مجلة الرسالة/العدد 272/حول تيسير القواعد العربية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 272/حول تيسير القواعد العربية

مجلة الرسالة - العدد 272
حول تيسير القواعد العربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 09 - 1938


للآنسة أمينة شاكر فهمي

سيدي الأستاذ صاحب (الرسالة):

تحية وسلاماً. أما بعد فلقد تتبعت بشغف واهتمام مقالات الأستاذ الفاضل (أزهري) عن تيسير قواعد الإعراب إلى أن تم بحثه من عملية التيسير والتغيير، فدهشت جداً لما جاء في مقاله الأخير من تطبيق؛ وما كنت أظن أن موجة التبديل والتحوير تطفو يوماً على اللغة وتمسخها بهذا الشكل الذي ينكره كل مخلص للعربية. فمهما فشت عملية التمدين والتقليد فلا ينبغي أن تمس اللغة التي هي فوق كل المشكلات الاجتماعية والحزبية والعلمية أيضاً. إن لدينا مشاكل عدة أحوج إلى الإصلاح والتيسير من لغتنا المقدسة

نعم إننا نعيش في عصر السرعة التي وفدت إلينا من أمريكا، ولكن غريب أن تطغي السرعة على قواعد اللغة والإعراب فتختصره بهذه الصورة المدهشة التي يقدمها الأستاذ أزهري في بحثه الأخير. فقد اختصر الإعراب وحذف منه حتى كدت لا أتعرفه، وخيل إلي أنني أقرأ لغة أجنبية

غريب أن يتأثر الأزهريون بحياة السرعة الأجنبية فيستعملوها حتى في اللغة وهم حماتها من كل اعتداء. وإني أرجو سيدي الفاضل صاحب (الرسالة) أن يأذن لي بنشر ملحوظتي هذه ربما كان بها شيء من الصحة

لست أدري سبباً لكل هذه الضجة الهائلة على قواعد الإعراب واللغة ومحاولة تيسيرها، وليست اللغة بحاجة إلى تيسير، وإنما التيسير لازم للأسلوب الذي تلقن به اللغة للنشء والكيفية التي تقدم بها إلى التلاميذ. فلا داعي لأن تقوم جماعة الأدب الرسمي بإبدال وتغيير وتحوير وحذف هو أقرب إلى التعقيد منه إلى التيسير، فتضيع معاني الجمل، ويستحيل على التلميذ تفهمها إلا إذا حفظها حفظاً. والإعراب لا يحفظ، بل هو تحليل معنوي للجمل والكلمات.

وكأن اللغة لم يكفها ما نالها من جماعة الأدب الرسمي حتى جاءت الآنسة ابنة الشاطئ تملأ صفحات الأهرام بدفاع عن كل ما تجريه الجامعة من تغيير في اللغة سواء أكان ذلك حقاً أم باطلاً. وفي رأيي أن الفلاح وقضيته أحوج إلى دفاع الآنسة الفاضلة من اللغ وأخيراً جاء الأستاذ الفاضل (أزهري) يبحث في تيسير قواعد الإعراب ويتحفنا بدراسات تكاد تكون قيمة لو لم يناقض نفسه بنفسه ويزيد في تعقيد الإعراب، ثم يأتي بتطبيق غريب لا يتفق وقواعد اللغة. فكيف نعلم التلميذ إعراباً مخالفاً لما حفظناه من قواعد؟ وهل تغير كل قواعد اللغة كي تطابق الإعراب الحديث؟

يقول الأستاذ في مقاله الرابع: (إن الحرف لا حظ له من الإعراب أصلا). ثم يعرب (في، ومن، والباء) بأنها حروف جر مجزومة بالسكون أو مجرورة بالكسرة. ولفظة مجرور ومجزوم لا تستعمل إلا للألفاظ المعربة. والحروف كلها مبنية، فكيف نعلم التلميذ أن الحروف كلها مبنية ثم نقول له إن (في) حرف ولكنه حرف مجزوم؟! ثم ما هي العوامل التي جزمت أو جرت (في، ومن، والباء؟) هل سبقت بحرف جر أو جزم؟ أم كان موقعها في الجملة دافعاً لجرها وجزمها، مع العلم أن حروف الجر لا محل لها من الإعراب؟!

فكيف يتسر للطالب فهم هذه المتناقضات؟ وما المانع من أن نلقنه إعراباً مطابقاً لما جاء في كتب القواعد - من أن الحروف كلها مبنية، وأن (في) حرف جر مبني على السكون - كي تطبق القاعدة على الإعراب؟ وإلا وجب أن نغير القاعدة فنقول إن الحروف معربة وإنها تجزم وتجر وتنصب وترفع حسب موقعها في الجملة وما يتقدمها من عوامل؟! وفي هذا من الشذوذ والاضطراب مالا حد له

يقول حضرة الأستاذ في التطبيق الأول:

