مجلة الرسالة/العدد 269/للأدب والتاريخ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 269/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 269
للأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 08 - 1938


مصطفى صادق الرافعي

1880 - 1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 37 -

مقالاته للرسالة (8)

هلّ هلال المحرم، وتهيأت الرسالة لإصدار (العدد الممتاز) في ذكرى الهجرة، فكتبتْ إلى الرافعي فيمن كتبت من أسرة الرسالة، تطلب إليه أن يهيئ موضوعاً مناسباً لذكرى الهجرة، وضربت له أجلا. واستبق الرافعي الميعاد فأعدّ قصة (اليمامتان) وبعث بها إلى الرسالة قبل موعد العدد الممتاز بأكثر من أسبوع. وحسبت الرسالة أنه بعث إليها بمقاله الأسبوعي المعتاد، وأنه ما يزال يعدّ موضوعه للعدد الممتاز، فنشرت قصة اليمامتين قبل موعدها، وكتبت إليه تستنجزه المقال الثاني. وكان الرافعي متعب الأعصاب، يشكو وجعاً في أضراسه يثقل رأسه، وقد غاظه أن الرسالة فوَّتت عليه الفرصة فسبقت إلى نشر القصة التي أعدها للعدد الممتاز قبل موعدها وتركته في حيرته، ولم يجد في نفسه خفة إلى العمل، فذهب إلى أوراقه القديمة يفتش بينها عن موضوع خليق بالنشر في هذه المناسبة، فوقع على مقالة (حقيقة المسلم)، وكان كتبها قبل ذلك بسنتين إجابة لدعوة جمعية الكشاف المسلم لشام، ونشرها بالأهرام في ذكرى المولد النبوي لسنة 1352هـ فبعث بها إلى الرسالة لتنشر في العدد الممتاز لسنة 1354هـ

يتحدث الرافعي في قصة اليمامتين عن الفتح الإسلامي، وأخلاق العرب، وتعريب مصر الفرعونية الرومانية، وفتنة القبط بسجايا العرب ومزايا الإسلام؛ وفيها إلى ذلك حديث عجيب عن الحب والمرأة في قصة خيالية افتعلها الرافعي ليبلغ بها ما في نفسه من معاني الحب؛ ثم جعل في خاتمتها (نشيد اليمامة) اليمامة التي تقول الرواية العربية إنها تحرَّمت في جوار عمرو ابن العاص فمنعته أن يقوض فسطاطه!

كان لهذه القصة عند الرافعي وعند قراء الرسالة عامة موقع لم تبلغه قصة سعيد بن المسيب. وقد افتتن بها كثير من القراء، حتى كان منها أن اهتدى إلى الإسلام أستاذ مسيحي من أساتذة التاريخ في بلاد الجزائر، فكتب إلى الرافعي رسالة يعلن فيها إليه إسلامه، ويسأله الوسيلة إلى دراسة هذا الدين والتفقه فيه. ولم أعثر بعد على هذه الرسالة بين ما خلّف الرافعي من رسائل أصدقائه إليه

ومن اعتداد الرافعي بهذه القصة وبما بلغ فيها من التوفيق، جعلها فاتحة كتابه (وحي القلم)

ولم يكفه أسبوع للاستجمام والخلاص مما يعاني من وجع الضرس وتعب الأعصاب، فاستراح أسبوعاً آخر وبعث إلى الرسالة بالجزء الثالث من (كلمة وكليمة)

ثم وقعت حادثة اهتزت لها نفس الرافعي اهتزازاً عنيفاً ونقلته من حال إلى حال. . .

جلست يوماً نتحدث من أحاديثنا، فقال: (. . . إن صديقنا الأستاذ م. لم يكتب لنا من زمان. . ليت شعري ما منعه عنا. إن بي قلقاً عليه وفي نفسي أن أراه أو أعرف من خبره!)

وفي صبيحة اليوم التالي طالعتنا الأهرام بخبر غامض: (. . أن شاباً من الأدباء، هو ابن شيخ من شيوخ الأزهر، قد حاول الانتحار بقطع شريان في يده!)

