مجلة الرسالة/العدد 305/التاريخ في سير أبطاله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 305/التاريخ في سير أبطاله

مجلة الرسالة - العدد 305
التاريخ في سير أبطاله
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 05 - 1939


أحمد عرابي

أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له

مكانة بين قواد حركتنا القومية؟

للأستاذ محمود الخفيف

واتفق الضباط وحلفاؤهم أن يسير عرابي على رأس الجيش إلى عابدين في اليوم التالي ليطالبوا الخديو بوضع حد لتلك الحال التي ضجت منها البلاد؛ وأرسل عرابي خطاباً إلى الخديو في صباح ذلك اليوم المشهود في قصر الإسماعيلية، وكان الخديو قد حضر في شهر سبتمبر إلى القاهرة، ينبئه فيه بما اعتزم أن يقوم به عصر ذلك اليوم!

يقول عرابي في مذكراته: (ولما كثرت دسائس الحكومة وبان ختلها وعزمها على اغتيالنا، أخذنا حذرنا منها، وسهرنا على إحباط تلك الدسائس المنكرة، وكان السير مالت مالت قنصل إنجلترا بمصر كثير التردد على الخديو ليلاً ونهاراً دون غيره من وكلاء الدول الأوربية، فأوجسنا من ذلك خيفة على مصير بلادنا، وخشينا من مطامع إنجلترا التي كانت ترمي إلى التهام وادي النيل أسوة بما فعلته فرنسا بتونس حتى يتم التوازن التي تدعيه أوربا؛ فعرضنا مخاوفنا على جلالة أمير المؤمنين ليحيط علماً بما كان جارياً في مصر ولكيلا يتورط في تصديق ما قد يصل إليه من دسائس أعداء البلاد. وذيلنا العريضة المذكورة بإمضائي وإمضاءات إخواني علي بك فهمي وعبد العال بك حلمي وأحمد بك عبد الغفار بالنيابة عن الجيش، وأحمد بك أبو مصطفى وأحمد بك الصباحي وعثمان باشا فوزي وغيرهم من وجوه الأمة بالنيابة عن جميع المصريين. . .)

وفي عصر ذلك اليوم 9 سبتمبر سنة 1881 تحرك الجيش يقصد عابدين؛ فحطت الثورة الوليدة أجرأ خطواتها وأبعد أثراً في تطور حوادث ذلك العهد.

وكان الخديو في قصر الإسماعيلية. فأرسل يستدعي السير أوكلند كلفن. ولما حضر سأله ماذا عسى أن يفعل في هذا الموقف. قال كلفن: (فنصحت إليه أن يقاوم؛ فقد أخبرني رياض باشا أن في القاهرة فرقتين مواليتين، لذلك أشرت على الخديو أن يدعوهما إلى عابدين مع ما يمكن الاعتماد عليه من الحرس الحربي، وأن يضع نفسه على رأسهما. فإذا ما وصل عرابي قبض عليه بشخصه. فأجابني أن لدى عرابي بك المدفعية والفرسان، وربما أطلقوا النار فأجبت أنهم لن يجرءوا على ذلك؛ ومتى توفرت له الشجاعة للمقاومة، وعرض نفسه شخصياً، فأنه يتسنى له أن يقضي على المتمردين، وإلا فأنه ضائع)

هذا ما أشار به كلفن، وما نراه في ذلك يدفع بالتي هي أحسن، وما نراه يحمل - كما يقول كرومر - إلى الخديو: (قسطاً من تلك الروح التي تحيي جنسه الإمبراطوري) وإنما نراه يلقي الزيت والحطب على النار حتى لا تبقى ولا تذر، وبعدها تقتنص الفريسة بدعوى إنقاذ البلاد من نار الفتنة. وما أظن ذلك القول محتاجاً إلى دليل. فهذا الذي يدعو إليه كلفن لو وقع لن يكون إلا حرباً أهلية شرها مستطير، وأمرها خطير:

وتوجه الخديو إلى عابدين قبل حضور الفرق، ومعه كلفن ورياض وستون باشا. فاستدعى علي بك فهمي رئيس الحرس، وأشار عليه بالدخول إلى القصر بفرقته والتحصن بالنوافذ العليا وقد نصح للجند بقوله: (أنتم أولادي وحرسي الخصوصي، فلا تتبعوا التعصب الذميم، ولا تقتدوا بأعمال الآلات الأخرى) فأطاع الجند وأخذوا يتأهبون.

وسار الخديو بعد ذلك إلى القلعة، ولكنه لم يجد من فرقتها مثل ما ظهر له من ولاء الفرقة السالف ذكرها. فسار إلى العباسية حيث كانت فرقة عرابي، ولكنه علم هناك أن عرابياً سار منذ ساعة على رأس جنده، ومعهم المدافع بطريق الحسينية إلى عابدين فقفل أدراجه إليها. . .

