مجلة الرسالة/العدد 347/الكلام هو اللفظ المركب المفيد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 347/الكلام هو اللفظ المركب المفيد

مجلة الرسالة - العدد 347
الكلام هو اللفظ المركب المفيد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 02 - 1940


شرح الأجرومية!

للدكتور زكي مبارك

ابتسم الزيات وقال: ما هذا التعسف الذي يقع فيه أصحابك الصوفية؟

فقلت: وما شواهد ذلك التعسف؟

فقال: ألم تعلم أن أحدهم شرح الأجرومية بطريقة صوفية؟

ثم رجعت إلى نفسي أحاورها في صمت هو أعنف ما يكون من الضجيج، فقد تذكرت أن حالي في دنياي كان حال الرجل الذي شرح الأجرومية بطريقة صوفية، وأخشى أن أصير إلى ما صار إليه، فلا أظفر من الناس بغير السخرية والاستهزاء!

ولكن، هل أملك التوبة من الشطط والجموح فلا أفجع الناس في أوهامهم من وقت إلى وقت، ولا أشرح لهم الأجرومية بطريقة صوفية؟

وكيف أسكت عنهم وأنا أريد أن أطمئن إلى أن لهم وجوداً ذاتياً يسمح لهم بالرضا والغضب، والقهقهة والأنين؟

إن القلم في يد الكاتب هو المشرط في يد الطبيب!

وكنت لعهد اشتغالي بالطب أعرف مصير المريض بعلامة صريحة، هي إحساسه بوخز المشرط، فإن صرخ عرفت أنه مرجوّ العافية، وإن سكت سكوت الجمود لا سكوت الصبر، عرفت أنه صائر إلى الموت. . .

وهل أنسى اليوم الذي سمعت فيه أقبح ألوان السباب من مريض أعملت فيه المشرط بلا تهيب ولا ترفق لأنقذه من أظفار المنية؟!

ثم اتخذت من القلم مشرطاً أعالج به أمراض القلوب بعد أن فرغت من علاج الأبدان، فما الذي رأيت؟

قضيت سنين بدون أن أسمع من مرضاي صرخة جزع أو شهقة بكاء، فكدت أيأس من سلامة مرضاي، وهممت بتوديع مهنة الأدب كما ودعت مهنة الطب، لأرجع فلاحاً يصاحب الفأس والمحراث في حقول سنتريس. . .

ثم لطف الله بمرضاي فهداهم إلى الصراخ والأنين لأعرف أن الأمل في نجاتهم ليس من المستحيلات

أما بعد فقد حان الوقت لشرح الأجرومية والألفية والسنوسية بطريقة صوفية

حان الوقت لشرح عجائب النهار وغرائب الليل

حان الوقت لعلاج العقول والقلوب والأذواق والأحاسيس ولكني أخاف. . .

ما الذي أخاف؟

أخاف من عواقب القلم ما كنت أخاف من عواقب المشرط والدولة تسأل الطبيب الذي يجني على حياة مريض، ولكنها لا تسأل المريض الذي يجني على حياة طبيب

وهل يعرف زملائي كيف هجرت مهنة الطب؟

هجرت تلك المهنة هجراً غير جميل بسبب حادث رأيت به شبح الموت

كنت أعمل المشرط بيمناي في جسد عليل فمسَّ إصبعاً من يسراي فارتجفت، لأن أساتذتي بكلية الطب في باريس علموني أن العلم بخطر المرض قد يفضي بصاحبه إلى الفناء، ومن هنا جاز أن تصنع جرثومة واحدة بجسم الرجل الصحيح ما لا تصنع ألف جرثومة بجسم الرجل العليل

وفي ذلك الوقت عللت نفسي فقلت: إنما هي جرثومة فانية من جسم يدبّ إلى الفناء، ولا خوف عليّ وأنا أطاول الدهر بجسم يضارع أجسام العماليق، وبعد يوم أو يومين أمنت عواقب ذلك الجرح، ثم انصرفت إلى غير رجعة عن مهنة الطب

واليوم يصنع القلم ما صنع المشرط

أسمع صراخ مرضاي فأبتسم، لأن صراخهم يشهد بأنهم أهل للحياة، ولكن ذلك الصراخ تقع فيه أحياناً ألفاظ غلاظ ينزعج لها ذوقي بعض الانزعاج، فهل تكون هذه الألفاظ كتلك الجراثيم؟

إن كان ذلك فسأستشهد في ميدان الأدب بعد أن فاتني الاستشهاد في ميدان الطب، وعند الله والحب جزائي!

