مجلة الرسالة/العدد 325/للتاريخ السياسي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 325/للتاريخ السياسي

مجلة الرسالة - العدد 325
للتاريخ السياسي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 09 - 1939


قنبلة سياسية

للدكتور يوسف هيكل

في 22 أغسطس 1939 انفجرت قنبلة سياسية في برلين سمع دويها في جميع أنحاء العالم؛ فهاله الأمر وناله الفزع. ولما لم يكن يعلم ما تحتويه من مواد، أخذ يرجو أن تكون محتوياتها غير مبيدة ولا قتالة، وكانت تلك القنبلة إعلان اتفاق ألمانيا وروسيا على توقيع ميثاق عدم الاعتداء بينهما

فوجئ العالم بهذا النبأ واستغرب وقوعه، لما بين ألمانيا وروسيا من عداء مستحكم، وما لهتلر من مطامع في البلاد السوفيتية كان يعمل على تحقيقها تحت ستار مكافحة الشيوعية. ومما زاد الصدمة شدة وخطورة، انقطاع الأمل في انضمام الروسيا إلى (جبهة السلام) ليتحقق بذلك إيقاف دولتي المحور عند حدهما، ولتتم سلامة دول أوربا من اعتداءاتهما. على أن العالم فوجئ بنتيجة معاكسة للتي كان ينتظرها، فوجئ بانضمام الروسيا إلى ألمانيا تحت ستار ميثاق عدم الاعتداء، فكيف تم هذا الميثاق؟ وما هي محتوياته؟ وما هي الدواعي التي حدت بألمانيا إلى مصافاة عدوتها اللدود روسيا، وما الذي دفع السوفييت إلى مد يد المساعدة لمنشئ (جبهة مكافحة الشيوعية؟) وما هي نتائج هذا الانقلاب الخطير في الحالة الدولية؟

لم تصب الدول الديمقراطية في اتفاق مونيخ الهدف الذي كانت ترمي إليه من تهدئة الخواطر وتحقيق السلام بإنالة الهر هتلر ما دعاء (آخر مطالبه في أوربا). وسبب ذلك سوء نية زعيم ألمانيا، وعزمه على استعمال التهديد والقوة لنيله مطلباً بعد آخر. فالدول الديمقراطية لم تنل السلام في مونيخ، بل سبب لها ذلك الاتفاق مشاكل ومصاعب جساماً، كنا قد نوهنا عنها حينئذ على صفحات (الرسالة) الغراء. وما الميثاق الألماني - الروسي الذي هز أركان العالم وزج بأعظم أممه في حرب ضروس، إلا نتيجة طبيعية لتسامح الدول الديمقراطية في 30 سبتمبر عام 1938. وهذا الميثاق الذي نظر إليه العالم نظرة الدهشة والغرابة لم يكن ابن ساعته، بل كان نتيجة لمفاوضات بين برلين وموسكو بدأت منذ استقالة الرفيق ليتفينوف من وزارة الخارجية الروسية وأدت إلى توقيع الاتفاق الألمان الروسي الاقتصادي في برلين في التاسع عشر من أغسطس هذا العام، ثم إلى توقيع ميثاق عدم الاعتداء الذي نحن بصدده

ولما تم التفاهم والاتفاق بين الدولتين ولم يبق عليهما غير توقيع الوثائق، أعلن النبأ في برلين في 22 أغسطس. وفي صباح اليوم التالي سافر الهر فون ريبنتروب، وزير خارجية ألمانيا إلى موسكو بطريق الجو يصحبه اثنان وثلاثون من كبار الموظفين في وزارة الخارجية الألمانية. وعلى أثر وصوله العاصمة السوفيتية بساعتين اجتمع بالرفيق مولوتوف رئيس وزارة الروسيا ووزير خارجيتها. وفي مساء اليوم نفسه وقع الوزيران ميثاق عدم الاعتداء بين الدولتين، وكان التوقيع بحضور الرفيق ستالين رئيس الدولة السوفييتية. وفي ظهر 24 أغسطس عاد الهر ريبنتروب إلى العاصمة الألمانية.

