مجلة الرسالة/العدد 255/ليلى المريضة في العراق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 255/ليلى المريضة في العراق

مجلة الرسالة - العدد 255
ليلى المريضة في العراق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 05 - 1938


للدكتور زكي مبارك

- 19 -

طال انتظاري ولم ترجع ظمياء

وانقضى مساء وصباح، ومساء وصباح، ولم ترجع ظمياء

ومضت ثواني ودقائق وساعات وأيام وليال ولم ترجع ظمياء

وتقلبت دجلة من حال إلى أحوال ولم ترجع ظمياء

وطافت بالأشجار والأزهار والرياحين أطياف البؤس والنعيم ولم ترجع ظمياء

وطوفت بجميع المعاني، وتذوقت صنوف اللواعج، وتشوفت إلى جميع المطالع، ولم ترجع ظمياء

وتلقيت مئات الرسائل فلم تكن من بينها رسالة عطف أو اعتذار من ليلى أو ظمياء

أيكون هذا آخر العهد بليلى وظمياء؟

إني إذاً لمن الهالكين. كتب الله لوطني وأهلي جميل العزاء!

ولكن ما السبب في هذه القطيعة الباغية، وما أذكر أني أسأت أو جنيت؟

أيكون السبب تلك الكلمة الفكاهية التي داعبت بها ليلى بعد رجوعي من البصرة؟

ربما كان ذلك، فالمزاح كان ولا يزال من أشنع البليات، وما استطاع إنسان أن يجرح قلبي إلا عن طريق المزاح. والأحباب ينسون واجب الأدب فيتطاول بعضهم على البعض باسم المزاح؛ وذنبي في هذه القضية غير مغفور، لأني انقطعت لدراسة الفلسفة عدداً من السنين، وكان الظن أن أفهم أن المزاح على لطفه لا يخلو من اشواك، وقلب ليلى رقيق تؤذيه خطرات النسيم، فكيف لا يؤذيه المزاح؟

لو رجعت إلى ليلى لأحسنت الاستغفار من ذنبي، ولكن متى أرجع؟

لقد داعبتني ليلى ألف مرة فتقبلت دعاباتها بأحسن القبول، وكنت لجهلي أحسب أن ليلى سيرحب قلبها بمثل ما رحب به قلبي

فكيف أخلفت ظنوني يا منية النفس ويا روح الفؤاد؟

ما هذا؟ أنا داعبت ليلى قبل ذلك فلم تغضب، فكيف تكون الدعابة الأخيرة بداية البؤس ونهاية النعيم؟

إن من واجبي نحو هواي أن أدرس هذه القضية حق الدرس

وقد بدأت أفهم أن كلام الجرائد والمجلات أفسد ما بيني وبين ليلى كل الإفساد فقد مضت الشهور الطوال والجرائد تهتف باسمي في الصباح والمساء وظن الأدباء العراقيون أن الفرصة سنحت لتصفية ما بيني وبينهم من حساب، وكنت أقرأ ما أقرأ وأنا أبتسم. كنت أقول: هذه يقظة أدبية واجتماعية أردّ بها ديوني إلى العراق. كنت أقول: هذه أقلام صدئت وقد حان لها حين الصقال، فليكن أدبي هو ذلك الصقال

كنت أقول وأقول، ولكن التفكير في جوهره غير سليم

ما الذي كان يمنع من دفع مفتريات بعض الجرائد والمجلات؟

ما الذي كان يمنع؟ كنت مشغولاً بواجبات ثقال تكاد تقصم ظهري. ولكن هل تفهم ليلى أني مشغول وأن لي منهجاً يفرض ألا أخرج من بغداد إلا وفي حقائبي خمسة مجلدات؟

ينبغي أن أعترف بأن مركزي بين الأطباء لم يتزعزع بسبب الأدب وحده، وإن كانت حرفة الأدب قادرة على زعزعة العروش، وإنما وقعت النكبة وتقوضت عيادتي بشارع المدابغ وعيادتي بشارع فؤاد لعدم اكتراثي بما يكتب في الجرائد، وعدم اهتمامي بما يتقول الناس