وقرأ الرافعي الخبر فاربدّ وجهه وانفعلت نفسه، وقال: (اقرأ، إنه هو. . .!)

قلت: (من تعني؟)

قال: (صديقنا الأستاذ. م، لقد غلبه شيطانه على دينه آخرة أمره. غفر الله له!)

فجزعتُ وطارت نفسي، وقلت وأكاد أغصّ بريقي: (م؟ إنك لتتوهم، وإنك مما تفكر في شأنه ليُخَيل إليك. إن لصديقنا لديناً، وإن فيه لتحرجاً وخشية؛ وما أراه في أي أحواله يقدم على هذه الجريمة!)

ولكن الرافعي لم يلتفت إلى ما أقول، وأخذ يحوقل ويسترجع ويستعيذ بالله من غلبة الهوى وفتنة الشيطان. ثم مد يده إلى مكتبه فكتب رسالة إلى م يسأل عن حاله وخبره ويرجو له العافية في دينه ودنياه؛ ثم يطلب إليه أن يصف له ما كان منه وما حمله عليه وما آل إليه أمره؛ ولم ينس مع كل أولئك ومع ما تفيض به نفسه من الحزن والألم أن يرجوه (الدقة في وصف المرحلة التي كان فيها بين الحياة الموت؛ فأنها المرحلة التي لا يحسن أن يصفها إلا من أحسّ بها. . .)

وصديقنا الأستاذ. م. أديب واسع المعرفة، له دين ومروءة، وفيه تحرج وخشية؛ وقد نشأ في بيت له ماض في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه والذَّود عن حرماته؛ وهو شاب عزب، بعيد الخيال، دقيق الحس، مرهف الأعصاب؛ وعلى أنه يعيش في ظل وارف ونعمة سابغة، فأنه من سعة خياله ودقة حسه وحدة أعصابه متشائم النظرة، لا تراه إلا رأيت في وجهه وعلى طرف لسانه معنى دفينا من معاني الألم؛ وما يرى نفسه في أكثر أحواله إلا غريبا في هذا العالم وبين هذا الناس؛ فان له من خياله دنيا غَير دنيا الناس، وعالماً غير هذا العالم، يتمثل فيه المثل الأعلى الذي أعياه أن يبلغه على هذه الأرض. وكان بينه وبين الرافعي ودٌ وله في نفسه مكان؛ فكان له سره ونجواه منذ كان فتى يافعاً لم يبلغ العشرين. وكان الرافعي يعتد بصداقته ويقرّ إليه ويعجب بدينه وتقواه ويتوقع له مستقبلا مجيدا بين المجاهدين من أهل الأدب ودعاة الإسلام.

فلما بلغ الرافعي نبأ شروعه في الانتحار جزع وتطير وضاقت نفسه، وناله من الهم ما لم ينله لحادثة مما لقي من دنياه. فمن أجل هذه الحادثة أنشأ الرافعي مقالات (الانتحار)

ولم يكن الرافعي يعلم من أحوال صاحبنا ما دفعه إلى هذه المحاولة الطائشة؛ فأخذ يتكهن وينتحل الأسباب ليبني عليها الحديث والقصة؛ فما جاء جواب الأستاذ (م) إلا بعد المقالة الثالثة، فأخذ من هذا الجواب مادة الجزء الرابع من هذه المقالات، وجعل الحديث في هذا الجزء على لسان (أبي محمد البصري) وهو يعني الأستاذ (م)، فهو هو وكلامه كلامه في جملته ومعناه، لم يغير منه الرافعي إلا قليلاً من قليل. فما يدل على حالة صاحبنا إلا المقالة الرابعة من هذه المقالات الست. أما ما عداها مما سبق أو لحق، فهي قصص مفتعلة من وحي هذه الحادثة في نفس الرافعي

ومقالات الرافعي في (الانتحار) هي باب من الأدب لم ينسج على منواله في العربية من قبل، فيها فنه القصصي، وفيها روح المؤمن الذي لم تفتنه دنياه عن ربه، وفيها إلى ذلك شعر وفلسفة وحكمة، وقلب رجل يعيش في حقيقة الحياة