لم يكن ميثاق موسكو قليل الأهمية، كمواثيق عدم الاعتداء التي اعتادت بعض الدول إبرامها بسهولة والتخلص منها في أي وقت أرادت، كما أنه لم يكن تجديداً لميثاق (رابالو) الذي عقد عام 1922 وتجدد عام 1928 وعام 1923. بل كان ميثاقاً أقرب إلى معاهدة حربية منه إلى ميثاق عدم اعتداء. فبهذا الميثاق ضمنت كل من ألمانيا وروسيا عدم اعتداء إحداهما على الأخرى منفردة أو مشتركة، كما أن ألمانيا أزالت عنها خطر اشتراك الروسيا في أي حركة ترمي إلى تطويقها مباشرة أو بصورة غير مباشرة. وبذلك أزالت ألمانيا مفعول المعاهدة الفرنسية الروسية لعام 1935، تلك المعاهدة التي أثارت ثائر هتلر، ودفعت به إلى عمل ما في وسعه لحمل فرنسا على إلغائها، فلم يوفق حينذاك. وقد تمكنت ألمانيا في هذا الميثاق أيضاً من منع كل مساعدة روسية للدولة التي يكون معها الريح مشتبكاً في حرب، وخصت نفسها بالمساعدة الروسية الواسعة في الحرب وفي السلم. وفي الوقت نفسه هدمت السوفيت جبهة مقاومة الشيوعية، وباعدت ما بين ألمانيا واليابان

ومما هو جدير بالذكر أن الروسيا لم تضمن ميثاق موسكو المادة التي كانت حريصة عليها في المواثيق السابقة، والتي تخولها حق نقض الميثاق عند اعتداء المتعاقد معها على دولة ثالثة

ومن الأكيد أن مباحثات الهر ريبنتروب مع الرفيق مولوتوف لم تكن قاصرة على مضمون ميثاق عدم الاعتداء بل تعدتها إلى تحديد وضعية كل من الدولتين في أوربا وآسيا. وتقول الدوائر السياسية في بعض العواصم إن الدولتين اقتسمتا بولندا، وتعهدت ألمانيا بالتنازل عن مطامعها في التوسع في أكرانيا، كما أن الروسيا تعهدت بالضغط على رومانيا وعلى تركيا لحملهما على الوقوف موقف الحياد حين نشوب الحرب

فميثاق موسكو لم يكن بعامل جديد على توطيد السلام، بل كان عاملاً مشجعاً للهر هتلر على المغامرة في إشعال نيران الحرب، باعتدائه العسكري على بولندا تلك البلاد التي كانت صديقته بالأمس والتي عقدت معه ميثاق عدم الاعتداء لمدة عشر سنوات

إن التقرب بين برلين وموسكو من الأحداث الدولية الخطيرة ولهذا الحادث أسباب هي في برلين تختلف عنها في موسكو. أما العوامل التي دعت الروس إلى قبول فكرة التقرب من ألمانيا فقد ذر قرنها منذ عقد مؤتمر مونيخ في 30 سبتمبر عام 1938

أصرت ألمانيا في أزمة سبتمبر من العام الفائت على إبعاد السوفييت من المجتمع السياسي الأوربي، ورفضت حينئذ الجلوس مع ممثليها رفضاً باتاً، وآثرت فشل المفاوضات وتعقيد حلها على أن تشترك في مؤتمر تكون السوفييت أحد أعضائه ولما رأت بريطانيا وفرنسا أن الهر هتلر جاد في ذلك، وأن إصرارهما على وجوب اشتراك السوفيت في مؤتمر مونيخ قد يؤدي إلى الحرب، رضيتا بالنزول على إرادة دكتاتور ألمانيا، وقبلتا ما طلبه حفظاً للسلام.

