مجلة الرسالة/العدد 273/الكتب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 273/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 273
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 09 - 1938


وحي بغداد

للدكتور زكي مبارك

يظهر في الأسبوع المقبل كتاب جديد للدكتور زكي مبارك أسمه (وحي بغداد) والى القراء فاتحة هذا الكتاب

أما بعد فقد كتب الله تباركت أسماؤه أن يجعلني من الموفين بالعهد: فأخرجت كتاب (ذكريات باريس) تحية لمدينة النور التي اتصلت بها نحو خمس سنين، واليوم أخرج كتاب (وحي بغداد) تحية لمدينة الرشيد التي اتصلت بها نحو تسعة أشهر قضيتها في يقظة عقلية أوحت إلى قلمي ألوف الصفحات

وكنت نظرت فرأيت كتاب (ذكريات باريس) أوحى إلى فريق من الكتاب أن ينشئوا المؤلفات عن العواصم الغربية أمثال باريس ولندن وبرلين، وأنا اليوم أرجو أن يكون كتاب (وحي بغداد) سنّة حسنة لمن يعيشون في العواصم الشرقية عساهم يحببون العرب والمسلمين في بلادهم بما يبتكرون من شائق الوصف ورائع الخيال

وقد عجب ناس من وفائي لأهل العراق واهتمامي بتسجيل ما لهم من محامد ومناقب، وكنت أستطيع أن أقول إني عشت في العراق معلماً، ومن واجب المعلم أن يبرز المحاسن ليقوّي الروح المعنوي في تلاميذه ويسوقهم إلى ميادين الجهاد. كنت أستطيع أن أقول ذلك، ولكني في الواقع لم أر من أهل العراق غير الشهامة والنبل والوفاء؛ ويسرني ويشرح صدري أن أقول كلمة الحق في تحية من يعيشون في أنس بزهرات بغداد ونخلات البصرة وسمكات الفرات

وسيأتي يوم يعذرني فيه من اتهموني بالإسراف في حب البلاد التي عرفت بكاء الحمائم وظلام الليل

سيعرف إخواني في مصر أني بنيت لهم صرحاً من الوداد في وطن نبيل هو العراق

سيعرف إخواني أن غيرتي على سمعة العراق ستضاف إلى المحامد المصرية، وسيقول المنصفون إن المصري حين يغترب لا ترى عينه غير الجميل من شمائل الرجال

وهل كنت أملك أن أذكر العراقيين بغير الثناء؟ لقد نُظِمَتْ في تكريمي هناك قصائد وخط ومقالات لو جُمِعتْ لكانت مادة كريمة لكتاب نفيس، فبأي وجه ألقى الله إذا ذكرت العراق بغير الجميل؟

كنت أعرف أن أيامي قصيرة في العراق فتجشمت ما تجشمت لأزور أشهر الحواضر العراقية، فكانت فرصة عرفت فيها كيف يلتاع من يفارق حواضر العراق؟

يا ليت ماء الفرات يخبرنا ... أين استقلت بأهلها السفنُ

ولا يعلم إلا الله كيف رحلت عن البصرة والحلة والنجف والموصل وكركوك وكربلاء

لا يعلم إلا الله كيف أخفيت يوم الفراق عن أصدقائي في بغداد

لا يعلم إلا الله كيف أخفيت نيتي عن تلاميذي فلم أخبرهم أن التسليم عليهم يوم الرحيل هو آخر العهد

لا يعلم إلا الله كيف انخلع قلبي وأنا أنظر إلى دار المعلمين العالية آخر نظرة، وألقي عليها آخر سلام

وإذا كانت شواغلي بمصر قضت بأن أعتذر عن المضيّ في خدمة تلاميذي بالعراق فسأتعزى عن فراقهم كلما تذكرت أني أوقدت في صدورهم جذوة لن تخمد أبداً، وسيصيرون بإذن الله من أشرف خدام العراق

والعهد بيني وبينهم أن نقضي العمر كله أوفياء للحق والواجب، وألا نرى المغانم في غير طهارة الضمائر وسلامة القلوب

هذا كتاب أوحته بغداد، وفيه ما في جوّ بغداد من طغيان الرفق والعنف، وصولة العقل والفتون

هو كتاب سيّرقَم على وجه الدهر وجبين الزمان

هو كتاب سيسعد به قوم ويشقى به آخرون

ولكنه سيظل أثيراً لدى بغداد، لأنه من وحي بغداد

زكي مبارك