وما خوفي من تلك الألفاظ الغلاظ وأنا بعافية وأستطيع التمرد على جميع الأدواء، وفي صدري من اليقين ما يزعزع رواسي الجبال؟

وهل يصل الطبيب إلى شيء إذا عرف المبالاة بأوهام مرضاه؟ لقد كتب مرضاي ما يزيد على ألف مقل، وأسمعوني صراخهم في كل بلد توجهت إليه، ولم أر منهم غير الاستخفاف بصنع الجميل، وكنت مع ذلك آية في الصبر على مكاره العقوق، فكيف أجزع وقد أمدتني الأيام بقوة القلم والمشرط، كما أمدتني بقوة الظفر والناب؟

قال الزيات: الرسالة تنتظر منك مقالاً لعدد الهجرة لا تكفر فيه كما كفرت في مقال السنة الماضية!

سبحان الله

وأنا كفرت في السنة الماضية، يا زيات؟

ألم تعلم، يا زيات، أن مقالي كان فرصة ذهبية لعشرات أو مئات يأكلون الخبز باسم الغيرة على الحق؟!

إن مقالي عن (النواحي الإنسانية في الرسول) علم أقواماً سهر الليالي في البحث والتنقيب، فكيف تبخل فلا تعد ذلك المقال من حسناتي؟ وكيف تنسى أنني هجت به صدوراً كنت أخشى عليها الموت بالصدأ والجمود؟

وهل تصدق أن في خصومي من يدرك عظمة الرسول كما أُدرك؟

إن بيني وبين الرسول صلة وثيقة هي البلاء بالدنيا والناس، فكيف يتوهم قوم أنهم يغارون عليه أكثر مما أغار عليه، وهم لا يتقدمون لنصرته إلا مدفوعين بالثمن الذي أعرف وتعرف؟

إن في خلق الله من يأكلون الشهد بفضل الرياء، فكيف يؤذيهم أن نشرب أكواب الصاب والعلقم بسبب القول الصريح؟

ألم يكف ما نعاني من الإيذاء في سبيل الصدق حتى نشرب السم من أيدي المرائين؟

وإلى متى يستريح المرضى من أمراضهم بالصراخ؟

ألا يتقدم الطب فيجد للمرضى علالة غير الصراخ؟

إن الصراخ كان صوت الطفل وكان أسلوبه في التعبير عن ألمه قبل أن يعرف النطق، فما بال قوم يصرخون وقد علمناهم أساليب البيان بالكلام المفيد؟

ما بال قوم يصرخون وقد هديناهم إلى النطق وشرحنا لهم الأجرومية بطريقة صوفية؟

ما بالهم يصرخون وقد علمناهم أساليب الصبر الجميل؟ ولكن لا بأس فالصراخ فن من التعبير عن الألم، ولا يحس الألم غير الأحياء، ومعنى ذلك أن مرضانا غير أموات، ولله الحمد وعليه الثناء

قلت لنفسي: هذا زيد الذي كان يراني من أشرف الناس، وذاك عمرو الذي كان يراني من أعظم الرجال، وذلك بكر الذي كان يراني من الأبطال، فما بالهم ينوشونني بلا ترفق ولا استبقاء وكنت لهم ظهيراً في أحرج الظروف؟

فأجبت النفس: أولئك مرضاك عاودتهم العافية على يديك فهم يشهدونك على أنهم أصبحوا من الأصحاء

فقلت: أما يملكون من التعبير غير هذا الأسلوب البغيض؟

فقالت النفس: ألست أنت الذي قال بأن الكفر لا يكثر في غير الأمم القوية؟

ومن هذا الحديث عرفت أنني نقلت مرضاي من المرض إلى الصحة، ومن الصحة إلى التمرد، ومن التمرد إلى الجحود

