مجلة الرسالة/العدد 272/بين اللغة والأدب والتاريخ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 272/بين اللغة والأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 272
بين اللغة والأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 09 - 1938


الفالوذج

للأستاذ محمد شوقي أمين

- 2 -

صلاحية معجزة بني. أخلاطه. شهرة النشا به. زعفرته. زبلته اللوزية. لونه. أكان يؤكل حاراً. وصفه بالترجرج. رقة جوانبه. أكان يؤتدم به.

وكما تمنى ذلك العربي، في ظرف وتملُّح، أن تكون صفة الفالوذج آية من الآي، وتنزيلا في التنزيل، بل موضع سجدة، ومحراب ضراعة؛ إغلاء بالوصف، وإعلاء لكلمة الموصوف: ترجِّي أخ له من بعد أن يكون الفالوذج معجزة نبوة، وبرهان رسالة، فإنه في حساب هذا العربي الفكه، لجدير أن تهفو إليه القلوب، وتجتمع عليه الإيرادات؛ وما هي إلا أن يؤمن الناس بمن يجيء بالفالوذج من عند الله: دليل إيحاء، ومظهر إعجاز. . . فقد ذكر أبو هلال أن إعرابِّياً سئل عن رأيه في الفالوذج، فقال: والله لو أن موسى أتى فرعون بفالوذج لآمن به، ولكنه أتاه بعصاه!

- 3 -

وأخلاط هذه الحلواء: لباب البر، ورضاب النحل، وخالص السمن وكان يضاف إلى هذه الأخلاط: النشا. ولعله لباب البر نفسه قال الأصمعي: النشا: شيء يعمل به الفالوذ، فانظر: كيف يذكر النشا بالفالوذج، وكيف صارت نسبته إليه تعريفاً به؟ وإنما جاء ذلك من بعد صيت الفالوذج، وذيوع صفته، ولن يُعرَّف شيء بآخر، حتى يكون الآخر أوسع شهرة، وأندى صوتاً. . .

وكان الزعفران كذلك من أدوات الفالوذج، فقد وصف رجل طعاماً أكله عند بعض الناس، فقال: أتانا بأرُزَّةٍ ملبونة، في الطبرزد مدفونة، وفالوذجة مزعفرة مسمونة. ولا أوقن: أكان يجعل فيه أم كان يصبغ به؟ فإن الكلام يحتمل أن تكون الزعفرة فيه التلوين، إلا أنه يجعل الزعفران فيه أولى، وبسياق الجملة أشكل. ففي الجملة: الملبونة وهي التي فيها اللبن، والمسمونة وهي التي فيها السمن. وقد يكون للزعفران في الفالوذج عملان معاً فهو م فيه، وهو صبغة له وطِيب

ومما يؤيد أن الفالوذج كان يصبغ بالزعفران، وأن هذه الصبغة كانت من علامات التجوُّد فيه، وحسن الصنعة له؛ ما يؤثر من أن الكراريسي دعا أبا الحسن بن طباطبا، وقرب إليه مائدة، فخرج أبو الحسن ينظم قصيدة يذم فيها ما قدم له الكراريسي من ألوان الطعام، ويسمي كل واحد منها باسم يعيبه به، ويَزْري عليه؛ وكان مما أنكر من تلك الألوان الفالوذجة، لأنها كانت قليلة الزعفران والحلاوة؛ فسماها: صابونية، وبيتها في القصيدة:

وجام صابونية بعدها ... فافخر بها إذ كانت الخاتمة

فلما بلغ الكراريسي شعر أبي الحسن، وعلم أنه في معشر يبتدرون أكله، ويتنقلون بذمه، حلف لا يُدخل أبا الحسن ولا أحداً من أصحابه داره، ولا يحضرهم طعامه!