وأصل البلية أني كنت أحسن الظن بعقول بني آدم - وهذا أعظم خطأ ارتكبته في حياتي - فقد كنت أظن أن الناس يميزون بين الحق والباطل فيما يقرءون؛ وكنت أتوهم أن أكاذيب المفترين لا تضرني، فكنت أقرأ ما يكتب عني بلا اكتراث، وأقول: هذه مفتريات ليس لها أساس، وما قام على غير أساس فمصيره التهدم والزوال

وظل الحال على ذلك بعض سنين وأنا أصم أذني عن الأقاويل والأراجيف إلى أن دخل عيادتي مساء يوم مريض له شأن في المجتمع، ويكفي أنه أستاذ في أحد المعاهد العالية، فلما فحصته وشخصت له المرض اطمأن واستراح، فدعوته لتناول فنجان قهوة بالمكتبة فتفضل بالقبول، وفي الناس أن يتفضلون بالقبول وأنت المتفضل عليهم بالمعروف

وفي أثناء الحديث فهمت أن زوجته عليلة وأنه كان يود أن أمضي لعيادتها لولا خوفه من كلام الناس. وبعد مراجعتها فهمت أن مركزه العلمي ولم يعصمه من تصديق كل ما يكتب في الجرائد فعرفت بعد فوات الوقت أن الاعتماد على عقول بني آدم ضرب من الخيال

إن من الجريمة أن نسكت عما يكتب عنا في أمة لا تنقد ما تقرأ، ولا تمحص ما تسمع. ومن الجريمة أن نسعى إلى الشهرة فإن الشهرة أصل كل بلاء والرجل المشهور يصدق الناس فيه كل بهتان، ولا سيما في الأمم التي تضعف فيهات الثقة بالأخلاق، ومصر التي نحبها راضين أو كارهين مبتلاة بهذه البلية، فأهلها لا يصدقون أن العبقريين والنوابغ أصحاب أخلاق، وما أزعم أني نابغ أو عبقري حتى أصبح أهلا لتلك الظنون، ولكني بالحق أو بالباطل صرت من أشهر الرجال وللشهرة عقابيل

كنت أستطيع مع كثرة الشواغل أن أدفع مفتريات بعض الجرائد والمجلات، ولكن صرفني عن ذلك إيماني بأن ليلى صديقة غالية، وأنها خليقة بالا تفتح أذنيها لما يصوبه الحاقدين ومن دسائس وأضاليل. ثم كتب الله أن أتلقى عن ليلى درساً لم أظفر بمثله وقد قضيت عشرين عاماً في الحياة الجامعية وتلقيت عن ليلى درساً عظيما جداً، وأنا أقدمه إلى قراء هذه المذكرات بالمجان وإن كنت دفعت ثمنها من دمعي ومن دمي، أنا العاشق الذي يعاني ظلام الحب وظلام الليل

استمع هذا الدرس يا قارئ هذه المذكرات استمع فما أرجو منك جزاء ولا شكوراً وإن كنت أتشهى أن تسكب على قبري دمعة يوم أموت؛ وسأموت، فلكل أجل كتاب

تعلمت عن ليلى أن الصديق في حاجة إلى حراسة، وأستطيع أن أقول أن حراسة الغنم أسهل من حراسة الأصدقاء، ولا يغفل عن حراسة صديقه إلا غافل أو جهول، وقد خلق الله لكل صديق أذنين طويلتين، وهاتان الأذنان لهما سمع دقيق، والصديق يحسبك من بعض ما يملك، فهو يسمع فيك كل قيل، كما يسمع في داره أوهام المهندسين، وكما يجتلب لأملاكه صغار المساحين، وهو يفرح لما يساق إليك من زور وبهتان، لأنه من بني آدم، وابن آدم حيوان ضعيف لم يعش بفضل القوة كما عاشت الأسود، ولم يعش بفضل الجمال كما عاشت الغزلان، وإنما عاش هذا الحيوان الضعيف بفضل المكر والدهاء

استمع هذا الدرس يا قارئ هذه المذكرات من الفيلسوف المودع، فما في دنياكم ما يشوقني يا بني آدم حتى أستطيب فيها العيش

استمع يا غافل يا جهول ليس في أصدقائك ما يسره أن تكون أعظم منه علماً أو جاهاً ليس فيهم والله ما يسره أن يكون إخلاصك في هواه أعظم وأروع

فالصديق - وا أسفاه - يتشهى أن يثبت لديه أنه أعظم منك في كل شيء ليتصدق عليك بالعطف والحنان

الصديق يرضيه أن يقول (أعطيت) ويؤذيه أن يقول (أخذت)

والأصدقاء يملكون في إيذائك ما لا يملك الأعداء

العدو متهم - بفتح الهاء - وتجريحه إياك يتلقاه الناس ساخرين.

