مجلة الرسالة/العدد 3/بيت الراعي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 3/بيت الراعي

مجلة الرسالة - العدد 3
بيت الراعي
ألفريد دي فينيي
بتاريخ: 15 - 02 - 1933


للشاعر الفرنسي دفني

(3)

1. أيفا. من أنت؟ وهل لك من علم بطبيعتك؟ أتعلمين. لم خلقت وما هو واجبك في الحياة؟ أتعلمين أن الله لكي يعاقب الرجل (مخلوقه) على خطيئته الأولى إذ امتدت يده إلى شجرة المعرفة شاء أن يكون حبه لنفسه في كل زمان وفي كل أدوار حياته غرضه الأول. مهموم بحب نفسه مهموم بأن يرى نفسه.

2) ولكن إذا كانت إرادة الله شاءت أن تسكني إلى جانبه أيتها المرأة. أيتها الرفيقة الرقيقة. أيفا. أتعلمين السر في ذلك؟ إنما هو لكي يرى نفسه في مرآة نفس أخرى. إنما هو لكي يسمع تلك الأغنية التي لا يمكن أن تصدر إلا عنك. ذلك الفيض الإلهي الذي يتردد في هذا الصوت العذب. إنما هو لكي تقضي في أمره وأن كنت له أمة. لكي تحكمي في حياته وإن أخضعك لقوانبنه.

3. في أقوالك المرحة جبروت المستبد. في عينيك سطوة القوة، وفي مرآك أمارة السلطان، حتى لقد شبه ملوك الشرق في أغانيهم نظراتك في هول وقعها بنزول الموت. كل يحاول جهده أن يثني من أحكامك المتسرعة. على أن قلبك الذي يكذب جسارة مظاهرك سريع ما يخضع لضربات القدر من غير مقاومة ولا دفاع

4. لعقلك وثبات كوثبات الغزال، إلا أنه لا يستطيع السير من غير مرشد ولا معين. الأرض تدمي قدميه، والهواء يضني جناحيه، وعينه يعشو بصرها عن ضوء النهار إذا سطع لألاؤه. وإذا اتفق أن سمت به الفكرة في دفعة من دفعات حماستها إلى مستقر علوي اضطربت بها الرياح وعجزت عن أن تمسك نفسها من غير خوف ولا ضجر.

5. ومع ذلك فليس فيك مافينا من خصائص الجبن إذ تتردد صيحات المظلوم في قلبك، ويدق بها نبضه كالأرغن في سكون الكنيسة المطبق، يتأوه متألماً كأنه يرجع صوت ألم تلقاه. للهيب ألفاظك تتحرك الجماهير وبدموعك تمحي آثار كل إهانةونكران للجميل. بيمينك تهزين الرجل فينهض وسلاحه بيده.

6. إليك يجمل أن تنتهي كبريات الشكوى التي تأن منها البشرية الحزينة. عندما يتضخم القلب بالموجدة نرى هواء المدن يكاد يخنقهكلما دق، ومع ذلك تسمو تنهداته إلى ما فوق الدخان الأسود لتنعقد كلمة واحدة نسمعها بوضوح.

7. تعالي إذن. ما السماء عندي إلا إطار تخيط بك زرقته. ويغمرك ضوؤه ويحميك جداره، ما الجبل إلا معبدك والغابة قبابه. العصفور فوق الزهرة لا ترنحه الرياح والزهرة لا ينبعث أريجها والطائر لا يجري أنينه إلا ليصفوا الهواء الذي تستنشقين. ما الأرض إلا بساط لقدميك الجميلتين كأقدام الطفل.

8. أيفا: سأحب كل مخلوق، وسأتأمل في نظراتك الحالمة التي ستنشر في كل ناحية أضواءها المتعددة الألوان فتنشر معها لذتها السحرية وسكونها الضاحك. تعالي ضعي يدك الطاهرة على قلبي الممزق. لا تتركيني وحيداً مع الطبيعة لأنني أعرفها حق المعرفة لكي لا أخشاها.

9. أراها تخاطبني قائلة: ما أنا إلا ذلك الملعب الذي لا تحركه أقدام اللاعبين. درجاتي الزمردية وساحاتي المرمرية وأعمدتي الرخامية صاغتها يد الله. هيهات أن أستمع إلى صيحاتكم أو إلى تنهداتكم بل ما أكاد أحس بالمهزلة الإنسانية التي تمر فوق ظهري باحثة لها عبثاً عن متفرجين بُكْمٍ في السماء.

10. فأنا أطوي البشر بجانب من غير أن أسمعهم أو أبصرهم كما لا أميز بين أجحار النمل ومسحوق رفات الإنسان. لا علم لي بأسماء الأمم التي أقلها. يسمونني أمهم وما أنا إلا قبرهم. شتائي يلتهم أموتهم قربانا له، وربيعي لا يستمع لصلوات غرامهم.

11. لقد كنت قبل أن توجدوا دائماً معطرة وجميلة يوم كنت أترك للرياح شعوري المنحلة، وأسلك في السماء طريقي المعتاد فوق قب الميزان ذي الكفات الإلهية. فلما وجدتم ذهبت وحيدة في صمت رهيب أعبر الفضاء الذي تتقاذف فيه الكائنات، وأشق الهواء بجبهتي وثديي الناهدين.

12. هكذا تخاطبني الطبيعة في صوت حزين متعال، وأنا أبغضها في نفسي وأرى دمنا في أمواج مياهها، وجثث موتانا تحت حشائشها تغذي بعصيرها جذور غاباتها. وأقول لعيني اللتين قد ترياني فيها جمالا (حولا نظراتكما إلى غيرها) وأسكبا دمعاتكما على سواها. ليكن حبكما لما سوف لا تريانه مرتين.

13. آه! تُرى من سوف يشاهد جمالك ورقتك مرتين أيها الملك الشاكي الذي يتكلم بتنهداته؟ ترى من سوف يولد مثلك حاملا قبلة كما تحملين فيما ترسله عيناك من بارقات النظر في ترنحات رأسك المنكس. في هذا القد المضني الساكن في دعة إلى فراشه، ثم في تلك الابتسامة النقية النقية التي تفيض بالحب والألم.

14. عيشي أيتها الطبيعة، وعيشي إلى الأبد فوق أقدامنا وفوق جباهنا مادامت تلك سنتك؛ عيشي وأحتقري (إن كنت ربة حقاً) الإنسان، ذلك العابر سبيل الذي كان من المقدر أن يقوم عليك ملكاً، فإنني أحب جلال الألم البشري فوق ما أحب ملكك ومظاهره الكاذبة. هيهات أن تنالي مني صيحة حب!

15. ولكن أنت أيتها السائحة المتهاونة! أما تريدين أن تضعي رأسك فوق كتفي وتستسلمي لأحلامك؟ تعالي نشاهد ونحن على مدخل منزلنا المتحرك من مرَّ ومن سيمر من البشر. لسوف تدب الحياة فيما يحمله إلى الشعر من صور الإنسانية عندما تمتد أما منزلنا آفاق الأرض الصامتة إلى غاياتها البعيدة.

16. وهكذا نسير غير تاركين وراءنا فوق تلك الأرض العاقة التي مر عليها أمواتنا من قبل إلا شبحنا. سنتجاذب الحديث عنهم عندما تظلم الآفاق، ويحلو لك أن تسلكي سبيلا ممحوا لتستغرقي في أحلامك مستندة إلى الأغصان الضئيلة باكية حبك العابس المهدد كما بكت (ديانا) على شواطئ تبعها.

محمد عبد الحميد مندور. عضو بعثة كلية الآداب بباريس