مجلة الرسالة/العدد 335/التاريخ في سير أبطاله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 335/التاريخ في سير أبطاله

مجلة الرسالة - العدد 335
التاريخ في سير أبطاله
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 12 - 1939


مازيني

(رسول الحرية إلى قومه، المجاهد الذي أبلى في جهاده مثل

بلاء الأنبياء)

للأستاذ محمود الخفيف

- 5 -

هكذا كانت حياة مازيني في لندن منذ رحل إليها عام 1837 حياة شقاء لم يكن يقوى على احتماله إلا من كان له مثل إيمانه، وظلت هذه حاله مدة أربع سنوات طويلة؛ وفي عام 1841 لانت الأقدار له بعض اللين، إذ أخذت يد الصداقة تخفف عنه بعض آلام الغربة والوحدة، وكان أكثر أصدقائه الجدد من الإنجليز، وقد حلوا في قلبه محل أصدقائه الأقدمين الذين نسوه وإن لم ينسهم والذين تركوه في غربته، وأنه ليغترب من أجل قضيتهم ويعاني من الآلام ما يعاني في سبيل تحريرهم.

وأعجب مازيني بأصدقائه الإنجليز وأعجبوا به، وكان يرى في صداقة هؤلاء القوم له ما يزيده تعلقاً بهم؛ فهو يحب إخلاصهم وصراحتهم ورقة آدابهم وظروف أحاديثهم؛ وود مازيني لو كان لديه من المال ما يكفي لأن يشتري الملابس التي تليق به ويدفع منه أجر تنقله من جهة إلى جهة ليتسنى له أن يكثر من الأصدقاء في هذا البلد العظيم، وكم آلمه وأحزنه فقره في هذه الغربة الطويلة

وكان ممن اتصلت بينه بينهم أسباب المودة والحب الفيلسوف الإنجليزي الشهير كارليل، فلقد أعجب كارليل بما انجلى لعينه البصيرة من معاني العظمة في نفس هذا المجاهد الغريب، وكانت قد ترامت إليه من قبل أنباء حركاته في سبيل بلاده؛ وكذلك كانت تربط قلبيهما دعوة كليهما إلى العناية بالجانب الروحي من حياة الإنسان ومحاربة النفعية والأنانية، ثم ذلك الحماس الذي كان يبث الحرارة والحيوية في كل ما يكتبان. وكثيراً ما كان مازيني يزور صاحبه في منزله، وقد اتصلت أسباب المودة كذلك بينه وبين زوج الفيلسوف الكبير، وأعجبت بخلاله وأكبرت مبادئه، حتى لقد كانت تجادل زوجها غالباً وتأخذ جانب مازيني فيما كان ينشأ بينهما من خلاف في الرأي، فإن الأمر لم يخل من خلاف بينهما، إذ كان كاريل يرى أن مبادئ مازيني غير ممكنة في هذا الوجود، الأمر الذي كان يغضب له الزعيم أكبر الغضب فيؤدي إلى احتدام الجدال بينه وبين صاحبه.

وكان عليه من أول الأمر أن يعمل ليكسب قوته، ولم يكن أمامه ألا الكتابة، فراح يكتب على الرغم مما كان يحسه من كآبة وهم، وكان مما يضايقه أشد الضيق أن يرى نفسه مقيداً في اختيار موضوعاته بما يلائم الذوق الإنجليزي، وإلا ردها إليه أصحاب الصحف معتذرين من نشرها؛ فكان لذلك كثيراً ما يتناول من الموضوعات ما لا يحس في تناوله بما ينبغي من الارتياح واللذة، وقد كانت أكثر كتاباته في الأدب، فجال في ميدانه جولات موفقة، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من نابهي الكتاب من الإنجليز، وعرف فيمن عرف من كتاب فرنسا يومئذ لامنيه، والكاتبة الفرنسية الشهيرة التي اتخذت لقلمها أسم (جورج ساند)؛ فتبودلت الرسائل بينه وبينهما. وصار لمازيني في الواقع شخصيتان، فهو الزعيم السياسي الذي تعرفه الجمعيات السرية، وهو الأديب الكاتب الذي يذيع أسمه في الأوساط الأدبية.