ألا إن قلبي لدى الظاعنين ... حزين فمن ذا يعزي الحزينا؟

(قلبي) مبتدأ منصوب. وباب المرفوع في كتاب النحو يثبت أن المرفوع من الأسماء المبتدأ والخبر واسم كان وخبر إن. . . الخ. فكيف يفهم الناشئ وقد حفَّظناه أن المبتدأ دائماً مرفوع - ثم نعلمه إعراب مبتدأ منصوب؟ فمتى يكون المبتدأ منصوباً ومتى يكون مرفوعاً؟ وهل نترك التلميذ المسكين يتخبط في هذه الظلمات أم نخترع له قاعدة جديدة تفهمه الحالات التي يكون المبتدأ فيها مرفوعاً أو منصوباً، وربما يكون مجروراً أيضاً؟ ثم نحذف القاعدة العتيقة التي تنص على أن المبتدأ يجب دائماً أن يكون مرفوعاً ونستبدل بها قاعدة (مودرن). وما الدافع يا ترى - وقد غرسنا في أذهان الطلبة أن إن وأخواتها تنصب الاسم - أن نحذف هذه القاعدة. فبدل أن نعلمهم إعراب (قلبي) اسم إن منصوب لأن القاعدة تنص على أن اسم إن وأخواتها دائماً منصوب - إذ نقول إنه مبتدأ منصوب وقد حفظ التلميذ أن لفظة (مبتدأ) لا يليها إلا كلمة (مرفوع) ولفظة (اسم إن) لا يليها إلا كلمة (منصوب)؟!

وليسمح لي سيدي الأستاذ الفاضل أن أقول إنه أسرف في اختصار الإعراب إلى درجة التشويه والتعقيد. فإن هذا الاختصار لا ييسر الإعراب بل يزيد في اضطراب التلميذ وتعقيد المعنى عليه. ففي اختصار إعراب (إن) وحذف ذكر عملها ينسى التلميذ أن الاسم الذي يليها يجب أن يكون منصوباً. ولا بد أن يستفيد التلميذ من تكرار ذكر هذه القواعد أثناء الإعراب فترسخ في ذهنه. وفي الإعادة إفادة.

ثم ما رأي الأستاذ في الضمائر؟ هل من رأيه أن نحذف لفظة (ضمير) من اللغة؟ فما باله يختصر إعراب الياء في (قلبي)؟ فهل يرهق التلميذ أن يقول ياء المتكلم ضمير متصل - لأن في اللغة ضمائر منفصلة - مبني على السكون - لأن كل الضمائر مبنية - في محل. . . فيطبق ما حفظ من قواعد على الإعراب.

أما (الظاعنين) فيجب على التلميذ أن يذكر أن علامة الجر هي الياء لأنه جمع مذكر سالم، إذ من الضروري تعليل كل حركة كي يطبق القاعدة على الإعراب وتثبت في ذهنه. أما إن اقتصر على أن (الظاعنين) مجرور بالياء فربما استغلق عليه المعنى وظن أن كل ياء علامة جر. وليس بمستبعد أن يظن أن ياء (غَنِيّ) علامة جر. وأذكر مرة إعراب تلميذ كلمة (لسان) إذ قال اللام حرف جر وسان مجرور باللام!

ويترك الأستاذ النون معلقة في الهواء. فكيف تنتظر أن يعرف التلميذ شيئاً عنها؟ ثم نشكو اللغة وصعوبتها ونعيب ما بها من تعقيد.

وأخشى أن تضيق صفحات الرسالة عن التحدث عن باقي التطبيق. وأكتفي بذكر فعل (ساد) في التطبيق الثاني للأستاذ (أزهري) إذ يقول إنه فعل ماض منصوب. والفعل الماضي دائماً مبني ولفظة منصوب لا تطلق إلا على المعرب من الأفعال وغيرها. فما هو الضرر من القول إنه فعل ماض مبني على الفتح؟

فإن كان قصد حضرات علماء اللغة من تيسير القواعد والإعراب هو اختصار الإعراب فإني أرى هذا الاختصار يزيد في ارتباك التلميذ. وأؤكد هذا بعد تجارب عدة قمت بها في تدريس القواعد والإعراب سنين عدة. ولقد نجحت في تدريس القواعد والإعراب بالتطويل وتعليل وتحليل كل حركة وكل شاذة عن القاعدة. وكانت حصة القواعد أقرب إلى حصة إثبات وتعليل وبحث وتطبيق منها إلى حصة دروس نحوية جافة.

إن ضعف الطلبة في اللغة العربية لم ينتج عن عيب في اللغة أو تعقيدها، بل ليسمح لي حضرات علماء اللغة أن أصرح أنه ناتج عن فساد طريقة التعليم، وأن مدرسي اللغة أحق بالعناية والتيسير من اللغة. ولله در من قال:

نعيب زماننا والعيب فينا. . .

وإنني واثقة أنه لو وجه حضرات المشتغلين بالتيسير اهتمامهم إلى مدرسي اللغة في كل المدارس وحاولوا أن تكون طريقة إلقاء الدروس النحوية والتطبيق على أسلوب التحليل والتعليل بسهولة وسلاسة لزال كل ما يشكو منه الطلبة من صعوبات وسلمت اللغة من خطى عملية التيسير.

وخير لنا ألا نستعمل السرعة الأمريكية في تغيير قواعد اللغة والإعراب، فإن هذا عمل أخطر من أن يتم في هذه المدة الوجيزة وبهذه السرعة.

فنحن مسئولون أمام العالم الشرقي كله عن كل حرف يحذف أو يضاف إلى اللغة، وعن كل تغيير في كتب القواعد التي تثبت أجيالاً مضت ولم نثبت بعد خطأها ولم نأت بأحسن منها.

أمينة شاكر فهمي