - طبعاً لا. هذا أولها. . .

فأر الماء - أنت إذن من الرواة القدماء، إن الرواية البارعة في هذه الأيام يبدأ روايته من نهايتها ثم يسير بالسامعين إلى بدايتها، تلك هي الطريقة الحديثة، لقد سمعتها من فم ناقد كان يسير منذ يوم برفقة شاب حول البركة، لقد تكلم بحماس جعلني أوقن بأنه على صواب خصوصاً وقد كان أصلع الرأس يضع على عينيه منظارين أزرقين. ولكن أرجوك أن تستمر في قصتك.

قال العصفور وهو يقفز حيناً على إحدى ساقيه وحيناً على الأخرى: وكان الطحان عندما ينتهي الشتاء وتبدأ أزهار الربيع تتفتح عن أكمامها الباهتة الصفراء يقول لزوجته بأنه ذاهب ليرى هانس الصغير

صاحت زوجته - ماذا! ما أطيب قلبك! انك دائم التفكير في الآخرين. هل أذكرك أن تأخذ السلة معك لتملأها بالأزهار.

وهكذا ربط الطحان شراع الطاحونة وهبط التل وبيده السلة

الطحان - صباح الخير، هانس الصغير.

قال هانس وهو متكئ على معوله ضاحكاً مل شدقيه: صباح الخير

الطحان - كيف أمضيت أيام الشتاء؟

هانس - بخير انه لكرم منك أن تسأل عني، كانت أياماً شديدة، ولكن ها قد أتى الربيع وأنا سعيد حقاً وأزهاري أخذت تتفتح.

الطحان - طالما تحدثنا عنك أيام الشتاء وتساءلنا كيف يكون حالك؟

هانس - هذا لطف منك، لقد كدت أظن وبعض الظن إثم انك نسيتني!

الطحان - هانس إني معجب بك. الصداقة لا تنسى أبداً وهذا هو سرها العجيب. . كم تبدو زهورك جميلة!!

هانس - حقا إنها لها منظراً بديعاً ومن حسن حظي أن لدي كثيراً منها، سأحملها إلى السوق وأبيعها إلى ابنة شيخ القرية وأبتاع بثمنها عربة يد.

الطحان - تبتاع عربة يد! ما أحسبك تعني أنك قد بعت عربتك، انه يكون إذن تصرفاً منك خاطئاً. .

هانس - هذا هو الواقع الذي أكرهت عليه. انك تعلم أن الشتاء كان على جد صعب، وإني لا أملك ما ابتاع به خبزاً، فاضطررت بادئ الأمر أن أبيع أزرار بذلتي يوم الأحد، ثم بعت سلسلتي الفضية فغليوني الكبير، وأخيراً بعت عربتي ولكنني مصمم أن أعود فأشتري هذه الأشياء كلها.

الطحان - هانس. سأقدم لك عربتي. صحيح إنها بحاجة إلى إصلاح، وقد ذهب أحد جانبيها وفي دولابها عطل بسيط. ولكن ساقدمها لك على رغم ذلك، فأنا أعلم أن هذا كرم عظيم مني، وان كثيرين من الناس سيظنون بي الغباوة لتفريطي في العربة، ولكني لست كباقي الناس، أنا أرى في مثل هذا الكرم روح الصداقة.

هانس الصغير - حسناً حقاً انه لكرم منك وطفح وجهه الضحوك المستدير سروراً. . إنني أصلحها بسهولة لان عندي لوح من خشب.

الطحان - لوح من خشب أنا بحاجة إليه لان في سقف مخزن لحاصلات ثقباً كبيراً. انه لمن حسن الحظ انك نوهت لي بهذا اللوح الخشبي، عجيب حقاً، كيف ان العمل الصالح يلد دائماً عملا صالحاً لقد أعطيتك عربتي، والآن فانك تقدم إلي لوحك. نعم إن العربة أثمن بكثير من لوح الخشب ولكن الصداقة الحق لا تهتم بمثل ذلك، أرجو أن تحضره حالا.

هانس - بالتأكيد. وجرى إلى السقيفة وأخرج اللوح.