ورأى الزعيم أن الأدب قد يصرفه عن السياسة كما أوشك أن يفعل ذلك من قبل في مستهل حياته العامة، فمال إلى السياسة وراح من جديد يوليها من عنايته إلى جانب الأدب؛ وقد عز عليه أن تموت جمعيته إيطاليا الفتاة. فأخذ يزيح الرماد عن هذه الجمرة لتظهر من جديد متوقدة مستعرة؛ فأكب على مراسلة أعضائها في إيطاليا وخارج إيطاليا. وشد ما كان يزعجه ويؤلمه ألا تقابل حماسته إلا بالفتور، وكان يعظم حزنه كلما آنس ذلك الفتور فيمن كانوا بالأمس يتحمسون أشد التحمس للجمعية ومبادئها، ترى ذلك في مثل قوله: (إني لأحس بالخجل حينما أكتب من أجل إيطاليا كما لو كنت ألجأ إلى الكذب).

وكان يخاف أن يموت دون أن يتم ما بدأه، كما كان يعتقد أن التراخي في الجهاد تفريط في كرامة الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في سبيل وطنهم، وتفريط في حق الوطن الذي يتطلب من بنيه أن يموتوا كما مات غيرهم أو يهبوه الحرية والاستقلال. وكان يسأل نفسه ماذا عسى أن يصنع وحده وقد تخاذل الرجال وهانت الحرية على كثير من طلابها بالأمس؟ ولكن مثله لم يخلق له اليأس. ومتى كان اليأس من خلال الزعماء وهم الذين يبددون بإيمانهم ظلماته؟ وهل صرف ما ألح عليه من المحن والشدائد عن وجهته؟ أم أن الشدائد قد زادته صلابة ويقيناً وإن كان جسمه كان يشكو من التعب وسوء الغذاء وغيرهما مما يكون نتيجة للعسر المالي؟

الحق أنه كان يزداد إيماناً فوق إيمانه كلما تصرمت الأيام. ولقد كان على بينة من أن جهاده لم يذهب سدى، وأن هذه البذور التي بذرها فسقتها دماء الأحرار لا بد أن تنمو وتؤتي أكلها، وأن تلك الجمرة التي يخفها الرماد لا بد أن يتطاير الرماد من فوقه إذا نفخ فيها الشباب من روحهم فتعود كما كانت وهاجة مستعرة ولا تقوى بعد على إطفائها الأيام. ولئن تخاذل الرجال عن دعوته فذلك لأنهم فقدوا الثقة في الثورات وفي الحرب الهمجية، أما مبادئ الوطنية والحرية فقد تغلغلت في النفوس واستقرت في أعماقها، ولسوف تكون هذه المبادئ في غد أكبر حافز لأبناء إيطاليا أن يقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل وطنهم يوم يسيرون في حروبهم النظامية ليضربوا عدوتهم الكبرى، ألا وهي النمسا. ولئن تمت وحدة إيطاليا في غد بفضل مساعي كافور وبطولة غاريبلدي والبواسل الأشداء من رجاله، فإن التاريخ لن يستطيع أن ينكر أن دعوة مازيني كانت الروح المحركة في جميع هاتيك الخطوات، فهو الذي أعد الرجال وإن كان غيرهم ساقهم جنداً وهو الذي حشد من الأبطال ما لن يستطيع غيره أن يحصيهم عدداً؛ وفضلاً عن ذلك ففي حجر جمعيته ولد كافور وغاربيلدي فكان أحدهما رأس الحركة الوطنية وكان الآخر ساعدها.

دأب مازيني في غربته على العمل من أجل قضيته الكبرى؛ وما كانت الكتابة يومئذ إلا وسيلة لكسب قوته؛ ولئن لم يستطع أن يتصل بمواطنيه بإيطاليا إلا في مشقة شاقة، فقد أخذ يتصل بالإيطاليين في إنجلترا عامة وفي لندن خاصة ونشط في بث دعوة في قلوبهم؛ وكان يعني أكبر العناية بأن يقبل العمال على دعوته لأنه كان يقدر القوة التي يمكن أن تنبعث من صفوف هذه الطائفة.

