مجلة الرسالة/العدد 27/ملق القادة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 27/ملق القادة

مجلة الرسالة - العدد 27
ملق القادة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 01 - 1934


للأستاذ أحمد أمين

لست أعني بهذا العنوان أن يتملق الجمهور لقادتهم فيظهرون لهم الود

والعظام بحق وغير حق، فذلك شيء قليل الخطر، فاتر الأثر، وإنما

اعني أن يتملق القادة للرأي العام فيسيرون على هواه ويجرون مجراه،

ويأتون ما يحب، ويذرون ما يكره، فهذا هو الداء الدَّوىّ والعلة الفادحة

ومن أسوأ ما أرى في الشرق في هذه الأيام هذه الظاهرة: ظاهرة أن يحسب القادة حساب الرأي العام أكثر مما يحسب الرأي العام حساب القادة هذه الظاهرة جلية واضحة في قادة العلم، فهناك أوساط تقدس العرب كل التقديس، وتعتقد أنهم في حكمهم عدلوا كل العدل، ولم يظلموا أي ظلم، فقادتهم يتملقونهم ويستخدمون معارفهم للوصول إلى هذه النتائج التي ترضيهم، سواء رضى العلم أم لم يرض، وسواء أوْصَل البحث إلى هذه النتائج أو إلى عكسها، وهناك أوساط تعبد كل غربي من عادات وتقاليد وآداب، فقادتهم يختارون اللفظ الرشيق، والأسلوب الأنيق لتأييد هذه الآراء، ولا عليهم في ذلك أن كانوا يحقون الحق أم يؤيدون الباطل

وهي ظاهرة في قادة الأدب، فأن أحب الجمهور روايات الحب والغرام ألفّوا فيها أكثر منها، وأن أدركوا أن تصفيق الجمهور يكون أشد، كلما كان الحب احد، تسابق الأدباء إلى أقصى ما يستطيعون من حدة وعنف، ومهروا في أن يستنزفوا دموع المحبين، ويهيجوا عواطفهم، ويصلوا إلى أعماق قلوبهم، وأن كره الناس أدب القوة من الأدباء، هو سمج، وهو جاف، وهو لا قلب له، وأن كان الجمهور لا يقبل إلا على الأدبالرخيص فكل المجلات أدب رخيص، لانه كلما أسرف في الرخص غلا في الثمن، وأن بدأ الجمهور يتذوق الجد تحولوا إلى الجد وداروا معه حيث دار

وهي ظاهرة في دعاة الإصلاح، فهم يرون - مثلا - أن الشباب قوة فوق كل قوة، وهم عصب الأمة الكسير الحياة، وفي استطاعتهم أن يرفعوا من شاءوا إلى القمة ويسقطوا من شاءوا إلى الحضيض، فهم ينظمون لهم الدار في مديحهم وإعلاء شأنهم، وملئهم ث بأنفسهم، فهم رجال المستقبل وعماد الحياة، وهم خير من آبائهم، وستكون الأمة في منتهى الرقى يوم يكونون رجالها - وقد يكون هذا حقا، ولكن للشباب أغلاطه الجسيمة التي تتناسب وهمته، وله غروره واندفاعه، وله تهوره وإفراطه في الاعتداد بنفسه - فكان على المصلحين أن يكثروا القول في المعنيين على السواء، فيشجعوا وينقدوا، ويبشروا وينذروا، ويرغبوا ويرهبوا حتى تتعادل قوى النفس، وحتى يشعروا بمحاسنهم ومساويهم معا - ولكن هؤلاء القادة - مع الأسف - وقعّوا فقط على النغمة التي تعجب الشباب وتحمسهم ولم يجرءوا أن يجهروا بعيوبهم، ولا أن يقولوا ولو تلميحا - في مواضع النقص من نفوسهم - فكان لنا من ذلك شباب استرسلوا في الأيمان بقول الدعاة إلى أقصى حد، واعتقدوا انهم كل شيء في الحياة وانهم فوق أن يسمعوا نصيحة ناصح أو ناقد - وكان هذا نتيجة لازمة بعد أن وقف القادة منهم هذا الموقف - وقد يكون هذا رد فعل للماضي أيضا - فقد كان طالب العلم في الجيل السابق يقدس قول أستاذه، وهو وأستاذه يقدسان ما في الكتاب الذي يتلى، وكان الشاب يجل الشيخ في قوله وفعله، ولا يرى أن له صوتا بجانب صوته، ولا رأيا بجانب رأيه، فكان سلوك هذا الجيل انتقاما من الجيل السابق، وذهابا في الإفراط يعادل إفراط آبائه، ولكن أظن أنا وصلنا إلى حد يجعلنا نفكر جديا في تثبيت هذه الذبذبة ووقفها الموقف الحق