قال الطحان وهو ينظر إلى اللوح - انه ليس كبيرا جداً، إني لأخشى أن لا يبقى منه شيء لتصلح به العربة بعد أن أسقف مخزني ولكن ذلك ليس خطأي، والآن وقد قدمت لك عربتي الصغيرة، فأني متأكد بأنك ستقدم لي زهوراً مقابل ذلك. هذه هي السلة وإني أذكرك أن تملأها جيداً

قال هانس الصغير متألما - أملأها جيداً. .! (لان السلة كانت كبيرة جداً، وقد أردك انه أن ملأها فسوف لا يبقى لديه ما يأخذه إلى السوق، بينما هو يرغب أن يعيد أزراره الفضية)

أجاب الطحان - ما كنت أظن بعد أن أعطيتك العربة انه كثير على أن أسألك قليلا من الزهور. قد أكون مخطئاً ولكني اعتقد إن الصداقة، الصداقة الحق يجب أن تبتعد عن كل أنانية

صاح هانس الصغير - يا صديقي العزيز، يا أخلص صديق. لك الأمر على كل ما في حديقتي من أزهار، أني لأرغب في أفكارك السديدة أكثر من أزراري الفضية، وجرى فقطف كل زهوره الجميلة وملأ بها سلة الطحان.

الطحان - وداعاً هانس الصغير وصعد التل ولوح الخشب على كتفه والسلة الكبيرة في يده.

هانس - مع السلامة.

في اليوم الثاني كان هانس ينصب العليق حينما سمع صوت الطحان يناديه من الطريق فقفز عن السلم، وجرى إلى الحديقة وتطلع من أعلى الحائط لرأى الطحان وعلى ظهره سلة كبيرة ملآنة بالزهور

الطحان - عزيزي هانس الصغير هل تحمل لي هذه السلة إلى السوق؟

هانس - إنني كثير الشغل اليوم. على أن أنصب كل العليق واسقي كل الزهور واحزم كل الكلأ.

الطحان - حسناً. أظن انه ليس من حسن الصداقة أن ترفض طلبي

صاح هانس - آه لا تقل ذلك إنني لا أحب أن أعادي العالم أجمع، ثم جرى فأحضر قبعته وسار ينوء بالسلة الكبيرة

لقد كان يوماً لافحاً، وكان الطريق يعج بالغبار، وقبل أن يصل هانس إلى الكيلومتر السادس كان قد بلغ به التعب مبلغاً عظيماً وكان عليه أن يستريح، ولكنه استمر يسير بشاعة إلى أن وصل السوق بعد ان انتظر قليلا استطاع أن يبيع الأزهار بسعر جيد، حينئذ عاد إلى البيت حالا دون إبطاء لانه خاف إن هو تأخر قليلا أن يلقى اللصوص في الطريق.

قال هانس الصغير لنفسه وهو ذاهب للفراش (حقا لقد كان يوماً مزعجاً متعباً، وعلى كل فأنا مسرور لأني لم أرفض طلب الطحان وهو أخلص صديق إلي، وعدا ذلك فهو سيعطيني عربته)

وفي صباح اليوم الثاني نزل الطحان مبكراً ليأخذ زهوره، ولكن هانس الصغير كان لا يزال في فراشه من أثر تعبه.

الطحان - قبل كل شيء انك كسول جداً والكسل خطيئة عظيمة، وأنا لا أحب أن يكون أحد أصدقائي كسولا بليداً. لا ينبغي أن تتأثر من صراحتي، تأكد إني ما كنت لأرميك بهذه الكلمات الجارحة لو لم اكن صديقك، كل شخص يستطيع أن يقول كلاماً ليناً ويذكر أموراً مبهجة ويصانع ويخادع ولكن الصديق الصدوق يقول دائماً أقوالا لا تسر ولا يهمه أن هو آلم صديقه.