ولم يحل الفقر بين هذا الرجل العظيم وأبناء وطنه في إنجلترا، فأنظر إليه على ما كان به من الفاقة كيف يفتتح مدرسة ليلية لتعليم أبناء إيطاليا الغرباء وتثقيف عقولهم حتى ينفذ إليها النور الذي يسعى به فيكونوا عوناً لبلادهم إذا رجعوا إليها ويكونوا عدتها غداً في كفاحها؛ ولك أن تتصور مبلغ ما عانى في سبيل جمع المال للإنفاق على هذه المدرسة، وهو الذي فدحه الدين وتركته الفاقة رث الملابس مضعوف الجسم؟ ولكن المدرسة قد نجحت على الرغم من ذلك، وازداد مازيني بها قدراً في أعين الإنجليز وهم الذين يقدرون مثل هذه الأعمال حق قدرها؛ وزاد نجاحها على نجاح المدارس فبثت الروح الوطنية في قلوب أبنائها، وبثت فيها غير الوطنية عرفان الجميل وشكر المحسنين، فهذا غلام يعود إلى موطنه فيأبى عليه شعوره النبيل إلا أن يسافر إلى جنوة ليحدث أم الزعيم عن أبنها العظيم ويعبر لها عن امتنانه وحفظه صنيع ذلك الرجل الذي علمه وملأ قلبه حماسة وإخلاصاً.

ونشر مازيني صحيفة للعمال يحدثهم فيها عن حقوقهم وواجباتهم ويرفع بها مستوى مداركهم لأن العلم عنده من أكبر أسلحة الوطنية، ولقد كان لهذه الصحيفة في صفوفهم أثر بالغ وإن لم يكن يستطيع أن يذيعها فيهم إلا في فترات متقطعة لحاجته إلى المال؛ وكثيراً ما كان يهرب العمال أعداداً منها إلى إيطاليا فيكون لها في قلوب العمال هناك أكثر مما قدر لها من التأثير إذ كان يحس قراءها أن هذا الكلام كلام زعيم إيطاليا، وأنه فوق ذلك منبعث إليهم من المنفى. . . وكان الزعيم لا يفتأ يحدثهم عما يعانون من البؤس ويلاقون من الإهمال ويبين لهم أسباب ذلك، ويبشرهم بمستقبل سعيد تسود فيه الحرية وتقرر فيه حقوق الأفراد فينالون حظهم من التعليم والرقي والرخاء.

أنكأ مازيني على نفسه على الرغم من ضنى جسمه وقصر ذات يده؛ وكلما أشتد الموقف عليه لاذ بالأمل فبدد أمله أشباح اليأس. ولئن كبر على نفسه أن تضعف (إيطاليا الفتاة) فلقد كان عزاؤه فيما بثته مبادئها في قلوب الشباب والشيوخ من الحماسة والعزم؛ فكان العمال يتلقفون صحيفته الخاصة بهم على الرغم من يقظة الرقيب والبوليس، وكان شباب الجامعات يتهافتون على كتاباته ويتلونها كما يتلون الإنجيل فلها في أنفسهم مثل جلال الإنجيل ومثل سحر الإنجيل.

وكانت النمسا تضيق بها أشد الضيق، كما كان يضيق به أنصار الرجعية في القارة كلها. وأصبح اسم مازيني يقض مضاجعهم وينذرهم بالويل في المستقبل القريب. وكان مما تطيب له نفس ذلك الغريب المجاهد، أن يصبح وهو فرد مبعث خوف هؤلاء الجبابرة الحاكمين.

وترامت إلى مازيني في إنجلترة نبأ دعوة جديدة أخذت تتسرب إلى أذهان الإيطاليين، وهي دعوة الإعتدال، ومؤداها الاقتصار في ذلك الوقت على المطالبة بالإصلاح الداخلي، حتى تتهيأ البلاد للاستقلال، فتكون وثبتها في غد وثبة قوية لا تخاذل بعدها. وكان أصحاب هذه الدعوة يتطلعون إلى ملك بيدمنت ليكون عوناً لهم في تحقيق آمالهم في الإصلاح. . . وغضب مازيني من هذه الدعوة وضاق بها صدره، إذ كان يرى النمسا أساس كل فساد. وكيف يتسنى للبلاد أي إصلاح وسلطانها مفروض على الأمراء ونفوذها متغلغل حتى الأعماق؟ أنه يرى أن سياسة المعتدلين قلب للوضع المعقول؛ فالوطنية هي الخطوة الأولى والثورة تأتي بعدها، ومن وراء الثورات المتلاحقة يأتي الغلب في النهاية، ويكون بعد الغلب الإصلاح كأسرع وأكمل ما يكون الإصلاح!

