مجلة الرسالة/العدد 335/أعرابي في المدنية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 335/أعرابي في المدنية

مجلة الرسالة - العدد 335
أعرابي في المدنية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 12 - 1939


الأعرابي والشعر الحديث

للأستاذ علي الطنطاوي

أتاني منذ يومين (صلبي) فقال لي:

هل أنت من المعنيين بالشعر والأدب؟

قلت: نعم، فماذا عندك؟

قال: نعمة ساقها الله إليك، إن أنت أضعتها يوشك ألا تلقي مثلها يد الدهر

قلت: فاذكر لي ما هي، فأني أرجو ألا أضيعها

قال: أتعرف (السوالم)؟

قلت: نعم، جمع تكسير. . .

قال: ولا والله ما هم بجمع تكسير، إنهم أكرم من ذاك، هم والله جمع مبارك

قلت: إنما أردت الكلمة. . .

قال: كلمة ماذا؟ إنها قبيلة كانت متوارية في رملة من رمال (عالج) لا يدري بها أحد ولم يكشفها إلا حكم الإمام عبد العزيز أطال الله عمره، فعرفها العرب وعرفوا فيها العربية المبراة من العجمة، والبلاغة التي ما وراءها بلاغة، والنبرة الصافية التي إن سمعتها فإنما سمعت كلام سحبان، أو خالد بن صفوان. . .

قلت: ولكن ما أبعدك يا رملة عالج!

قال: بل ما أدناك يا شارع الحلبوني، ألا تعرف دار الباشا؟ قلت: القنصلية السعودية؟

قال: بارك الله فيك. إن شيخ السوالم نازل فيها وقد هبط دمشق ليلة دمشق، وهو أول (سالي) يهبطها بعد إذ فارقتها قبيلته قلت: متى فارقوها؟

قال: صبيحة الفتنة التي قتل فيها الوليد بن يزيد، الملك المظلوم الذي عبث خصومة بتاريخه، فقولوه ما لم يقل، ونسوا إليه ما لم يفعل، وروى هذا العبث مؤرخون هواهم عليه وميلهم مع أعدائه. . . وأدباء محاضرون لا يبالون ما يروون

قلت: إنك لنذكر تاريخاً قديماً!. . .

قال: هو ما قلت لك. غير أن (الشيخ) لا يحب أن يلقي أحداً، وقد حذروه قوماً يقال له أهل الصحف، يفضحون الناس: ينشرون من أسرارهم ما يطوون، ويعلنون من أخبارهم ما يسرون، ليسلوا بذلك من يشتري منهم هذه الصحائف، فاحتل للقائه بحيلة. . .

قلت: وأني لي الحيلة؟

قال: سمعت أن هاهنا عالماً جليل القدر يقال له الشيخ بهجة البيطار، لو أقسم على (الإمام) لأبره، ولو قال لسمع منه، وما كان الباشا ليرد له طلباً، وأننا إن قصدناه أوصلنا إلى (الشيخ). أفلك به معروفه؟

قلت: لي به معرفة؟ أقول لك هو أستاذنا وصديقنا ثم إننا إذا لم نلقه سرت بك إلى من مكانته عند (الإمام) مثل مكانته أو أعلى، الزعيم العالم المصلح الشيخ كامل القصاب رئيس علماء دمشق، ومدير معهدها العلمي

قال: إنه رئيسكم الذي. . .

- فقاطعته وأنا أقول: رئيسنا، ولكني لست من العلماء!

- قال: ولمه؟ أو أنت إذن من الجهلاء؟

- قلت: إن علماءنا (يا صلبي) لا يقبلون فيهم من كان مثلي، مخلوع العذار، محفوف اللحية والشاربين، يمشي في الطرقات حاسراً، ولا يرون الرجل عالماً إلا إذا اتخذ عمة طواها ثلاثون ذراعاً، ولحية لا تقصر عن مد قبضة، وأتخذ جبة تسع معه اثنين آخرين، ويضع من كمها وحده جبة ثانية. . . - فضحك صلبي وقال: ولكن هذه الكتب ما ألفتها الأكمام ولا العمائم، وهذا العلم ما جاءت به اللحى. . . أفلا يعلم أصحابك هؤلاء أن العلم دماغ وقلم ولسان؟

