مجلة الرسالة/العدد 325/رسالة العلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 325/رسالة العلم

مجلة الرسالة - العدد 325
رسالة العلم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 09 - 1939


فَلْنَسْتَمر

خواطر الحرب - صوت العلم بين صليل السيوف ودوي المدافع - إستكناه الذرة وقضية الإلكترونات - جحافل العلم في ميدان التجارب - قصة مليكان - إذا عمت السكينة.

للدكتور محمد محمود غالي

كنا نتابع قصة الخليقة ونذكر عمل الإنسان، ونستعرض الخطوات الكبرى التي تمت في السنوات الخمسين الأخيرة، وبدأنا هذا العمل في يناير الماضي بدء العام السابع للرسالة، وما نعد أنفسنا إلا في منتصف الطريق، مهمتنا أن نعرض على القارئ صوراً من المراحل المختلفة التي بلغتها العلوم، تلك المراحل التي فتحت مجال الذهن وفتقت حواشيه وحولت التفاتاته إلى الناحية التي جعلت من الإنسان على مرَّ الأيام أنموذجاً أرقى ومثالاً أكمل. وقد تابع مقالاتنا هذه عدد غفير من القراء ما زالت تردنا رسائلهم من كل صوب.

وبينما نحن نتابع عملنا إذا بالعالم يُفاجأ بما يُغير مسرى الحياة الفكرية فيه، ويحولها من طريقها إلى آخر تكتنفه الآلام والمصائب، فمن اطمئنان وسلام، إلى حرب واصطدام، أكثر ما يُروَّعني فيهما أن يُقْضى خلالهما على الملايين من الأبرياء، وأن تهدم أسس الحضارة وتُدكَّ صروح المدنية، ولكن هذا التغيير في حالة العالم لم يك ليُقْعدني عن مهمتي في الكتابة ويصدني عن غرضي في التأليف؛ فإن النفوس الواجمة من شبح حرب مروعة، والأفكار المضطربة من صراع عنيف في حاجة من وقت إلى آخر أن نرفه عنها، ونعمد إلى تهدئتها ونبث روح السكينة فيها. لذلك أخذت على عاتقي أن أستمر في مهمتي العلمية حتى أساهم في الساعات التي أعطيها كل أسبوع لقراء الرسالة في دفع كابوس الحرب الجاثم على العالم في هذه الآونة.

لعل القارئ يشعر معنا أن نغمات حزينة تتجاوب أصداؤها الآن في آذان العالم نرى لزاماً علينا إبعاد الأذهان عنها، وأن فكرة تحمل في طياتها الدمار والخراب وتغيير معالم الحضارة والعمران تسري الآن سريان النار في الهشيم، نرى لزاماً علينا أن ندفعها بكل عناية وأن نحطمها بكل قوة

إن الظلام حالك مدلهم، والنجوم تنشر في الفضاء وتملأ، والمشتري والمريخ يطلان علين من علياء السماء، وكأن ما بهما من مخلوقات فرضية تشاهد مأساة الإنسان التي بدأت تعرض دورها في ثالث الكواكب فتعجب لها ولا تقف على الغرض منها. ألا بئس الطمع وشر ما يجلب! الآن بعض شروط من معاهدة وضعها نفر من الساسة منذ عشرين عاماً ولا يريد هذا النفر تغييرها، ولأن هذه لا تروق لبعض الزعماء تقع شعوب الأرض في حرب ضروس؟ الآن لقطر أشباراً من الأرض في قطر آخر تمتشق الأمم الحسام وتأبى التفاهم ويحمل الطيارون وسائل التهلكة وتتخيَّر الناس حد الظبى فاصل إشكالها، ونُساق إلى حيث لا نعرف المصير؟

ولو أنه يتأتى من هذا أنه يصبح في العالم خلف خيرا من السلف، لو أننا مسوقون حقاً إلى هدف أسمى يستجلي منه الإنسان عهداً أرقى في الحضارة وأبقى في العدالة وأعظم في التقدم، عهداً لم يعهده من قبل - لوجدنا أن الخير كل الخير في حمل السلاح وطرح الراحة، ولطاب لكل إنسان أن ينقلب مجاهداً بين المجاهدين. أما والبشر يتقاتلون لغير غاية مفهومة، أو مأرب معقول، فكل ما نتمناه أن تنحصر الكارثة وألا تطول هذه المحنة، وأن يتغلب حكم العقل على الهوى ويعود السلام فيرفرف على الربوع والأمصار من جديد، ونرى العلماء يتفرغون لاكتشافاتهم العلمية المجيدة ومباحثهم اللانهائية وتصبح المختبرات مخابر سلم ووسيلة للتعمير لا للتخريب

هذا السلام لبني الإنسان طُرّا، للفقير قبل الغني، للضعيف قبل القوي، هو أمنيتنا وله نعمل من قلوبنا، وهانحن أولاء نرقب عودة عهد هدوء العالم ورفاهيته ونتم للقراء قصة العلوم ففيها القسم الإيجابي من حظ البشر، أما القسم السلبي الذي يشغل الآن رجال الحرب ويندفع إليه فريق من بني الإنسان فهو ما سيأسف له العقلاء في النهاية

