مجلة الرسالة/العدد 285/أمر؟!!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 285/أمر؟!!

مجلة الرسالة - العدد 285
أمر؟!!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 12 - 1938


من زينب الحكيم إلى توفيق الحكيم

هناك في حلوان على يسار الداخل إلى الجهة اليمنى (الشرقية) من الحديقة (اليابانية) يرى الزائر: جانباً من الحديقة منسقاً بفكرة خاصة؛ حيث هيئت بركة مائية على شكل حدوة الحصان من قاعها، وينتهي وسطها بزاوية حادة من أعلى حواشيها.

وأقيم كشك على شكل مظلة، على الأرض التي تتوسط البركة من الطرف المفتوح من الحدوة، وقد زين هامشها بالزهور وسياج من السلك الشائك. ووضع تحت المظلة مقاعد خشبية، جلست على مقعد منها، بحيث أتمكن من رؤية البركة كلها وما يحيط بها.

نسق هذا الجزء من أرض الحديقة، على شكل سهل يرتفع بالتدريج، إلى ربوة منحدرة خضراء، شيدت على قمتها مظلة مثل التي أجلس تحتها. أما حواشي البركة فترتفع من الجهة اليمنى، وتنخفض من الجهة اليسرى تبعاً لطبيعة ذلك الجزء من الأرض. وأقيم على حافتها من الجهة الشمالية الشرقية، عدة تماثيل طوبية اللون (أي أشبه بلون طوب البناء الأحمر الضارب إلى الصفرة).

والذي استرعى انتباهي هو اتحاد جميع التماثيل في الشكل والنوعية والفن. ولم يشذ منها إلا تمثال واحد، تبينت أنه لسيدة، وهو أكبر حجماً.

أحصيت تمثال الرجل الواحد فوجدتها ثمانية وأربعين تمثالاً، صُف ستة عشر منها على حافة البركة اليمنى، ثم يأتي تمثال السيدة، ويتبعه على الجهة ذاتها اثنا عشر تمثالاً يقع موضع آخر واحد منها في وسط هامش البركة. ثم يتبعه في اتجاه مقابل من الجهة اليسرى عشرون تمثالاً.

ما عسى أن يكون المعنى الذي يشير إليه هذا الوضع؟ إنه يشبه مجلساً ملكياً ترأسه ملكة وهؤلاء مستشاروها. لكن الغريب في هؤلاء المستشارين أنهم جميعاً سواسية في الجلسة والهيئة والسحنة والرداء وكل شيء، حتى تلك الدائرة الصغيرة البارزة الموضوعة على جباهها. ورءوسها كلها عارية خالية من الشعر، أما رأس الملكة فتغطيه جدائل سميكة من الشعر، مصففة بشكل يحيط الرأس ويغطي الجبهة حتى تلك الدائرة الصغيرة البارزة في وسطها.

عجيب هذا - وما معناه -؟ الكل يرتدي ثوباً منسدلا منسجما عليه بنظام واحد كون شبه قلادة حول العنق تتدلى إلى الجزء الأعلى من البطن، أما عند السيدة فتنحدر قليلاً إلى أسفل. ووضعت اليدان متقابلتين على الحجر فوق الركبتين، والراحتان منقبضتان في يسر، والإبهامان ملتصقين، وشكلها كما لو كان الإنسان يفكر في شيء مهم يشغل كل انتباهه وجميع حواسه. فالتماثيل كلها مسبلة الجفنين، مطبقة الشفتين، تومئ قليلاً إلى أسفل، وتتجه جميع الوجوه إلى الأمام.

عجيب هذا الأمر الذي جعل من تسع وأربعين شخصية مختلفة شخصية واحدة، كأنما تنازلت عن ذواتها في سبيل هذا الأمر الواحد، فظهرت كلها متحدة متشابهة! أو لعلها شخصية واحدة نحت لها ثمانية وأربعون تمثالا وراءها تمثال لسيدة لا يختلف عنها كثيراً!