أن وقوف القيادة من الجمهور موقف الملق قلب للوضع، فالعالم إذاقال برأي للناس لم يكن لعلمه قيمة، والمصلح إذادعا إلى ما عليه الناس لم يكن مصلحا

إني أفهم هذا الوضع في التاجر يسترضي الجمهور لأن نجاحه في تجارته يتوقف على رضاهم، وأفهم هذا في المعنى يقول ما يعجب الناس لأنه نَصَب نفسه لإرضائهم، واستخرج إعجابهم، ولكني لا أفهم هذا في قائد الجيش، فان له مهمة أخرى، وهي أن يظفر بخصمه، فلو كان همه أن يسترضي جنده لا أن ينتصر على عدوه لما استحق لقب القيادة لحظة، ولكان الوضع الحقيقي أن الجند هم القادة والقادة هم الجند

كذلك الشأن في قائد العلم وقائد الأدب، والمصلح الاجتماعي فلكل منهم غرض يرمي إليه في علمه أو أدبه أو إصلاحه، وله خطة يريد أن يحمل الناس عليها رضوا أم كرهوا

بل لا يعد المصلح مصلحا حتى ينبه الناس من غفلتهم، ويحملهم على أن يتركوا ما ألفوا من ضار، أو يعتنقوا ما كرهوا من صالح وهو في أغلب أمره مغضوب عليه ممقوت، واصطلاح الجمهور والمصلحين ليس علامة تبشر بخير، بل هي في الغالب تدل على تراجع من المصلح وانتصار للعامة وقد كان المصلحون في الشرق إلى عهد قريب أشد الناس تعبا في الحياة، وأكثر تبرما بالجمهور وأقربهم إلى عهدنا جمال الدين ومحمد عبده وقاسم أمين، لقوا في دعوتهم من العذاب الوانا، ولم يوفوا حقهم إلا بعد أن وافاهم الموت، أما اليوم فلست أرى حركة عنيفة بين القادة والرأي العام، ولا بين المصلح ومن يراد اصلاحه، وربما كان سبب ذلك أن القائد ينظر إلى نفسه أولا وقبل كل شيء وآخر كل شيء، قصد إلى أن يصفّق له أكثر مما قصد لخدمة الحق، وقد وصل إلى درجة من إعجاب الجمهور يريد أن يزيدها أو يحتفظ بها، قد خلع ثياب القائد، وارتدى لباس التاجر، يبحث عما يعجبهم ليقول فيه شعره أو يكتب فيه مقالته، أو يطنب في وصفه، ويبحث عما يسوءهم ليحمل عليه حملة شعواء بقلمه أو لسانه كما يبحث تاجر الأزياء عن آخر طراز في الزي يقبل الناس على شرائه

تلك أشد حالات الانحطاط في القيادة، فأول درس يتلقاه القائد أن يكون قليل الاهتمام بشخصه، كثير الاهتمام بالغرض الذي يرمي إليه في الإصلاح، سواء أكان إصلاحا لغويا أو أدبيا أو اجتماعيا أو دينيا، وأن ينظر إلى كل ما يجري حوله في هدوء، لا يسره إلا أن يرى الناس اقتربوا من غرضه ولو بسبه، ويضحي بالشهرة فتبعته الشهرة، ويضحي بالحظ فيخدمه الحظ، بل سواء عليه عُرف أم لم يعرف، وسواء عليه لعن الحظ، بل سواء عليه عُرف أم لم يعرف، وسواء عليه لعن أم كرّم، ما دام سائرا على المنهج الذي رسم، لا يشعر بأريحية إلا أن يصل إلى غرضه، أو يقرب منه، يحب المنتصرين لرأيه ويرحم الناقمين عليه، يرفض أن يلبس تاج الفخر إلا أن يكون من نسيج ما سعى إلى تحقيقه - أن كان هذا أول درس يتعلمه القائد فهو آخر درس أيضا.

أخشى أن يكون قادة الرأي فينا قد ملوا المقاومة فاستسلموا، وأن يكون قد استصعبوا الغاية فاستناموا، وأن يكونوا قد وقفوا مترددين قليلا بين عذاب الضمير وعذاب المعارضة فاحتملوا الأول، وأن يكونوا لطول ما لقوا قد رغبوا عن النظر إلى الأمام والتفتوا وراءهم إلى الرأي العام فساروا أمامه في الطريق الذي يحبه هو لا الذي يحبونه هم، أن كان هذا فيالها من هزيمة.

أنى لنا بقادة في الرأي لا يتملقون إلا الحق.