أما بعد، ولي في كل لحظة (أما بعد) لأن ذهني ينتقل في عراك الأفكار من ميدان إلى ميادين بسرعة البرق

أما بعد فقد عشت دهري زاهداً كل الزهد في خلق المودات والصداقات، لأن أهل زماني لا يرون هذه الأواصر الجميلة إلا ضرباً من ضروب المنافع، وفيهم من يرى الشكر على المعروف أعظم من المعروف، فلا يرضيهم إلا أن تعترف بأنك مدين وإن طوقت أعناقهم بقلائد الجميل

وأنا والله راض عما يصنعون، لأن اللغو الذي يلقونني به من وقت إلى وقت يشهد بأنهم يملكون من الصحة ما يقدرون به على شتم الطبيب المجاهد الذي استعذب من أجلهم شقاءه بالدنيا والزمان

ولكن ما أصل البلاء الذي نعانيه من الناس؟

يخاصمني فريق باسم الأدب، ويخاصمني فريق باسم الدين فأين يقع الحق مما يريد أولئك أو هؤلاء؟

هل يستطيعون القول بأنهم لا يبتغون من مخاصمتي غير وجه الحق؟

إن كان ذلك فأين ما هتفوا به من أن الشهرة التي ظفرت بها هي التي تضللني فتحملني على مجانبة الحق في بعض الأحيان؟

وهذه الشهرة هي أصل تلك الضغائن والحقود، ولكن ما الذي أصنع وقد هربت من الشهرة مليون مرة فكانت تلاحقني بلا هوادة ولا رفق؟

دلوني على جريدة أو مجلة عرضت عليها أدبي بثمن أو بغير ثمن

دلوني على ناد ألقيت فيه محاضرة بدون دعوة

دلوني على عمل توليته بدون أن أستعد له بأهلية الفكر والعقل

هل سمعتم حديث الإذاعة اللاسلكية؟

يسألني الناس كل يوم عن سبب انقطاعي عن الإذاعة، فأين فيهم من يعرف أن لي بمحطة الإذاعة صديقاً كريماً هو الأستاذ سعيد لطفي؟ وأين فيهم من يعرف أن ذلك الصديق يعجب من انصرافي عن الإذاعة مع أن المستمعين يرحبون بصوتي كل الترحيب؟ وأين فيهم من يعرف أن الحرص على الوقت هو الذي يضيع علي شرف التحدث إلى أصدقائي في مصر والأقطار العربية، مع أن لتلك الأحاديث أجراً غير قليل ولو شئت لجعلته أجراً غير ممنون كما يصنع بعض الناس!

وأين يضيع وقتي؟

وهل عندي وقت يصلح للحفظ أو الضياع؟

وهل للموظف وقت غير السويعات التي يتكلف إحياءها بين الأهل والأبناء؟

ومن تلك السويعات أخلق الفرصة لمسايرة الحياة الأدبية فأقرأ جميع الجرائد والمجلات، وأراجع ما يهمني النظر فيه من المؤلفات العربية والفرنسية، وأكتب ما أراه من الملاحظات على ما أقرأ وما أسمع، ثم أخلو بعد ذلك إلى قلمي في صحبة العفريت الذي سمعتم أخباره في خطابي إلى الدكتور طه حسين!

وبهذه المناسبة أذكر أني ركبت المترو منذ أيام فرأيت بالقرب مني فتى يشبه كلود، فقطعت المسافة وأنا مرتاب في أنه كلود، ثم عرفت في النهاية أنه كلود، ولم أسلم عليه لئلا يتوهم أني أغضيت عنه كل ذلك الوقت

فكيف قضت الأيام بأن أجهل وجه أبن أخي، وما عرف في طفولته أن لأبيه صديقاً أعرف مني بالود، وأحفظ للهو؟ ثم أرجع فأقول إن ما تقرءونه بقلمي من وقت إلى وقت هو عصارة تلك السويعات أو تلك اللحيظات، فما غيظ بعض الناس من الشهرة التي جناها الصبر على سهر الليل؟