وتلاقى عرابي في ميدان عابدين بالفرق الأخرى بقيادة أحمد بك عبد الغفار وعبد العال بك حلمي وإبراهيم بك فوزي وفوده أفندي حسن وغيرهم من أنصاره، وأرسل عرابي يستدعي علي بك فهمي فحضر من داخل القصر فعاتبه فرد بقوله: (إن السياسة خداع) ثم ذهب فعاد بفرقته، وانضم إلى الجيش فأصبح القصر خلوا من كل عناصر المقاومة.

وتجمع وراء صفوف الجيش آلاف من أهل القاهرة الذين أخذتهم الدهشة لا ريب لهذا المنظر؛ واشرأبت أعناق الشعب التي طالما ألفت الذل، وتطلع من فوق أكتاف الجند، ومن خلال صفوف الفرسان لينظر ماذا يكون في هذا الوقف الرهيب؛ وأسم عرابي يجري على الألسن في حين تدور الأبصار باحثة عن موضعه، وهو على ظهر جواده أمام جنده يتأهب لمقدم الخديو ليسمعه كلمة مصر، كلمة الشعب الذي ألبس جده العظيم بالأمس الكرك والقفطان دون رجوع إلى السلطان. وما أعظم هذه الكلمة ينطق بها فلاح من أعماق الوادي نبت ونما على ثراه!

ووصل الخديو إلى عابدين بعد أن فشلت سياسة طوافه على الآليات، تلك السياسة التي تدل في ذاتها على منتهى الضعف، والتي لا يشفع له في اتباعها سوى أنها كانت آخر سهم في جعبته إن كان هذا شفيع. والحق أن الخديو قد لاقى في ذلك الطواف ما تنخلع له أفئدة أقوى من فؤاده. وحسبك أن فرقة القلعة قد ثارت في وجهه حينما أمسك بتلابيب قائدها مهدداً حتى لقد وضع العساكر الأسنة في بنادقهم بأمر من هذا القائد وتجمهروا حول الخديو حتى صاح بالقائد (أفسح لنا الطريق يا بكباشي).

ودخل الخديو السراي من باب خلفي. ويقول مستر كلفن إنه قفز من عربته وأشار على الخديو أن يسير توا إلى الميدان ففعل توفيق ذلك، وسار إلى حيث اجتمع الجند، ووراءه ستون باشا وأربعة أو خمسة من الضباط الوطنيين، وواحد أو اثنان من الضباط الأوربيين؛ ويذكر عرابي أنه كان معه المستر كوكش قنصل انجلترة بالإسكندرية والجنرال جولد سمث مراقب الدائرة السنية

وتقدم الخديو ثابت الخطى، فأشار عليه كلفن أن يأمر عرابياً بتسليم سيفه إذا ما دنا منه وأن يأمره بالانصراف ثم يطوف بعد ذلك على الفرق فيأمرها بمثل هذا الأمر

وسار عرابي على ظهر جواده حتى إذا اقترب من الخديو صاح به الخديو: (ترجل وأغمد سيفك). ففعل عرابي دون إبطاء، ومشى نحو الخديو ومن خلفه نحو ثلاثين ضابطاً فأدى التحية العسكرية

الموقف رهيب بالغ الرهبة! ففي هذا الجانب إذا نظرنا إلى حقائق الأمور نرى مصر التي أيقضتها الإحن والفواجع تتمثل في هذا الجندي الفلاح تحرى على لسانه كلمتها في غير التواء أو تلعثم؛ وفي الجانب الآخر صاحب السلطان والجاه الموروث، تغضبه هذه اليقضة وتذهله، مع أنه رآها منذ بدايتها ورأى أباه على جلالة قدره يوسع لها صدره ويخفض لها جناحه فيزداد بذلك رفعة. . . هنا الحرية الوليدة، والديمقراطية الجديدة؛ وهناك التقاليد العتيدة، والأوتوقراطية العنيدة؛ ومن وراء ذلك كله الثعالب وبنات آوى تتمسكن لتتمكن، وتتربص لتنقض!