قال هانس وهو يفرك عينيه ويرفع عنه اللحاف - أنا متأسف جداً لقد بلغ من تعبي إن زعمت إني أستطيع البقاء في الفراش ولو قليلاً، والإصغاء إلى غناء الطيور. هل تعلم إني حين أصغي إلى الطيور اشتغل بنشاط عظيم؟

قال الطحان وهو يربت على ظهر هانس الصغير - أنا مسرور من ذلك، لأني أريدك أن تأتي إلى الطاحونة حالما ترتدي ثيابك وتصلح لي سقف مخزن الحاصلات. مسكين هانس الصغير! لقد كان في نيته أن يذهب ويشتغل في حديقته لأن أزهاره لم تسق منذ يومين، وهو في نفس الوقت لا يحب أن يرفض طلب الطحان صديقه الصدوق، قال هانس بصوت المتهيب الخجل - هل تظن إني أكون مذنباً إذا اعتذرت لك بقولي: أني مشغول

أجاب الطحان - ما أظن إني طلبت منك أمراً خطيراً ثم اذكر إني سأعطيك عربتي وطبعاً إذا رفضت فأنا سأذهب بنفسي وأصلح السقف.

صاح هانس - آه ليس من الضروري. . وقفز من الفراش وارتدى ثيابه وصعد إلى مخزن الحاصلات حيث اشتغل هناك طيلة النهار حتى إذا غربت الشمس جاء إليه الطحان ليرى مالذي صنع.

صاح الطحان بصوت رقيق هل رتقت خرق السقف يا هانس الصغير؟

أجاب هانس - تماماً ونزل عن السلم

الطحان - آه لا يوجد عمل ألذ من العمل الذي يقوم به المرء للغير.

قال هانس وهو يمسح جبينها - بالتأكيد، إنها لفائدة عظمى أن أسمعك تتكلم، فائدة عظمى، ولكني أخشى أن لا يقدر لي أن أحمل مثل هذه الأفكار التي تحملها

الطحان - إنها ستأتيك ولكن بعد عذاب أعظم. عندك الآن تطبيقات في الصداقة وبعد أيام ستعرف نظرياتها أيضاً

هانس - سأعرف حقيقة نظريات الصداقة؟

الطحان - أنا لا أشك في ذلك، ولكن الأحسن الآن وقد أصلحت السقف أن تذهب إلى البيت وتستريح لأني أريدك منك غداً أن تسوق غنمي إلى الجبل. مسكين هانس لقد خشي أن يجيب بشيء، وفي صباح اليوم التالي أحضر الطحان غنمه إلى الكوخ فسار بها هانس إلى الجبل وقد كلفه أخذها والعودة بها يوماً كاملاً، وحين عاد كان منهوك القوى فنام على مقعد ولم يستيقظ حتى ساعة متأخرة.

قال - سأتمتع بيوم مبهج في حديقتي وذهب في الحال ليشتغل لكن لم يستطيع أبداً أن يرعى زهوره لأن صديقه الطحان كان يأتيه دائماً ويرسله في مهمات طويلة أو يحضره ليساعده في المطحنة.

ومع الأيام كان هانس الصغير يزداد حزناً على زهوره، ولكنه كان يعزى نفسه بأن الطحان صديقه الصدوق.

وهكذا كان هانس يشتغل للطحان، وكان الطحان يذكر له كل الأقوال الجميلة عن الصداقة فكان ينقلها إلى دفتره ويراجعها في المساء شأن التلميذ المجتهد

وقد حدث في مساء أحد الأيام وقد كان هانس الصغير جالساً إلى جانب الموقد أن سمع صيحة شديدة عند الباب، وكان ليلة مزعجة الريح تصفر فيها وتزمجر حول البيت، فظن هانس أن الصوت صوت العاصفة ولكن حين أعقب الصرخة الأولى ثانية فثالثة قال هانس لنفسه! انه مسافر مسكين، وجرى نحو الباب فإذا بالطحان يحمل فانوساً بإحدى يديه وعصا ضخمة بالأخرى

صاح الطحان - عزيزي هانس الصغير، إنني في قلق عظيم لقد، سقط ولدى الصغير من أعلى السلم وأنا ذاهب إلى الطبيب، ولكنه يسكن في مكان بعيد جداً. ولقد فتقت لي هذه الليلة الرديئة فكرة حسنة وهي أن تذهب أنت بدلا عني. انك تعلم أني أريد أن أعطيك عربتي، ولذلك فأرى من العدل أن تقوم لي بخدمة مقابل ذلك.