وبراً بما وعدنا نعود الآن إلى الكتابة في الموضوعات التي سرنا فيها شوطاً فليس أحب إلى نفوسنا من المضي في سرد قصص العلم والعلماء وفي تبسيط أهم ما وصل إليه الإنسان المفكر من اكتشاف واختراع، ذلك لأن أسعد الساعات عندنا هي تلك التي نسطر فيها مفاخر الإنسان العاقل الدارس، وأعمال الرجل الكاشف العالم: فهيا بالقارئ خطوة أخرى إلى الأمام نزيده فيها كلمة يخلق بنا أن ندعوها باسم العالم الذي هو بطلها فندعوها قصة (مليكان) تكلمنا في مقالنا السابق عن الإلكترون أصغر جزئ في الكهرباء أو وحدة الكهرباء السالبة وزميله البوزيتون الوحدة الموجبة، وهما الشقيقان اللذان يلعبان دوراً هاماً في معارفنا الكهربائية بل يتصلان اتصالاً وثيقاً بمعرفتنا عن المادة وكل ما هو كائن، فالإلكترون هذا المهاجر الحائر، نعرفه في المادة على أشكالها الثلاثة الغازية والسائلة والصلبة، فذرة غاز الهيدروجين وهو أخف ما نعرفه من العناصر تحوي نواة وسطى كالشمس يدور حولها إلكترون واحد وتتميز به عن سائر العناصر وذرة الماء مكونة من ذرتين من الهيدروجين السابق الذكر وذرة واحدة من غاز الأكسيجين، وهذه الذرة الأخيرة مكونة من نواة وسطى يدور حولها ثمانية إلكترونات وذرة الأيرانيوم أثقل العناصر ذلك العنصر الصلب المشع الذي كان حجر الزاوية في اكتشاف عنصر الراديوم العجيب تتركب من عدة شموس يدور حول كل منها عدد معين من الإلكترونات، ويبلغ مجموع إلكترونات هذه الذرة اثنين وتسعين إلكترونا أي أكثر من ضعف ما يدور حول شمسنا من كواكب وأقمار، فهي مهما بلغت من الصغر عالم يتعين بعدد من الشموس وعدد من السيارات التي تجري في أفلاكها وتشبه عالمنا الشمسي، وما اختلاف العناصر إلا في اختلاف عدد الإلكترونات التي تدور حول شموسها، واختلاف المسافات التي تبتعد بها هذه الإلكترونات عن الشموس، بحيث يعد هدم النواة الوسطى، وطرد بعض الإلكترونات المحيطة بها تحولاً في المادة وانتقالاً من عنصر إلى عنصر آخر يتعين بالعدد الجديد من هذه الإلكترونات السابحة، وهذا ما استطاعه العلماء أخيراً يتقدمهم (رذر فورد) المتوفى منذ عامين في إنجلترا، والدوق موريس دي بروي في فرنسا، وبرايش في ألمانيا، والعالم الشاب فرمي في إيطاليا. . . وهو ما سنتبسط فيه عندما نتكلم عن التَّفتت الذري تحت تأثير الإشعاع.

وإذا كان هذا الإلكترون أصغر ما نعرفه من مادة لها وجود مادي، فهو أصغر ما نعرفه مما له وجود كهربائي، فهو المكون الأول للكهرباء، بل وجميع الإلكترونات هي التي تُحدث كل الظواهر الكهربائية التي أهم ما يعرفه الشخص غير المشتغل بهذه العلوم ظواهر الإلكترونات المهاجرة التي قدمنا أنها تكون الأساس في فن الراديو بل الأساس في كل الكهرباء اللاسلكية منها، والسلكية، والتي يهاجر منها عند المخاطبات التلفونية أو الإذاعة اللاسلكية ملايين الملايين في كل واحد على عشرة آلاف من الثانية. عندما تشتري من التاجر بضعة أمتار من السلك لتوصيل جرس كهربائي في مكتبك، فإنك تشتري طريقاً صالحاً لهجرة بلايين البلايين من الموجودات الصغيرة التي أطلقنا عليها إلكترونات، وهي التي شغل العالم مليكان بدراسة أحدها والتي تسري في السلك من طرف إلى طرف. وعندما تشتري من التاجر ذاته صماماً - أي مصباحاً للراديو - من هذه المصابيح الخاصة التي منها الثلاثي الأقطاب (تريود) أو خماسي الأقطاب بنتود والتي تتفنن الصناعة الحديثة في تقديمها إليك بدل مصباح تالف، فإنك تشتري في الواقع مكاناً صالحاً لإحداث هذه الإلكترونات التي تهاجر بين الكاثود القطب السالب والأنود القطب الموجب بعدد لا يمكن أن يتصوره العقل.