والتاريخ شاهد يثبت للقومية المصرية موقفاً من أروع مواقفها، ومظهراً من أجل مظاهرها، ويضيف بذلك إلى صفحات الحرية في سجله صفحة جديدة لن تبلى الأيام جدتها، أو تبخس أغراض المبطلين قيمتها

همس كلفن في أذن الخديو: (هذه هي ساعتك) فأجاب الخديو: (نحن بين أربع نيران) فقال كلفن: (كن شجاعاً) فتهامس الخديو وأحد الضباط الوطنيين ثم التفت إلى كلفن قائلاً: (ماذا عسى أن أصنع؟ نحن بين أربع نيران، إنهم يقتلوننا)

ويحسن أن نورد ما حدث بعد ذلك على لسان عرابي كما جاء في مذكراته قال: (ثم صاح بمن خلفي من الضباط: أن اغمدوا سيوفكم وعودوا إلى مكانكم. فلم يفعلوا وظلوا وقوفاً خلفي ودم الوطنية يغلي في مراجل قلوبهم والغضب ملء جوارحهم. ولما وقفت بين يديه مشيراً بالسلام خاطبني بقوله: (ما هي أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟) فأجبته بقولي:

(جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة وكلها طلبات عادلة). فقال: (وما هي هذه الطلبات؟) فقلت: (هي إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوربي، وإبلاغ الجيش إلى العدد المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم بوضعها). فقال: (كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا). فقلت: (لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً وعقاراً، فوالله الذي لا إله إلا هو إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم)

فتلفت الخديو إلى كلفن قائلاً: أسمعت ما يقول؟) فأشار عليه هذا بالعودة إلى القصر إذ لا يجمل أن يزيد الأمر بينه وبين عرابي عن هذا الحد. فانصرف الخديو وبقى الجيش في مكانه لا يتزحزح

وأقبل مستر كوكش يناقش عرابياً في غلظة. ويخيل إلي أن هذا الرجل كان ممكن يحسنون دس أنوفهم في كل شيء وكان ذلك منه لغاية كان يخفيها! ومما وجهه إلى عرابي قوله: ألا حق له أن يطالب بالمجلس النيابي وإسقاط الوزارة فذلك من شأن الأمة، أما عن زيادة الجيش فمالية البلاد لا تساعد على ذلك ورد عرابي بقوله إن الأمة أنابت الجيش عنها. ثم وجه نظر محدته إلى الجموع المتراصة خلف الجند قائلاً هذه هي الأمة وما الجيش إلا جزء منها

فراح ذلك الإنجليزي يتهدد ويتوعد في فضول مخجل، ورد عرابي على ذلك بأنه لن يسمح لأحد بالتدخل في شؤون مصر الداخلية. وهنا سأل كوكش محدثه سؤالاً يتجلى فيه خبثه وقد ظن أنه به أحكم الرمية فقال: (وماذا تفعل إذا لم تجب إلى ما تطلب؟) فانظر إلى رد هذا الجندي في هذا الموقف الذي تخف فيه أحلام الرجال والذي تزدهي القوة فيه القلوب فتسلب ذوي العقول اتزان عقولهم! أنظر إلى عرابي في موقف الثورة يقول له: إنها كلمة لا أقولها إلا عند اليأس والقنوط)

وأخذ كوكش يروح ويغدو بين عرابي والخديو حتى جاءه آخر مرة ينبئه بقبول الخديو إسقاط الوزارة القائمة وأن سموه سينظر في بقية الطلبات فلا بد في بعضها من مشاورة السلطان؛ وقبل عرابي ذلك. فعرض الخديو على الجيش اسم حيدر باشا لرياسة الوزارة القادمة ولكنهم رفضوه؛ وجرى على الألسن أسم شريف، فعاد كوكش بعد حين يعلن إلى عرابي الخديو تعيين شريف باشا فقوبل ذلك بالهتاف بحياة الخديو. والتمس عرابي الإذن على الخديو، فلما وقف بين يديه أخذ يعبر له عن ولائه وولاء الجيش. وذكر له الخديو أنه وافق (على تلك الطلبات بنية صافية)؛ ثم انصرف الجيش بعد ذلك في هدوء كل فرقة إلى مركزها

هذا هو يوم عابدين الذي اعتبره خصوم عرابي من أكبر سيئاته، والذي نعتبره في غير مغالاة أكبر حسناته. وليت شعري كيف يغفل هؤلاء عما ينطوي عليه هذا الموقف من معان؟ إلا إنهم ليتغافلون ليطعنوا الرجل في أجمل مواقفه وأعظم خطواته، وهم إنما ينالون بذلك من أنفسهم دون أن ينالوا منه

طالب عرابي بالدستور فكان في طلبه هذا زعيم ثورة تقوم على أجل المبادئ التي شاعت في القرن التاسع عشر والتي اعتبرها المؤرخون والناس من أعظم خطوات البشرية وأجلها نحو الرقي والكمال فكيف يكون مع ذلك داعية فوضى واضطراب؟ ولقد كثرت في أوربا المواقف الشبيهة في معناها بهذا الموقف فسجلتها الشعوب في ثبت مفاخرها واعتبرتها من أيامها المشهودة التي سوف تمجد إلى الأبد ذكراها (يتبع)

الخفيف