وكان بين الرافعي والأستاذ حسن مظهر محرر اللطائف المصورة مودة. فلما تولى تحرير اللطائف كتب إلى الرافعي يرجوه أن يكتب فصلاً لقراء اللطائف عن (سحر المرأة)؛ فكتب فصلاً بديعاً يصف فيه نفسه وصاحبته (فلانة) في أول لقاء بينهما

فلما فرغ من مقالات (الانتحار) تناول هذا الفصل فزاد فيه ما زاد وبعث به إلى رسالة بعنوان (ورقة ورد) لأنه سار فيه على نهج كتابه المعروف (أوراق الورد) فهذا الفصل عنده هو من تمام هذا الكتاب

وكان من زملاء الرافعي في محكمة طنطا الأديب فؤاد. . . وهو شاب له ولوع بالأدب؛ وعلى أنه زوج وأب، فانه كان بأناقته ولباقته مرعى أنظار كثير من الفتيات، وكان له في الغرام جولات. . .

ثم فاء إلى نفسه بعد حين، فانصرف عن اللهو والغزل إلى شئون أسرته وولده؛ وراح ينشر بعض مغامراته الغرامية في إحدى الصحف الصغيرة التي تصدر في طنطا. . .

وقرأ الرافعي بعض ما ينشر صاحبنا، فرأى (علماً جديداً) لم يدخل إليه من باب ولم يقرأه في كتاب؛ فأرسل يستدعي صاحب هذه المقالات إليه ليفيد علماً من علمه ومن تجاربه. . .!

وجلس صاحبنا يتحدث إلى الرافعي ويقص عليه، والرافعي صاغ إليه ملذوذ بما يسمع؛ فما انتهى صاحبنا من حديثه حتى كان على موعد مع الرافعي أن يحضر له طائفة من مذكراته ورسائل صواحبه، لعله يجد فيها موضوعاً يكتبه لقراء الرسالة

فمن هذه المذكرات ومن هذه الرسائل استملى الرافعي مقالات (الطائشة) و (دموع من رسائل الطائشة) و (فلسفة الطائشة). . .

فهذه القصة حقيقية لا افتعال فيها، وليس فيها شيء من صنع الخيال؛ وما حكى الرافعي من الرسائل الطائشة هو من رسائلها نفسها كما نقلها إليه صاحبها؛ وفلسفتها هي فلسفتها كما فهمها الرافعي من رسائلها ومما كان من أمرها مع صاحبها

لقد نال الرافعي من ملامة الفتيات ما ناله بسبب هذه المقالات، وقرأها أكثر من قرأها منهن على أنها قصة من الخيال اخترعها الرافعي ليحتج بها فيما يحتجْ لمذهبه في الحب والمرأة وتجديد الأخلاق، والحقيقة فيها هي ما قدَّمت؛ وقد زاد الرافعي إيماناً بمذهبه بعد هذا الذي سمع من صاحبه وقرأ من مذكراته ومن رسائله!

ولم يكتب الرافعي قصة (الطائشة) على أنها قصة؛ إذ كان صاحبها قد كتب قصتها على طريقة من فنه، فآثر الرافعي أن يتناولها من أطرافها ليحكم بها حكمه ويتحدث عن رأيه في طائفة من فتيات العصر؛ فترك صلب القصة ليكون حديثه عن التعليق والحاشية وقد قرأت القصة مع الرافعي كما أنشأها كاتبها؛ فكان الرافعي يقف عند كثير من عباراتها موقفاً بين الإعجاب والدهشة؛ إذ كان مؤلفها يكتب ما في نفسه كما هو في نفسه، فكان فيها وحي عاطفته ونبض قلبه ويقظة روحه، فجاء بأدق ما في الفن وأبلغ ما في التعبير غير قاصد إلى شيء من ذلك، وما كان يبلغ شيئاً من ذلك لو أنه قصد إليه؛ إذ لم يكن هو بين أهل البيان في هذه المنزلة، ولكنه كان من أهل الحب؛ وكان هذا هو دليل (الصدق) عند الرافعي فيما كتب صاحبه وما نقل إليه من قصة صاحبته. . .