رأت الروسيا في تصرف دول مونيخ ضربة لنفوذها السياسي في أوربا، وسبباً في عزلتها، فعز ذلك عليها وأخذت تنتهز الفرص للتعويض عما أضاعه عليها مؤتمر مونيخ من نفوذ وأعوان.

لم يحافظ الهر هتلر على اتفاق مونيخ الذي ما تم إلا لإرضائه، ولم يعمل بتصريحاته الرسمية العديدة القائلة بأن ليس له مطالب إقليمية في أوربا بعد السوديت، بل برهن على أن لا قيمة لتوقيعاته ولا أقواله بضمه بلاد التشك والسلوفاك وميمل إلى الريخ.

عندئذ أيقنت بريطانيا وفرنسا بأن لا فائدة ترجى من سياسة تهدئة الخواطر، إذ أن زعيم ألمانيا يعتبر النيات السليمة والإنسانية ضعفاً، ويتخذ من حسن النية عاملاً مشجعاً على الاعتداء على الدول المجاورة للوصول إلى هدفه في السيادة على أوربا أولاً وعلى العالم أخيراً. أمام هذه النفسية الألمانية التي لا تعرف حداً لمطامعها عزمت بريطانيا وفرنسا على إيقاف العدوان، فأمنتا سلامة بولندا ورومانيا ضد الاعتداء. وكان هذا التأمين واسع المدى حتى أنه ترك لبولندا الحكم فيما إذا كان استقلالها ومصالحها الحيوية في خطر. وعملتا على لإيجاد (جبهة سلام) قوية لا يستطيع العدوان أن يجد أمامها متسعاً. وكانت الغاية من هذه الجبهة المحافظة على السلام والتوكيد لهتلر أن بريطانيا وحليفاتها عازمات على إيقاف اعتداءاته عزماً صحيحاً لا محيد عنه.

ومن الطبيعي أن تفكر بريطانيا وفرنسا في ضم روسيا إلى (جبهة السلام) إذ أن الروسيا حليفة فرنسا، والنازية عدوة الشيوعية اللدود. يضاف إلى ذلك أن روسيا لها مكانتها في أوروبا الشرقية. فبدأت المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا من جهة، والروسيا من جهة أخرى. غير أن هذه المفاوضات تعقدت وطالت لأسباب لا مجال لبحثها هنا. وقد أصرت بولندا على رفض مرور الجيوش الروسية في بلادها حين وقوع الاعتداء عليها والاكتفاء بمساعدة الروس لها بالأدوات الحربية. غير أن السوفييت رأت في رفض بولندا عدم ثقة بها وبجيشها

هذه الأسباب وغيرها أثرت في الحكومة السوفيتية وجعلتها تنشد سلامة بلادها عن طريق غير طريق التحالف مع بريطانيا وفرنسا، أي عن طريق التفاهم مع عدوها اللدود الذي يهدد بلادها ويؤلب عليها الدول تحت لواء (ميثاق مكافحة الشيوعية) وبذلك تكون أيضاً قد خرجت من العزلة الدولية التي فرضها عليها مؤتمر مونيخ، وأزالت خطر مطامع هتلر والتحارب معه

أما من الناحية الألمانية فإن الهر هتلر وجد بريطانيا وفرنسا عازمتين على وقف عدوانه، وأن سياستهما آخذة في النجاح شيئاً فشيئاً. ورأى في جبهتهما جبهة حصار لبلاده، إن تمت بدخول الروسيا فيها حيل بينه وبين ما يطمع من تحقيق مشروعاته في السيطرة على أوربا. . . أمام هذا الخطر، وأمام الصعوبات الداخلية من سياسية واقتصادية، رأى الهر هتلر أن يخرج من المأزق بعمل يزيده ثقة بتحقيق أطماعه من جهة، ويضعف القوى المقاومة لتلك المطامع من جهة ثانية. فتقدم إلى عدوته السوفييت وعرض عليها المصافاة والصداقة. فصادف ذلك هوى في نفسها ولم تتردد في قبول ما عرض عليها. وبذلك تم ما أسموه (ميثاق عدم الاعتداء) بين موسكو وبرلين وكان لهذا الميثاق نتائج هامة غير الحرب التي تدور رحاها الآن في أوربا، في ميادين القتال الثلاثة، البر والبحر والجو

