مجلة الرسالة/العدد 293/رسَالة الشِّعر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 293/رسَالة الشِّعر

مجلة الرسالة - العدد 293
رسَالة الشِّعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 13 - 02 - 1939


ابنة الفجر

للأستاذ إيليا أبو ماضي

حينما يغمض الحِمام جفوني ... ودوي صوت مصرعي في المدينة

وتمشي في الأرض داراً فداراً ... فسمعتِ دويه ورنينه

لا تصيحي وا حسرتاه لئلا ... يدرك السامعون ما تضمرينه

وإذا زرتني وأبصرت وجهي ... قد محا الموت شكه ويقينه

ورأيت الصحاب جاثين حولي ... يندبون الفتى الذي تعرفينه

وتعالى العويل حولك ممن ... مارسوه وأصبحوا يحسنونه

لا تشقي عليّ ثوبك حزناً ... لا ولا تذرفي الدموع السخينه

غالبي اليأس وأجْلسي عند نعشي ... بسكون إني أحب السكينة

إن للصمت في المآتم معنى ... تتعزى به النفوس الحزينة

ولقول العذال عنك (بخيل) ... هو خير من قولهم (مسكينة)

وإذا خفت أن يثور بك الوج ... د فتبدو أسرارنا المكنونة

فارجعي واسكبي دموعك سراً ... وامسحي باليدين ما تسكبينه

يا ابنة الفجر من أحبك ميت ... ولأنتِ بمثل هذا رهينة

زايل النور مقلتيه وغابت ... تحت أجفانه المعاني المبينة

فأصِيخي هل تسمعين خفوقاً ... كنت قبلاً في صدره تسمعينه

وانظري ثم فكري كيف أمسى ... ليس يدري عدوه وخدينه

ساكتاً لا يقول شيئاً ولا يس ... مع شيئاً وليس يبصر دونه

لا يبالي أأودعوه الثريا ... أم رموه في حمأة مسمومة

وإذا الحارسان ناما عياء ... ورأيتِ أصحابه يتركونه

فتعالي وقبلي شفتيه ... ويديه وشعره وجبينه

قبل أن يسدل الحجاب عليه ... ويوارى عنكِ فلا تبصرينه

واحذري أن تراك عين رقيب ... ولئن كان حل ما تحذرينه فإِذا ما أمنت لا تتركيه ... قبلما يفتح الصباح جفونه

وإذا الساعة الرهيبة حانت ... ورأيتِ حراسه يحملونه

وسمعت الناقوس يقرع حزناً ... فيرد الوادي عليه أنينه

زودي الراحل الذي مات وجداً ... بالذي زود الغريب السفينة

نظرة تعلم السموات منها ... أنه مات عن فتاة أمينة

طوت الأرض من طوى الأرض حياً ... وعلاه من كان بالأمس دونه

واختفى في التراب وجه صبيح ... وفؤاد حر ونفس مصونة

وإذا ما وقفت عند السواقي ... وذكرت وقوفه وسكونه

حيث أقسمت أن تدومي على العه ... د وآلى بأنه لن يخونه

حيث علمتِه القريض فأمسى ... يتغنى كي تسمعي تلحينه

فاذكريه مع البروق السواري ... واندبيه مع الغيوث الهتونة

وإذا ما مشيت في الروض يوماً ... ووطأتِ سهوله وحزونه

وذكرت مواقف المجد فيه ... عندما كنت بالهوى تغرينه

حيث علمته الفتون فأضحى ... يحسب الأرض كلها مفتونة

حيث وسدته يمينكِ حتى ... كاد ينسي شماله ويمينه

حيث كنتِ وكان يسقيك طوراً ... من هواه وتارة تسقينه

حيث حاك الربيع للروض ثوباً ... كان أحلى لديه لو ترتدينه

فالثمي كل زهرة فيه إني ... كنت أهوى أزهاره وغصونه

ثم قولي للطير مات حبيبي ... فلماذا يا طير لا تبكينه

وإذا ما جلست وحدك في اللي ... ل وهاجت بك الشجون الدفينة

ورأيت الغيوم تركض نحو الغ ... رب ركضاً كأنها مجنونة

ولحظت من الكواكب صداً ... ونفاراً، وفي النسيم خشونة

فغضبتِ على الليالي البواقي ... وحننت إلى الليالي الثمينة

فاهجري المخدع الجميل وزوري ... ذلك القبر ثم حيّي قطينه

وانثري الورد حوله وعليه ... واغرسي عند قلبه ياسمينة (الولايات المتحدة)

ايليا أبو ماضي