وتفضل أستاذنا البيطار فسعى لنا بجاهه عند الباشا (القنصل) حتى جمعنا بـ (الشيخ) فإذا هو فوق ما وصف لنا، وإذا لسان مبين ولغة معربة وحديث كأنك تقرأ في البيان والتبيين أو في عيون الأخبار. ولقد خضنا معه كل بحر، وعرجنا على كل منزل، فسألته عن الشعر واستطلعت رأيه في جديده، وسأله أستاذنا عن مسائل من اللغة والنحو، وعرض عليه أشياء من تمحلات النحاة وغلاظاتهم، فأجاب بأسد جواب وأحكمه، فما كان أعجب من سؤال الأستاذ إلا جوابه، وما تقول فيهما إلا الأصمعي يشافه بلغاء الأعراب من أهل زمانه. . .

وأني مثبت هنا طرفاً من حديثه في الشعر، بكلامي أنا لا ببيانه هو، فما استطعت حفظ ما قال بحروفه. ولعلي راجع يوماً فراوٍ حديث النحو، أو لعل الأستاذ البيطار يرويه بنفسه ليعلم القراء أننا نصف مجلساً قد كان حقا، ً لا نتخيل ولا نبالغ. . .

قلت له: كيف أنت والشعر؟

قال: أما ما قالت العرب فأني أرويه كل لا أخرم منه شيئاً، وأما ما قال المحدثون بعد إذ فشا اللحن في الأمصار وعمت (فيما بلغنا) العجمة فلا أعرف، ولا أرضى لنفسي روايته، لأن أصحابه أفسدوا على العرب ديوانهم، وجاءوهم بما ينكرون من القول

قلت: ولكنك رجل عادل حصيف، أفلا تسمع قول هؤلاء المحدثين قبل أن تحكم عليهم؟

قال: بلا والله أني سامعُ فأنشدني

فنظرت فكأن الله محا الشعر كله من قلبي إلا أبياتاً لأبي تمام في وصف الربيع نرويها للتلاميذ. فأنشدته إياها وفي ظني أنه لا يرضى عنها، بأنها ليست مما ألف، ولو أنشدته لغير أبي تمام أو أنشدته لأبي تمام غيرها، لكان ذلك أدنى إلى رضاه، ولكن ماذا أصنع وقد نسيت كل ما جاوزها من الشعر؟ قلت:

مطر يذوب الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر

غيثان فالأنواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصحو غيث مضمر

فرأيته قد طرب لها طرباً لم يخفه وصفق يداً بيد من الإعجاب وتمايل فقلت وقد قويت نفسي: كيف سمعت؟

قال: لقد أحسن وجاء بما لم يسبقه إليه سابق، وما أحسبه يلحقه فيه فيدرك شأوه لا حق: لقد عرف الناس ثلجاً يذوب، فأذاب لهم الصحو حتى سال ماء، ثم عاد فجعل الصحو من طراوته كأنه يمطر، فلم يخلهم في المطر من صحو ذائب، ولا في الصحو من مطر. ثم أصل وفرع، فجعل من الغيث ظاهراً ومضمراً، وما يكون مضمر إلا وثمة ضمير، ولا ضمير إلا في حي، أفلا تراه كيف أسبغ الحياة على الجماد؟ قلت: هذا مذهب في الشعر يعرفه أهل زماننا ويحسبون أنهم ابتكروه. . . يعطيك صورة جميلة ولكنها ليست بنية الحدود ولا واضحة المعالم، فأنت تستمتع فيها بكشف المجهول، وهو لعمري أصل الآداب، وأقوى الغرائز، ثم تملأ فراغها بعواطفك وتجعل حدودها من أفكارك، فتكون كأنك صغتها لنفسك، وتفهم منها ما لا يفهم سواك.

قال: هذا شيء ما أعرفه لكني لا أعيبه، ولقد طربت لما سمعت منه. . . قلت: أفلا أسمعك من شعر أهل زماننا؟

قال متعجباً: وأن لأهل زمانكم لشعراً؟

قلت: ولم لا يكون؟ أسمع مقطوعة من حديث الشعر لشاعر أسمه فياض، قالها على لسان المتنبي أكبر شعراء العرب كأنه يعلمه بها كيف يكون القول

قال: هذا لعمري النبوغ فماذا قال؟ قلت: قال:

جسدي النازل من شهوته ... سلم العار وروحي السامية

يا لعمر مشياً فيه معاً

فوثب كمن داس على جمرة، أو لسعته عقرب، فأمسك بفمي فسكت فزعاً فقلت: مالك؟

قال: ما هذا؟ قلت: شعر جديد!

