مجلة الرسالة/العدد 31/في الأقصر. . .

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 31/في الأقصر. . .

مجلة الرسالة - العدد 31
في الأقصر. . .
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 02 - 1934


- 2 -

وقف القطار ضحى على محطة الأقصر. وأخذ الحجيج المدني يخطو على أفرزيها ذابل الأجفان، خاثر الأبدان، من تكسير السهاد أو تفتير الوسن. وكان قوم يستقبلون زوار الآثار، وقوم يستقبلون أطباء المؤتمر، فتدفق الركب المتجمع لدى الباب في وجهتين مختلفتين، وذهب بنا أولياء القطار إلى موائد الإفطار، فأصاب منها من أراد على قدر شهوته، ثم قسمونا إلى قسمين: قسم يزور (طيبة الأحياء) في الشرق، وقسم يزور (طيبة الأموات) في الغرب. وهل بقي لعمري في طيبة اليوم أحياء أو أموات؟! لقد ذهب الموت منذ بعيد بأحيائها إلى القبر، وذهبت الحياة منذ قريب بأمواتها إلى المتحف! فلم يبق منها على عدوتي الوادي غير أنقاض طفت على وجه القرون، وأبعاض بينها وبين الفناء صراع لا يفتر!

الأقصر مدينة رقيقة الحال تقوم على أطلال طيبة منا تقوم أعشاش الطيور على شُم الصخور! تسير في شوارعها القروية، وبين منازلها المتنافرة، فلا يستبي طرفك منظر فاتن، ولا يزدهي لبك مظهر غريب، فإذا استثنيت (ونتربالاس) وما تألق من الفن في فنائه وأبهائه، ومرفأ النهر وما ترقرق من الحسن في ظله ومائه. وشارع السلطان حسين وما تنسق على حفافيه من نخله وكهربائه، والجو الفاتر وما شاع من القوة في شمسه والحياة في هوائه، وجدت بلداً كأحقر بلاد الناس يعيش حاضره على ماضيه، وتذهب عينه على آثاره! ولكن وَلِّ ظهرك حضارة الأحداث، وتعال نسر وراء العم (ضاوي) في طريق الكرنك. وبين الأقصر والكرنك مدى من الزمان والمكان يتسع فيه الخيال ويسبح في أعماقه الخاطر. ومن الذي يستطيع أن يجول في مسارح الجبارين دون أن يتمثل هذا الفصل الذي افتتح به الأزل رواية العالم؟

فهنا منذ بضعة آلاف سنة نبتت في ظلال هذه الجبال إنسانية باكرة ترسل النظر الثقيل البطيء في هدوء واستقامة وبعد. ويصور لها عقلها الطفل ألوان التعاجيب والتهاويل من قوى الطبيعة الخفية، فتنحت الجبال قبورا، وتبتني الصخور قصورا، وتقيم لآلهتها الغلاظ من صم الجلاميد تماثيل ومحاريب يتضاءل أمامها الفن الحديث؛ وهنا منذ أربعة آلاف سنة كان الفكر الإنساني يقطع مرحلته الأولى بينما كان الرقاد الأزلي يغشى سائر الأرض، ويطير متثاقلاً عن جفون يونان وآشور.

وهنا سجل الزمن الواعي على ملس الغرانيت أولى صحائف الفكر، فألهمت اليهود والإغريق في الدين والفن والجمال في شتى ضروبه وصوره. وهنا كانت لبني الإنسان بداية حسنة، لولا أن طغيان الفرد المتحكم، وسلطان الدين المتعسف، قد جعلا لهذه البداية نهاية من الجور والإرهاق محزنة! فها نحن أولاء بين صفين من الكباش المسيخة الجاثية أمام معبد آمون. ومعبد أمون يتلو عليك وحده ان شئت نبأ القوم! فهو أكداس هائلة من ضخام الصخر تنافس في نقلها وركمها الجبابرة في خمسة عشر قرناً منذ سيتي الأول! منها أبواب وحجر، ومنها محاريب وتماثيل، ومنها مسلات وعمد؛ ومن ذلك كله ما هو قائم يتحذى بطوله السماء، وما هو نائم يفدح بثقله الأرض!

أنظر إلى هذه الغابة الكثيفة المخيفة من الأعمدة أتظن الشمس منذ أوقدها الله أشرقت على مثلها في الضخامة والبساطة؟ إلا يذكرك هذا العمود الذي تتفتح فوق هامته زهرة اللوتس العجيبة على علو خمسة وعشرين متراً بصرح (تيتان) الخرافي وأخوته؟

من الذي قطع هذه الأطواد، ووضع هذه الأوتاد، وشاد هذه الأروقة، ونحت من الصوان هذه الآلهة البكم، وخلد الملوك على هذه الحجارة الصم؟؟ هو شعب النيل الذليل البائس! بناها وبنى سواها على قفار الخبز وأُلهوب السوط ونزع الروح، ولا تستطيع أن تصدق وأنت ترى هذه المعجزات أن مصر كانت في مدى ثلاثين قرناً تعمل غير ذلك.

استعبدت فكرة الخلود عقول الفراعنة فاستعبدوا في سبيلها جسوم الشعب، وملكهم حب الآخرة فسخروا له حب الدنيا، وفتنهم متاع السماء فرصدوا له متاع الأرض، وأغرقوا في إعزاز النفس وإيثار الحياة وتقديس العظمة. فأنكروا حرمة العامة، وجحدوا قدرة الموت، وجهلوا معنى الضعة، وخلفوا لأجيال الأبد من يطمح كالملوك، يطمع كالكهنة، ويخضع كالسوقة!

لقد كنا نتجمع حول دليلنا الهاذي في أروقة هذا المعبد المحطم، نطن في أجوافه طنين البعوض باللحون المختلفة: نذكر أوائلنا الذين ارتجلوا للناس لفظ المجد، واقتحموا على الدهر باب الخلد فنزهى ونصلف؛ ونذكر أسلافنا الذين قامت على أشلائهم هياكل أمون، وفاضت بدمائهم بحيرة أوزيريس فنأسى ونأسف، ونذكر أمام ذلك الماضي الخالد حادز الكرنيش وحائط المحكمة المختلطة فنمضي ونضحك!!

أحمد حسن الزيات