مجلة الرسالة/العدد 326/النائح الشادي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 326/النائح الشادي

مجلة الرسالة - العدد 326
النائح الشادي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 10 - 1939


للأستاذ فؤاد بليبل

كُفَّ النُواحَ فقد أثرْتَ توجُّعي ... إنَّ الذي أشْجاكَ مزَّق أضلُعي

يا نائحاً في الدوْح يندبُ حظه ... دع عنك لحنَ اليأس واهجرهُ معي

قلبي كقلبِكَ موجَعٌ متألم ... أعجِبْ بقلبي الضاحك المتوجِّع

لك يا هزارُ بما أكتِّمُ أُسوة ... فاصدح على فنن الأراكة واسجع

كفَّ البكاَء ودع أناشيد الأسى ... لا أنتَ في قفصٍ ولا في بلقع

وارقُصْ على الغصنِ النَّضيرِ مرجِّعاً ... في كلِّ مؤْنقَةٍ وَرَوْضٍ مُمْرعِ

فعلامَ تبكي فوْق أشواكِ الرُّبى ... بين الطول ودراساتِ الأربُع

وأمامَكَ الَمرْجُ الخصيبُ ودونَكَ ال ... روضُ القشيبُ وصافياتُ الأنبع

وَحيالكَ الآمال ملأَي بالمُنى ... وتجاهكَ الأُفقُ الرحيبُ المرتع

لكَ منزلٌ في الدُّوْح لَو أُنزلتُه ... لأُديلَ من حُزني وزالَ تفجُّعي

ناءٍ عن الظلم المضيمِ مكانةً ... مخضوضَر الشرفاتِ حلو الموقع

بَسَمتْ لكَ الدنيا فمالكَ عابسا ... وتجهَّمتْ لي فابتسمتُ لمصرعي

أشجاكَ أنك قد شُغفتَ بِوردة ... غذَّيتَها بفؤادِكَ المتقَطِّع

وسقيْتها ماَء الشئونِ فأينعتْ ... بَين الوُرودِ وليَتها لم تيْنع

وتفتحتْ أكمامُها وتَرَعرَعت ... في الروضةِ الغنّاءِ أيّ ترَعرُع

وكأنما اغترَّت بِفاتِنِ حُسْنِها ... فمضتْ تَتِيْه بهِ بِغيرِ تورُّع

والحسنُ كان ولا يزالُ وسيمه ... شركَ القلوب وقبلةَ المتطلع

وتلاعبتْ فيها الأكفُّ ودُنّست ... بأصابعٍ شتى وأيدٍ قطّعٍ

واستنفرَت لمّا رأتْكَ وقد أتى ... زَمَنُ الحصادِ وآذنتْ بتمَنع

فاقلبْ لها ظهرَ المجنِّ فليس في ... أكمامِها للحرِّ أدنى مطمع

وأربأ بنفسِك أن تكون ذَليلةً ... فالمورد ملء الروض فاختر واقطع

واملأ سماَء الشعر ألحاناً ولا ... تكُ في وجومكَ كالغراب الأسنع

يكفيكَ أنك كنتَ أوّل ناشق ... دون الطيور لعَرفها المتضوّع يكفيكَ أنكَ قد رشفتَ رضابها ... فاترك بقاياها لغيرك واقنع

دَعها لسافلةِ الطيور غنيمةً ... وانشدْ سواها في مكانٍ أرفع

في موضعٍ أقوى الفساد عراصَه ... وا روعتاهُ لطهر ذاك الموضع!

وإذا ظمئت ولم تجدْ لك منهلا=عذْب المياه كصافياتِ الأدمع

فاطوِ الضلوعَ على الصدى أو مُتْ به ... حرّاً أبيّ النفسِ غير مروّع

لَلموتُ خيرٌ من ورودكَ موردا ... ولغَ الكلابُ بمائِه المتجمِّع

من كان لا يرضى المجرة مشرباً ... هيهات يغشى كدرة المستنقع

ومغيظةٍ أنحتْ عليَّ بلومِها ... راحتْ تصبُّ عتابها في مسمعي

قالت (وما كذبت) أراك سلوتنا ... ودنت تعانقني فقلت لها ارجعي

فاستَغربت مَّما رأته وهالَها ... ألاّ أطاوعَها على ما تدَّعي

قالت أتذكر حينَ كنتَ مُتَيّماً ... تشكو لهيب فؤادِكَ المتصدّع

وتروح تُقسم أن تصون عهودنا ... فعلام خنت إذن أجب أفلا تعي؟

فأجبتها قَدْ كان ذلك والهوى ... عَفٌّ وثوبُ الطهر غير مرقع

أغراك أني شاعرٌ متعِّبدٌ ... للحسنِ أرعاهُ بقلبٍ موَجع

أهوى، نَعمْ أهوى الجمال مبرقعاً ... بالطهر لا أهواهُ غيرَ مبرقع

أهوى الجمال عفيفَهُ وبعيدَه ... عن كل شائنةٍ وفحش مُقْذع

ولقد أعافُ الشيء مع أني به ... كلف شديد الوجد صعب المنزع

وأعودُ عنه وملء نفسي شهوة ... وكما علمتِ تعفّفي وترفعي

كم منهلٍ يمَّمْتُهُ متجرِّعاً ... سقطَ الذبابُ به فلم أتجرع

قد كان حسنكِ قبل ذلك ملهمي ... واليومَ بات وقد تدَّنس مُفزعي

عودي إلى ما كَنِتهِ من عفةٍ ... أو فاتركيني لا تقضي مضجعي

ودعي التصُّنعَ بالغرام فما أنا ... ممن يبالي بالهوى المتصنَّع

إن تبتغي وصلاً فلستُ بمْبَتغ ... أو تزمعي صلحاً فلست بمزمع

أو كنتِ مولعةً وأنت كما أرى ... تبغينَ تَضليلي فلستُ بمولع

(دار الأهرام) فؤاد بليبل