كانت النازية تعتمد في توحيد الصفوف الألمانية وفي إيجاد الحلفاء والأصدقاء على مبدأ (عداء الشيوعية). ولم يخل كتاب هتلر (كفاحي) ولا أية خطبة من خطبه من التنديد بالشيوعية وذكر أخطارها. وكان هذا السلاح الذي استعمله الفور هرر مفيداً ومساعداً له على الوصول إلى ما وصل إليه من توحيد الصفوف في ألمانيا وإيجاد حلفاء وأصدقاء له وقعوا على ميثاق (مكافحة الشيوعية). ولكن تغيير هتلر لاتجاه سياسته الخارجية تغييراً كليا أذهل الشعب الألماني وجعله يرى في تصرفات زعيمه ما يناقض المبادئ التي كان يحمله على الإيمان بها

وكان لتغيير سياسة هتلر الخارجية أسوأ الأثر في اليابان. فاجتاحتها موجة بغض شديد للألمان، كان من نتيجتها استقالة الوزارة في طوكيو وتغير سياسة اليابان الخارجية. وبدأ التقرب بين اليابان وصديقتها القديمة بريطانيا العظمى.

أما في بريطانيا فلم تكن الحكومة والشعب براضيين عما قام به الهر هتلر. وليس ذلك بغريب، لأن للحكومة الإيطالية كرامة عزيزة عليها. وهذه الكرامة تحول بين ألمانيا وبين مرادها في أن تكون إيطاليا أداة لتحقيق مطامعها، حتى على حسابها.

إزاء هذا التأثير السيئ، حاول الهر هتلر إقناع أصدقائه بأن (ميثاق عدم الاعتداء) بين ألمانيا وروسيا لا تأثير له قط على مفعول (ميثاق مكافحة الشيوعية). فكان ذلك مهزلة قبيحة في وسط مأساة مؤلمة.

وكما أن ميثاق موسكو أثر في وضعية ألمانيا الدولية، فقد أثر أيضاً في وضعية الروسيا ومبادئها الشيوعية. من موسكو تتلقى الأحزاب الشيوعية في البلدان الأخرى تعاليمها وروحها؛ وكانت هذه الأحزاب آخذه في الانتشار استناداً إلى الصراع المستمر بين الشيوعية والاشتراكية من جهة، والنازية والرأسمالية من جهة ثانية. ولما رأت الأحزاب الشيوعية في الدول المختلفة أن موسكو مصدر الشيوعية قد حالفت أكبر عدو لها داخلتها الريبة في حسن نية السوفيت، وغاض لديها التشيع لها والدعوة إليها. ولعل أبرز مثال لذلك موقف الحزب الشيوعي في فرنسا، وما استهدف له من فقدان نفوذه على الجماعات الفقيرة وطبقات العمال

على أن أهم نتيجة كانت للتقرب بين موسكو وبرلين، هي نشوب الحرب الحالية باعتداء هتلر الجنوني على بولندا واقتحامه لبلادها دون داع ولا مبرر إلا طمعه في بسط سيادته عليها وعلى أوربا أولاً والعالم أخيراً، ذلك الاعتداء الذي قام به زعيم ألمانيا رغم الجهود العديدة الجبارة التي بذلت من كل جانب لصون السلام والإبقاء على المدنية. فما هي تلك الجهود، وماذا كان رد هتلر عليها وما هي الفصول التي مثلتها الدبلوماسية الألمانية لتبرر تعديلها على بولندا؟ هذا ما سنعرضه في مقال آخر.

يوسف هيكل