ولما كتب المقالة الثالثة (دموع من رسائل الطائشة) خلا إلى نفسه أسبوعاً ليستجم، وبعث إلى الرسالة بالجزء الرابع من: (كلمة وكليمة) وفيها حديث عن العقاد

وفي هذا الأسبوع كان الرافعي يجمع خواطره حول ما سمع من قصة الطائشة، فأنشأ مقاله الرابع بعنوان (فلسفة الطائشة)

ثم أملي علىَّ مقالة (كفر الذبابة) يعني بها الحكومة التركية لبعض ما ذهبت إليه في شئون الإسلام والعربية. وهي آخر ما أنشأ من الفصول على أسلوب كليلة ودمنة

وكانت مقالة (كفر الذبابة) هي آخر ما أُملي على من المقالات؛ وذلك في صيف سنة 1935. ثم تهيأ للسفر إلى مصيفه في (سيدي بشر)، وتهيأت للسفر إلى القاهرة فكانت فيها إقامتي، فلم أكن ألقاه أو يلقاني إلا ساعات كل أسبوع: فأسبوعاً أزوره في طنطا، وأسبوعاً يزورني في القاهرة. على أن الرسائل فيما بين ذلك لم تنقطع بيننا حتى يناير سنة 1937، قبل موته ببضعة أشهر. ثم تجافينا لشأن ما، فما التقينا إلا مرة واحدة قبل موته بشهرين، فكان لنا مجلس في قهوة (بول نور) بالقاهرة مع الأصدقاء: شاكر، وزكي مبارك، وكامل حبيب، وزيادة؛ ثم افترقنا بعد منتصف الليل وفي نفسي منه شيء وفي نفسه مني. . .

وفي صبيحة الغد بدأت المعركة الأخيرة بينه وبين الدكتور زكي مبارك حول (وحي القلم)

. . . ومضى شهران بعد تلك الليلة لا ألقاه ولا يلقاني؛ وهو يشكوني إلى صحابتي وأشكوه؛ حتى جاءني نعيه. . . غفر الله لي!

لكأنما كانت هذه القطيعة بيننا وقد دنا أجله، لتخفف عني وقع المصاب من بعد؛ أو لتحملني - غير محمول من أحد غير واجبي - على كفارة الذنب الذي أذنبت بهذه القطيعة؛ فأبذل ما في الطاقة من الجهد الجاهد لكتابة هذا التاريخ فأقوم له بعد موته بالحق الذي عجزت عن وفائه في حياته. يرحمه الله!

. . . لم يمْلِ عليَّ الرافعي شيئاً بعد مقالة كفر الذبابة؛ ولكنه طلب إلي أن انسخ له صورة من مقال كان نشره في المقتطف قبل ذلك بسنوات عنوانه (سر النبوغ في الأدب)

فلما سافر إلى مصيفه بعث إلى الرسالة بمقالة (كلمات عن حافظ) لمناسبة ذكراه؛ ثم أصابته قُرحة في كفه منعته من العمل، فأخذ مقالة (سر النبوغ في الأدب) فجعل عنوانها (الأدب والأديب) ثم جعلها مقالة الأسبوع التالي. وهي مقالة من مقالات الرافعي الفريدة، تهم الباحث الذي يريد أن يدرس الرافعي صاحب (تاريخ آداب العرب)

ثم توالت مقالات الرافعي يمليها على نفسه ويكتبها بخطه؛ على أني بما كنت ألقاه وبما كان بيني وبينه من الرسائل إلى ما قبل موته بأشهر، لم يفتني أن أعرف دوافعه إلى كثير مما كتب بعد ذلك من المقالات لقراء الرسالة؛ فسأحرص - تماماً لهذا البحث - على أن أذكر ما أعرف من دوافع بعض المقالات التي أنشأها وحدها من بعد غير معتبر ترتيبها في النشر، إذ لا عماد لي فيما أكتب عنها إلا عنها إلا الذاكرة.

(سيدي بشر)

محمد سعيد العريان