قال: أعوذ بالله (جسدي النازل من شهوته)؟ وهل كانت شهوته جبلاً عالي الذرى، أو قصراً شامخ الدعائم حتى ينزل منها؟ وإلى أين ينزل؟ وهل بعد الشهوة منحدر، أو دونها منزل؟ وما (سلم العار)؟ هل هو جسده؟ فكيف صار سلماً؟

قلت: لعله أراد أن جسده ينزل على سلم العار، أي ينحط في درك العار بسبب شهوته التي ركبت فيه، فما استقام له طريق القول؟

قال: برئت من العربية إن كان هذا يفهم من كلامه، أننا نعرف (ينزل فلان) إذا كان عالياً وهبط، و (وينزل البلد) إذا سكنه، و (ينزل بالقوم وعليهم) إذا حل فيهم، و (ينزل من الجبل) إذا كان قد صعد فيه، و (ينزل إلى الوادي)، (وينزل على الدرج)، ولا نعرف (نزل السلم) إلا إذا قام فيه، كما يقيم المرء في المدينة، ثم أن السلم يصعد عليه من يكون على الأرض، فأين كان هذا حتى نزل على السلم؟ هل ولدته أمه على المنارة فنشأ فيها، ثم بدا له فنصب له (سلم العار) لينزل عليه؟

قلت: أو لا تسمع سائر المقطوعة؟ قال: لا والله

قلت: ولكنه ألقاها على ملأ من الأدباء والشعراء في سوق من أسواق الأدب في دمشق، كان أقامها أديب من أدباء تنوخ أسمه عزالدين بن علم الدين، فسمعوها وارتضوها وما رأينا فيهم من أنكرها عليه قال الأستاذ البيطار: لقد كنت حاضر السوق وسمعتها ولكني لم أرتضها ولا ارتضاها صديقي أبو قيس

قال الشيخ: ومن أبو قيس؟

قلت: هو التنوخي الذي حدثتك عنه، وهذه كلها أسماؤه وله غيرها. قال: ما أكثر ماله من أسماء!

قلت: وما أكثر ما له من فضائل وحسنات، وكثرة الأسماء دليل على شرف المسمى

قال: هذا صحيح! قلت: أتحب أن أقرأ لك من شعر شوقي؟ قال: أسمع اسماً منكراً!

قلت: نعم، ولكن له شعراً معروفاً. إنه الذي يقول في الأزهر:

قم في فم الدنيا وحيَّ الأزهر ... وانثر على سمع الزمان الجوهرا

واخشع ملياً واقض حق أئمة ... طلعوا به زهراً وماجوا أبحرا

كانوا أجل من الملوك جلالة ... وأعز سلطاناً وأفخم مظهرا

فاستوى جالساً، وقال: لا جرم أنه شعر معروف، هذا هو الشعر لا ما صككت به سمعي آنفاً، هذا هو الشعر. لقد أنطق أعظم ناطق وهو الدنيا، وأسمع أجل سامع وهو الزمان، وجعل مدح الأزهر جوهراً، وهذا لعمر الحق أكبر مما صنع امرؤ القيس حين وقف واستوقف، وبكى وأستبكى. . . ثم وصف أئمته بخير ما يوصف به علماء، سمو كالنجم ونور كالنجم، وهدى كهدى النجم، وعلم كالبحر وهم بكثرتهم كماء البحر، ولو شئت لكشفت عن خمسين معنى مستتراً وراء قوله (طلعوا به زهراً وماجوا أبحرا) زدني من قوله. . .

فمضيت في القصيدة حتى بلغت قوله: (يا معهداً أفنى القرون جداره) فترنح، طرباً، وأعجبته صورة هذا الجدار، وهو قائم في وجه القرون كالصخرة تريد عنه القرون كليلة عاجزة، ثم تفنى وتضيع كما الأمواج عن الصخرة ثم تذهب وتضمحل والصخرة راسية ولا اضمحلت.