صاح هانس الصغير - بالتأكيد. إن قدومك إلى كرم منك وسأنطلق حالا. ولكن يجب أن تعيرني مصباحك لأن الليلة مظلمة وأخاف أن أقع في الوادي.

أجب الطحان - إنني آسف جداً. انه مصباحي الجديد وخسارتي تكون عظيمة إن حدث له أي حادث.

صاح هانس الصغير - حسناً، لا بأس سأذهب بدونه وتناول معطفه الكبير وطاقيته القرمزية الدافئة، ولف لثاماً حول عنقه ثم سار. .

يا لها من ليلة مرعبة. . لقد بلغ من حلكة الليل أن هانس لم يكن يرى إلا بشق النفس، وبلغ من قوة الريح أنه ما كان يقف إلا بكل صعوبة، وعلى كل فقد كان شجاعاً، وبعد مسير ثلاث ساعات وصل منزل الطبيب. فطرق الباب.

صاح الطبيب وهو يطل من نافذة غرفة النوم - من أنت؟

- أنا هانس الصغير يا دكتور.

- ماذا تريد يا هانس الصغير؟

- لقد سقط ابن الطحان من أعلى السلم ويرجوك أن تأتي حالا.

قال الدكتور - حسناً وأعد جواده وفانوسه ونزل إلى الطابق السفلي وسار في اتجاه منزل الطحان. وهانس الصغير قد دلف وراءه ولكن العاصفة أخذت تزداد قسوة وشدة، وأخذ المطر يتدفق كالسيل ولم يستطع هانس الصغير أن يرى أين يسير أو كيف يتبع الجواد، وأخيراً ضل الطريق وهام في المستنقع الممتلئ بالحفر العميقة، وهنالك غرق هانس الصغير المسكين.

وفي اليوم الثاني وجد بعض الرعاة جثته طافية في بركة كبيرة من الماء فجاءوا بها إلى الكوخ.

خرج كل الناس في جنازة هانس الصغير لانه كان مشهوراً لدى الجميع وكان الطحان أول المؤبنين.

قال الطحان - وحيث إني كنت أصدق أصدقائه فمن الحق أن أتقدم الجميع، وهكذا سار إلى صدر الحفل في معطف طويل أسود وكان بين الفينة والفينة يمسح عينيه بمنديل كبير

قال حداد حين انتهت حفلة الدفن والجميع في الفندق يشربون النبيذ المعتق ويأكلون الكعك المحلى - بالتأكيد أن موت هانس الصغير خسارة عظيمة للجميع.

أجاب الطحان - خسارة عظيمة لي بوجه التخصيص، لماذا؟ لأني كنت أريد أن أتفضل عليه بعربتي. والآن فأني لا ادري ما الذي افعله بها، أنها دائماً في وجهي في البيت وهي في حالة من العطل لا تساوي معها شيئاً إذا عرضت للبيع، سوف أحتاط بعد اليوم فلا أتبرع بشيء، بالتأكيد إن المرء يضره أن يكون كريماً.

قال فأر الماء بعد تردد طويل - حسنا.

قال العصفور - حسناً. تلك نهاية القصة سأل فأر الماء - ولكن ماذا حدث للطحان؟

أجاب العصفور - حقاً لست أعلم ولا يهمني أن أعلم

فار الماء - إذن فأنت بطبيعتك بعيد عن الإحساس.

العصفور - أخشى أن لا تكون أدركت مغزى القصة.

صاح فأر الماء - لم!. ماذا؟. .

العصفور - لم تدرك المغزى.

فأر الماء - هل تريد أن تقول إن القصة لها مغزى

العصفور - بالتأكيد.

قال فأر الماء بلهجة الساخط - حسناً حقاً. . أظن أنه كان يجب أن تخبرني بذلك من قبل. . بالتأكيد كنت لا أصغي إليك وضرب الماء بذنبه، ورجع إلى جحره.

سألت البطة التي جاءت على أثر ذلك مجدفة - كيف رأيت فأر الماء، أن له ملاحظات بديعة.

أجاب العصفور - أني لأخشى أن أكون قد أزعجته، فقد قصصت عليه قصة ذات مغزى.

شرق الأردن

بشير الشريقي

المحامي