الليل؟ الليل؟

وأين من يعرفون سهر الليل في هذه الأيام، السهر في صحبة الورق والمداد؟

كان من حقي أن أصوب سنان القلم إلى صدور من يأكلون السحت، صدور الذين يأكلون الخبز باسم اللغة العربية وقد تمضي الأعوام ولا يزوّد أحدهم نفسه بكتاب ثمنه خمسة قروش، فضلاً عن المساهمة في البحث والتأليف

وكان من واجب من عابوا نشاطي أن يوجهوا ملامهم إلى الكسالى الظرفاء من أمثال فلان وفلان وفلان، وهم قوم أعطاهم الزمن حقوقاً لن أنالها ولو عُمِّرت عمر نوح، لأن هيامي بصحبة الورق والمداد سيضيع علي جميع المنافع الدنيوية، وقد أموت بسبب الكدح الموصول قبل أن يموت فلان مع أنه ولد قبل أن يولد أبي. رحم الله أبي وأسبغ على ذلك الفلان ثوب العافية!

ثم ماذا؟

ثم أوجه القول إلى من يتوهمون أنهم أحرص مني على الدين وأمري مع هؤلاء عجب من العجب، فقد شقيت ما شقيت في خدمة الدراسات الدينية، ثم كانت النتيجة أن أتهم برقة الدين وأن يظفروا بحسن السمعة مع أن فيهم ناساً لا يعرفون أخبار المؤلفات الدينية إلا بالسماع

اسمعوا كلمة الحق مرة واحدة، أيها الناس

الإسلام دين العدل والتوحيد، ولكن أين من يخدمه بلا جزاء؟

في (مصر الجديدة) نحو خمس وعشرين مدرسة أسسها رجال لهم عقائد من أتباع موسى أو المسيح. فهل في مصر الجديدة مدرسة أسسها رجال من أتباع محمد؟

وفي (شبرا) نحو خمس عشرة مدرسة أسسها رجال من ذلك الطراز. فهل استطاع أشياخنا أن يحتلوا في (شبرا) غير مسجد واحد أنشأته إحدى السيدات المسلمات؟

وفي أسيوط مدارس أقامها أمثال أولئك الرجال، فهل بين علمائنا من يقول إنه قدم حجراً واحداً لبناء معهد أسيوط الديني؟ وفي الأزهر أكثر من سبعمائة مدرس، فهل فيهم من يرضى أن يعيش باللقمة كما يعيش المكافحون من الفرير والجزويت ولهم مدارس في أكثر بقاع الأرض؟

وفي مصر مدارس كثيرة تديرها الراهبات، فهل بين علمائنا من خلق الروح الديني في زوجته فأنشأت مدرسة لتثقيف الفقيرات واليتيمات؟

إن الأزهر يرسل وعاظاً لبعض الأقطار البعيدة من حين إلى حين. . .

ولكن هل تعرفون مصاير أولئك المبعوثين؟

إذا قامت حرب في الحبشة أو في الصين صرخوا واستغاثوا وكلفوا الدولة ردهم إلى أوطانهم في أقرب وقت!

فهل سمعتم أن مبشراً مسيحيا ترك مقر عمله بسبب الحرب؟

ومع ذلك يقرأ علماؤنا مقالات رجل مثلي حرفاً حرفاً ليبحثوا عن لفظة نابية يثيرون حولها الأراجيف

ومن يكون المؤمنون إذا حرم رجل مثلي نعمة الإيمان الصحيح؟

آه، ثم آه!!

الجهاد في سبيل الأدب ضائع، والجهاد في سبيل الدين ضائع فماذا أصنع وقد شقيت بوطني وزماني؟

من زَغَب الظلم أخذت الخيوط لصياغة الورق

ومن دم الظلم أخذت الحديد لسنان القلم

ومن غضبات الظلم أخذت الكهرباء التي يطالعكم بها بياني

وعن جنون الظلم نقلت إليكم أقباس الجنون، وهو على سنان قلمي أشد تماسكاً من العقل

وبفضل الظلم رأيتموني دائماً من أنصار العدل

زكي مبارك