وقد اتخذت للفالوذج فوق ذلك زينة مجلوبة، تمدُّ منظره بالبهاء والرونق، وتزيد في طعمه اللذاذة والسواغ، وهي: اللوز المقشور. فكان ينضد أنصافاً في جوانبه كاللؤلؤ، أو ينثر كالنوّار. فلما تواصف الأدباء هذه الحلواء المعجبة، تناولوا زينتها بالتشبيه الجميل. فقد نسب الحصريّ إلى أهل عصره جملة منثورة في وصفه هي: (كأن اللوز فيه كواكب در في سماء عقيق)

ولون الفالوذج كما يدل عليه ظاهر الصفة فيما سبق من النوادر: الحمرة، إذ كان العقيق أحمر تشبه به الأشياء في الاحمرار؛ غير أنه قيل لأعرابي: أتعرف الفالوذج؟ قال: نعم أصفر رعديد! ومفاد قولة الأعرابي الصفرة، على أنه قد يكون المراد منها: لون الورس والزعفران فإنه قيل فيهما: الأصفران. والورس: نبت يضرب من الاحمرار إلى الاصفرار ورَعْياً لهذا يسوغ لنا أن نقول: إن لون الفالوذج هو ما يكون بين الحمرة والصفرة ضارباً إلى هذه والى تلك؛ فهو اللون الورسي الزعفراني المقارب للعقيق، المشبه إياه في التوهج والبريق!

ولهذا شبهوا الفالوذج فيما وصفوه، بالشمس وهي متضيفة للغروب، حائلة اللون، بين الصفرة والحمرة؛ وقد ذكر الثعالبي أبياتاً لأبي الحسن الممشوق الشامي يصف جام فالوذج، منها:

فقد اغتدت في جامها وكأنها ... شمس على بدر أوان المغرب وتخال فيها اللوز وهو منصف ... أنصاف درّ فوق صحن مُذْهب

ويجمل ألا نغفل هنا أن العقيق ليس مقصوراً على النوع الأحمر المتعارف، فمنه أصفر وأبيض، وربما كان الواصف في الكلمة التي نقلها الحصري أراد بالعقيق النوع الأصفر منه، إلا أنني لا أجد في نفسي ميلاً إلى وفاق هذا التخريج على سلامته، فالنوع الأحمر من العقيق هو مضرب المثل، وهدف الوصف، وهو مصرف الذهن إذا أطلق فلم يقيد بنوع خاص من أنواعه المختلفات.

ويشد عضد هذا أن الكلمة المنثورة التي نقلها الحصري تروي شطر بيت في قطعة للسري الرفاء، بعث بها إلى أبي بكر الخالدي، يصف جام الفالوذج ويشير إلى أن أبا بكر يقبل هذه الحلواء رشوة ينحاز بها إلى أحد الخصمين في الأقضية، قال السري:

إذا شئت أن تجتاح حقا بباطل ... وتغرق خصما كان غير غريق

فسائل أبا بكر تجد منه سالكا ... إلى ظلمات الجهل كل طريق

ولاطفه بالشهد المخَلَّق وجهه ... وإن كان بالألطاف غير حقيق

بأحمر مبيض الزجاج كأنه ... رداء عروس مشرب بخَلُوق

له في الحشا يرد الوصال وطيبه ... وإن كان يلقاه بلون حريق

كأن بياض اللوز في جنباته ... كواكب لاحت في سماء عقيق

فقوله: أحمر، وقوله كذلك: لون الحريق، وما تقدم من أن الزعفرة من عملها التلوين، يمنع كل المنع أن يكون المقصود من العقيق النوع الأصفر؛ ما من ذلك بُدّ!