ترى كيف يمكن العثور على جُسيم مادي يعلق به أحد هذه الموجودات الدقيقة التي تعد أصغر ما نعرفه من الكون؟ كيف يتسنى لنا أن نستوثق من ذلك؟ بل كيف يتسنى لنا أن نرفع ونخفض الجسيم الحامل لأحد هذه الإلكترونات وفق إرادتنا؟ وكيف نعلم علم اليقين أنه حامل إلكتروناً طليقاً كما نعلم أن سيارة تنساب في الشارع بسرعة عظيمة تحمل السائق ولا تحمل غيره من الركاب؟

لقد أمكن للأستاذ الكبير مليكان أن يقوم بتجارب دقيقة حصل فيها على إلكترون حر واحد، وتيقن فريق العلماء معه أن هذا الذي حصل عليه مليكان في تجاربه هو إلكترون حر واحد. وسأشرح للقراء تجربة مليكان وهي مهمة أحاول تبسيطها للقارئ رغم صعوبتها. وأمامي الآن المذكرات العديدة التي نشرها الأستاذ مليكان، وأهمها نشرته التي قدمها لمؤتمر عقد في وينبج في أغسطس سنة 1909 أي منذ ثلاثين عاماً، والمذكرة الإضافية التي ظهرت خلاصتها في المجلة الطبيعية ديسمبر من نفس السنة، ثم نشرته التي ظهرت في السنة التي تليها في الجريدة الفلسفية كذلك أمامي كتابه (الإلكترون) ' ولقد طالعنا هذه المذكرات في سنة 1928 عندما أتيحت لنا فرصة الاشتغال بالأبحاث الطبيعية في معامل البحث بالسوربون بباريس، وهأنذا أعيد مطالعتها كما أعيد مراجعة الكتاب المتقدم لنستطيع أن نحدث قراء (الرسالة) عن علم، بوصف تجارب مليكان الخالدة، تلك التجارب التي مهدت لها أعمال كثير من الباحثين أمثال تونسند وولسون وهم من أعلام مختبر كافاندش الشهير الذي يكون جزءاً من جامعة كامبردج المعروفة وغني عن البيان أننا سوف لا ننقل للقارئ خلاصة هذه النشرات العديدة التي برزت في تاريخ المعارف والتي عدها الكثير من العارفين خطوة موفقة من أكبر مفاخر العلم الحديث، فليس المجال هنا أن نلخص مسائل علمية يعد الدخول في تفاصيلها من الموضوعات الفنية التي لا تروق غير المختصين، وإنما غايتنا أن نعرض على القارئ صورة سهلة واضحة هي تلك التي تبقى في الذهن بعد طول المطالعة وتمثل حقيقة هذه الأسطورة التي تعد من أعظم ما نعرفه في العلم التجريبي وتوضح هذه التجربة التي حاولنا إعادتها في يوم لا زال عهدنا به قريباً.

وموعدي إذن مع القارئ الأسبوع القادم إذ احتاج إلى سبعة أيام لمراجعة أعمال هي عندي نتاج الإنسان الراقي لا عمل الإنسان المتوحش. ولَشدَّ ما يغلب على النفس نوع من الاطمئنان عندما تسوقنا الكتب إلى أعمال هؤلاء الأعلام، وثمة فارق كبير بين ما نستشعره في أعماقنا حيال مجهوداتهم وبين ما نلحظه في مجهودات هؤلاء المقاتلين، مهما كان السبب الذي يناضلون من أجله. ما أكثر تعاقب الحوادث هذه الأيام كل أسبوع تدخل فيه أمة في الحرب، ويخيل إليّ أن سبعة أيام لمطالعة (مليكان) فترة طويلة في هذا الزمن الكثير المفاجآت، فإذا لم يقفنا عن عملنا ظرف مفاجئ؛ وإذا ظل السلام مخيماً على ربوع مصر والبلاد الشرقية ناشراً لواءه على ذلك المسكن الواقع في هذه الجزيرة الهادئة بين النيلين، وإذا ظل النيل السعيد بهذا البهاء أرصده من هذا المكان، وظلت الدور هادئة كعهدنا بها، وظلت السعادة ترفرف على الربوع ودامت لنا رؤية أطفالنا هانئين مرحين، ولم تلجئنا الظروف إلى أن نبعث بهم إلى الريف البعيد - فإني مُعط أوقات فراغي هذا الأسبوع لقارئ الرسالة، أحدثه في المرة القادمة عن مكنون هذه النشرات ودخائل هذه الكتب، وسر هذه الأسطورة العلمية، وبذلك ربما فزت بأن أجعله يعجب بهؤلاء العلماء إعجابي بهم ويشيد معي بذكرهم.

عندما نطالع العمل المضني الذي قام به هؤلاء الأعلام ونطالع بعد ذلك أخبار الفواجع التي تغمرنا بها الجرائد وتبعث بها إلينا محطات الإذاعة المختلفة أشعر براحة في الأولى وامتعاض في الثانية

فإلى العلوم هذه الأيام العصيبة نقص لك منها أحب سيرها ليزيد إيماننا وإيمانك بمستقبل الإنسانية ومبادئ السلام والعدل. وعسى ألا تُفرَّقنا الأيام، فأظل أشتغل، وأظل أكتب إليك؟

محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم

المهندسخانة

-