وإنه ليخشى أن يركن الناس إلى هذه الدعوة فتموت روح الوطنية في نفوسهم ويستطيع بعد ذلك المستبدون بهم أن يلهوهم عن غايتهم الكبرى ببعض مظاهر الرخاء المادي حتى تنحل عزائمهم وينسوا القبلة التي كانوا يتوجهون إليها، وتغرهم مطالع الدنيا فيصبح بعضهم لبعض عدواً، وقد كانوا بالوطنية والجهاد في سبيل قضيتهم المشتركة بعضهم أولياء بعض.

وأمض نفس الزعيم النازح أن يسفه بعض دعاة الاعتدال آراءه، وأن يهاجموا حركاته أقسى مهاجمة، فيتهموه بأنه يلقى بالشباب بين براثن الموت وهو بعيد، كل أولئك في غير جدوى، مرة بعد مرة. . . وأثارت هذه التهمة نفسه حتى لقد فكر أن يذهب إلى إيطاليا على الرغم من الحكم عليه بالإعدام، فيضحي نفسه في سبيل قضيته. فللموت أهون على نفسه من هذه التهمة، ولولا أن صدفة عن ذلك بعض أصدقائه لأقدم عليه في غير تردد. وكأنما أراد الغريب المناضل أن يرد عليهم بالعمل خيراً من القول، فأخذ يدبر ثورة جديدة يذيعها في طول إيطاليا وعرضها يكون مركزها هذه المرة الولايات البابوية، إذ كان قد علم أن وسط إيطاليا كان يزخر يومئذ بالمؤامرات السرية، وكان ذلك في عام 1843 واتصل مازيني بنبيلين ضابطين في بحرية النمسا، وهما أتيليو وإميليو من أهل البندقية، وأوعز إليهما أن يوقدا نار الثورة في وسط إيطاليا - ولكن البوليس - ألقى القبض عليهما بعد أن وثق من حركاتهما ومراميهما، فسيقا إلى الإعدام، وزادت دمائهما الزكية شجرة الحرية نماء وقوة. وعلم مازيني أن الحكومة الإنجليزية هي التي دلت عليهما، لأنها كانت تفتح رسائله إليهما ورسائلهما إليه، فاستشاط الزعيم غضباً، وأطلع أحد النواب في مجلس العموم، وكان من أصدقائه الأدنين على الأمر، فأحتج النائب في المجلس على مسلك الحكومة الإنجليزية، وسرعان ما شاع في المجتمع الإنجليزي شعور الخجل مما فعلت الحكومة، حتى لقد حار وزير الداخلية عما يدافع به عن نفسه أمام المجلس حين وقف على تسائل بعض النواب، وكان بينهم ماكولي الكاتب الإنجليزي العظيم. . . وكتب كارليل في جريدة التيمس يسفه عمل الحكومة فكان مما قاله: (إن فتح الرسالة المغلقة مسألة جد خطيرة بالنسبة إلينا، لأن هذه الرسائل كما كنا نظن تحترم في مصلحة بريد إنجليزية كما تحترم الأشياء المقدسة. إن فتح الرسائل المغلقة على غير علم من أصحابها عمل قريب جداً من سرقة جيوب الناس).

ودافع كارليل عن صديقه مازيني في تلك الجريدة. فكان مما ذكره عنه: (مهما يكن من رأيي في نظرات هذا الرجل العملية وفي خبرته بشؤون الدنيا، فإني أستطيع في غير تحرج أن أشهد أمام الناس جميعاً أن هذا الرجل - إن كنت قد عرفت شبيهاً له - رجل عبقرية وفضيلة، رجل شجاعة صحيحة ورجل إنسانية؛ وهو كذلك نبيل الفكر، فهو أحد هؤلاء النوادر الذين ترى عددهم في هذه الحياة وا أسفاه قليلاً، أولئك الجديرون بأن نسميهم الأرواح الشهيدة؛ أولئك الذين يسيرون على التقوى في حياتهم اليومية، والذين يدركون في صمتهم، ويسلكون في الحياة مسلكا يتفق على ما يفهم من ذلك).

(يتبع)

الخفيف