والسري قد جعل المقطع من أبياته تضمينا لبيت لأبي بكر الخالدي المهجو، فإنه يروي له قوله يصف الخمر لا الفالوذج:

كأن حباب الكأس في جنباتها ... كواكب در في سماء عقيق

وفي الحسبان أن العرب كانوا يأكلون هذه الحلواء مثلوجة باردة، إذ كانت كذلك تؤكل لعهدنا هذا. ولكن الجاحظ نقل طرفة واضحة الإفصاح بأنها حارة، وأنها كانت تقدم على هذه الصفة. أو أن منها ما كان يؤكل حاراً، فليست تثبت القصة إلا أن الفالوذج قدم مرة لآكليه يزفر أنفاسه الحرار. قال أبو كعب: كنا عند عياش بن القاسم، ومعنا سيفويه القاص، فأتينا بفالوذجة حارة، فابتلع سيفويه منها لقمة، فغشى عليه من شدة حرها. فلما أفاق، قال: مات لي ثلاث بنين ما دخل جوفي عليهم من الحرقة ما دخل جوفي من حرقة هذه اللقمة! فلو صح أن الفالوذج كان لا يقدم إلا حارا فيؤكل فاترا لوجب تخريج ما سلف من قول السري الرفاء: (له في الحشا برد الوصال وطيبه) فيكون الوصف بالبرودة لغير حسّ الفالوذج، وإنما، هو لمعناه وأثر الالتذاذية. وإذاً يجري الكلام على أن للفالوذج في النفس من اللذة والهناءة، ما للوصال من برد في الصدر وثلج، وهو تخريج بديهأثأ، لا تأباه طبيعة البيان ولا يمس التشبيه بتشويه

وكانت هذه الحلواء هنية الريق، لينة المُزْدَرَد. وهي كذلك عريضة هفهافة الأعطاف، تستجيب للداعي بالغمزة الخفيفة؛ وبمثل ذلك يصفها صاغة الكلام، ويشهُّونها إلى الأفواه فقد سمع الثعالبي صديقه الخوارزمي يقول في وصف طعام قدمه إليه بعض أصحابه: جاءنا بشواء رشراش، وفالوذج رجراج

وقد تكون بعض جوانب الفالوذج في الجامات والصحاف أرق من بعض، فيكون ما رق منها أغبط عند الناس مما غلُظ، وأولى بالإيثار والتكرمة. حدث الجاحظ عن نفسه قال: كنت على مائدة محمد بن عبد الملك، فقدِّمت فالوذجة، فأومأ بأن يجعل ما رق منها على الجام مما يليني، تولُّعاً بي، فتناولت منه، وظهر بياض الجام بين يدي، فقال محمد بن عبد الملك: يا أبا عثمان قد تقشَّعت سماؤك قبل سماء غيرك؛ فقلت أصلحك الله لأن غيمها كان رقيقاً!

وما كنت أفهم حتى الساعة إلا أن الفالوذج كان يؤكل وحده، لا كالطعام يكون إداماً للخبز، فهو حلواء، والحلواء مكتفية بنفسها أبداً، وهو يحوي مادة الخبز كذلك في جوهره، فإن لباب القمح رأس من رؤوس أخلاطه التي يسوَّي بها. ولكن أبا العلاء في بعض تقوله اللغوية قرن الفالوذج بضرب من ضروب الخبز، فأدى إلينا الشك والتَّظَنَّي، ولا سيما أنه يعزو ذلك إلى خلف الأحمر، ومجمل الطرفة التي نقلها المعري أن خلفاً أنشد البيتين:

ألَمّ بصحبتي، وهمُ هجوع ... خيال طارق من أُم حِصْن

لها ما تشتهي: عسلاً مصفى ... إذا شاءت وحُوَّارَي بسَمْن

ثم قال لأصحابه: لو كان موضوع أم حصن: أم حفص، ما كان يقول في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال: وحواري بلمص، واللمص: الفالوذج، والحوَّاري خبز يكون من لباب البر، وهو السميد. وقد تابع المعرَّي خلفا الأحمر في تغيير قافية البيت الثاني بأشتات من ألوان الإدام، وأَصْبِغة الطعام، وتعبير هذا في غير تَرَيبِ أن الفالوذج كان يؤتدم به مع السميد أو غيره مما يختبز، أو أنه كان يؤكل تارة وحده، ويؤكل مع الخبز تارة أخرى

(للبحث صلة)

محمد شوقي أمين