وأنت أيتها السيدة، منصرفة إلى تفكير عميق مثلهم، لا تمتازين إلا بشيء آخر غير الشعر، وهو أن يديك وإن كانتا تشابهان باقي الأيدي في وضعها إلا أنهما شاذتان عنها في نوع القبضة وتقابل الإبهامين، حيث يدل منظرها على تمسك برأي أو بمبدأ. وكأنما تعرضين هذا الأمر على مجلسك فيقبله مستشاروك بروح سلام وإعمال فكر، بدت آثاره على محياهم، وانصرف جميعهم إلى التفكير العميق فيه بلا انقطاع؛ ويلوح أن الكل مشبع بروح الود والإخلاص والتضحية، والرأي لم يبرز نتاجه بعد، ولم يتم حكمه.

ترى ما هذا الأمر الذي لا يترك أثراً للتأفف على الوجوه، ولا على السلوك؟!

هاهي ذي الشمس تشع، ويسطع نورها على التماثيل التسعة والأربعين فيعمل اختلاف مسقط الظل عمله، فتظهر التماثيل المتحدة، بأشكال وسمات مختلفة؛ وبذلك تنعكس طبائع النفوس على حقيقتها وإن اتسمت كلها بسمة واحدة ووضع واحد ونوعية واحدة في ظاهرها. إن فن المنظور يحتم تضاؤل أو تعاظم هذه التماثيل بالنسبة لارتفاع المواضع أو انخفاضها، وبالنسبة لبعدها أو قربها. وهاهي ذي عين الإنسان، تتغير نظرتها وتتبدل، بالنسبة لهذه التماثيل مرات في وقت قصير.

الشمس تحجبها السحب، فيظهر المنظر كله من نوع آخر ومعنى آخر. وإذا ماء البركة الذي كان يتماوج ويوحي الفلسفة، ويدعو إلى التفكير ويستلهم منه مجلس التماثيل الاستشاري الصامت إلهامه من لحظات مضت - قد تسرب، وظهر قاع البركة جافاً، إلا من بضع نقر بها أوشال من الماء هنا وهنا. ولكن التماثيل لا تزال هي هي، في وضعها وسماتها، تومئ إلى تلك البركة في رخائها وجدبها، وارتفاعها وانخفاضها، وطهرها وأسنها.

وعقلية تلك التماثيل ومنطق وضعها الدال على فكرة خاصة ومقصد مبهم، لا تزال جادة في تفكيرها وتدبيرها لذلك الأمر الواحد.

ترى ما هو؟!

الطبيعة الصامتة تكوّن بيئة فخمة لذلك المجلس الصامت. العشب الزبرجدي يكسو الربوة العظيمة التي خلف الملكة وحاشيتها من الناحية اليمنى، والشجيرات الأرجوانية الزهر، نامية رابية وراء الصف المقابل من التماثيل في الناحية اليسرى، ويهتز مع النسيم ورق وغصون الأشجار العالية خلفها جميعاً، والشجيرات الخضراء التي بين كل تمثال وآخر، تحمل قليلاً من الزهر الأبيض النقي، يضع أوسمة على صدور بعض التماثيل، وتمسح غصون لطيفة خضراء على رؤوس البعض الآخر أو تظللها.

ويحجب بعض التماثيل كلها أو أجزاء منها عن ناظري الأشجار المشذبة المتناثرة هنا وهنا؛ والطيور تحلق وتغرد، وتهبط وتصمد، والزوار يغدون ويروحون منهم المفكر واللاهي، والمستشفي والساعي، ومنهم الطفل ومنهم الكهل.

كلها مناظر وأوضاع تستدعي الانتباه واليقظة، ولكن يخرجني من هذا كله صوت ذلك الناقوس البعيد، فأنظر إلى السماء فإذا بها السماء بزرقتها وسحبها وطيورها، وانظر إلى الأرض، فإذا بها الأرض بترابها وأحجارها، ومائها ودوابها وأشجارها.

وأنظر إلى ما حولي، فإذا بي أرى المجلس الصامت بين الطبيعة الصامتة، والكل وراء أمر غامض.

ترى ما هو؟!

وأنظر أخيراً إلى ساعتي، فإذا بها الواحدة، ووقت الغداء في الفندق قد حان، فأنصرف مسرعة إلى الحياة العملية التي لا نصيب منها إلا كسرة بها نقتات، وخرقة بها نحتمي.

أما التفكير، وأما الفلسفة، وأما التصوير - فليغير هذا العالم.

زينب الحكيم