واستزادني من شعره فأنشدته قوله وهو لم يبلغ العشرين:

صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني

أو فابتغي فلكاً كوني به ملكاً ... لا تنصبي شركاً للعالم الفاني

فهزه الطرب هزاً وقال: إن الشعراء يقولون ولكن مثل هذا ما يقولون. إنهم وصفوا حسن المرأة وجمالها، ولكن لم يستطيعوا أن يرفعوها فوق الناس وأن يجعلوها من طينة غير طينتهم، وأن يبرئوها من مادة التراب حتى تخلص لصفاء الروح ثم يجعلوها ملكاً يسكن السماء. أني لأعجب لكم!. . . عندكم هذا الشاعر ولا تفاخرون به شعراء الأرض؟

ثم قرأت عليه من شعر حافظ فأعجبه ولكنه قال:

هذا من عيار وذاك من عيار، وليست أسوى بينهما. إن الأول عبقري إمام، وهذا مقلد ذو بصيرة، وسباق ذو ثبات.

قلت: إن الناس كانوا يسوون بينهما أو يقاربون يوم كانا حيين، وللأحياء مقاييس من صداقة أو عداوة، ولهم صفات يحبون من أجلها أو يبغضون: كخفة الروح وبسطة الكف وحسن المجالسة. فلما ماتا ولم يبق إلا موازين الأدب بدأ الناس يدركون أن بينهما بوناً شاسعاً وأمداً بعيداً.

ثم أسمعته لكثير من الأحياء فلم يعدل (بأحمد محرم) و (بشارة الخوري) أحداً وفضلهما على كل من ينظم اليوم شعراً، وأعجبه غزل (رامي)، وأنس بجزالة شعر (البارودي) وحسن ابتكار (صبري). وقرأت عليه من أشعار الشاميين، فقدم (الزركلي) وأستقل شعره وعجب من سكوته الآن، لأن الشاعر عنده من ينظم أبداً لا ينقطع حتى ينقطع عن نفسه سيل العواطف ويجف منها معين الحس. ومن يقول مثل شعر الزركلي الوطني الذي يسيل منه الدمع، دمع القلب، لا يمكن أن ينضب ينبوعه. وقد كره قصيدته (العذراء) ورأى فيها ضعفاً في التأليف بيناً. وأعجبته جزالة شعر (محمد البزم) ولكنه رأى ألفاظه أجزل من معانيه ومفرداته أمتن من جمله، وأخذ عليه قوله:

إذا كان من أسدى لك الشر هيناً ... فقل لي أبيت اللعن من أين تثأر

وقال إن العرب تقول أسدى إليه يداً ولا تنطق بها في الشر، أما قوله (أبيت اللعن) فإقحام لا معنى له، لأنها كلمة كان يخاطب بها ملوك الجاهلية وقد بطلت، فأي ملك من ملوك الجاهلية يخاطب؟ وأخذ على (مردم) قوله في نشيده:

سماء لعمرك أو كالسماء

ورآه سبكاً مقلوباً، وكان ينبغي أن يقول هم كالسماء بل هم سماء، وكره منه قوله في مطلع النشيد: حماة الديار عليكم سلام

وقال بأن تنكير الإسلام يجعله أشبه بلغة مستعربة الروم يعني عمال الفنادق في الإسكندرية، وأعجبه شعر (مردم) الوصفي التصويري أما (الشعر الجديد) كشعر الرمزيين، والمهاجرين، فلم يفهم منه إلا بعض من مفردات من ألفاظه ولم يعدده شعراً ولا كلاماً عربيا! ً

وقد أستمر المجلس ساعات طويلة، ومال الحديث فيه على من يتلقى العربية على أبناء باريز، من أمثال الإمام اللغوي أبي جريجة الشيخ مارسيه أصمعي العصر. . . وكان مجلساً نادراً ما قمنا بمنه إلا ونحن كارهون. نتمنى لو أنه يمتد بنا أسبوعاً. . . وخرجنا وقد امتلأ وطابنا علماً وفوائد، هذا طرف منها وأنه (طبق الأصل) بشهادة أستاذنا الجليل الشيخ محمد بهجة البيطار.

علي الطنطاوي