أما الصديق فمؤتمن - بفتح الميم - وتجريحه إياك يتلقاه الناس بالقبول

وللأصدقاء أساليب في تجريح من يصادقون، ويا ويل من ابتلته المقادير بلئام الأصدقاء! يترفق الصديق فيقول: أنتم تعلمون أني شديد العطف على فلان لما بيننا من متين الصلات، وهو والله رجل مفضال لولا كيت وكيت!

ويتلطف الصديق فيقول: لا تثوروا على فلان فهو عبقري وللعبقريين بدوات!

وتزداد البلية بالأصدقاء حين تصبح ولك نصيب من المجد. فالصداقة توهمهم فكرة المساواة في الحظوظ والدرجات، فإن تقدمت وتخلفوا لم يكن لهم معنى ذلك عندهم أنك أخذت ما تستحق، وإنما كان معناه أنك خدعت زمانك فانخدع، وأن لك وسائل يعفون عنها لأنهم على تخلفهم شرفاء!

والصديق لا يصدق أنك تصل إلى منازل المجد بالجهاد وسهر الليل وإقذاء العينين تحت ضوء المصباح، وإنما يتخيل أنك اغتصبت المجد بالتهويل والتضليل، ولا يرى لك رأياً طريفاً أو فكرة عبقرية إلا حدثته النفس بأن يغض منها بالتصغير والتزييف.

وأخطر أعدائنا هم الأصدقاء الأعزاء الذين جاريناهم في ميادين المجد. فهؤلاء لا يتصورون أبداً أن ميادين الجهاد فيها سابق ومتخلف. ولعلهم كانوا يظنون أن من حقهم علينا أن نتخلف ليتقدموا. ولو أننا فعلنا طائعين لما ظفرنا منهم بكلمة تفصح عن حفظ الجميل، ويكون فيها معنى العزاء، وإنما نلقى منهم الصلف والاستطالة والكبرياء والعدوان

والأصدقاء يصنعون بمصايرنا ما تصنع جراثيم المرض المدفون، فهم يقتلوننا عن طريق الاغتيال وما نجد في إدانتهم شاهداً واحداً حتى نقدمهم إلى ساحة الجزاء وفي الدنيا السخيفة تقاليد تحمي الصديق المخادع من انتصاف الصديق الصدوق. والتفكير في محاسبة الصديق هو في ذاته بلية، لأنه يفتح الباب لأهل اللغو والفضول، ويعرضك لمآثم الشبهات ومنكرات الأراجيف

والعدو اللئيم هو في الأصل صديق حميم. . . ولكن كيف؟ كان صديقاً يجب أن تكون في خدمته كيف شاء، وحين يشاء؛ فلما التويت عليه بفضل ما لك من وجود خاص تنكّر وتغير ومضى يضع في طريقك الأشواك بلا رحمة ولا إشفاق

الصديق الحق هو الذي يعتقد أنك أفضل منه وإن كان في الواقع أفضل منك

هذا هو الصديق. ولكن أين من يعرف هذا المعنى النبيل؟

أين الصديق الذي يعرف قيمة التضحية بأهواء النفس؟

أين الصديق الذي لا يريد أن يتخذ من شهرتك لوحة إعلانات؟

أين الصديق الذي يفهم أن من حقك أن تناضل لتسود؟

أين الصديق الذي يدرك أن المودة كالصلاة يفسدها الرياء؟

أين الصديق الذي يرى عيوبه ويعمى عن عيوبك؟

بل أين الصديق الذي لا تخاف أن يتزيد عليك؟

وا أسفاه لقد انقضت أحلامي وأوهامي. كنت أرى الجمال في وجوه الناس، فأصبحت لا أراهم إلا وأنا متفزع متخوف كالذي يمس الحية في غسق الليل. كنت كالطفل يأنس بجميع الوجوه، ويتسمع لجميع الأصوات، ويتشوف إلى كل ما في الوجود، ثم أمسيت وأشهى مناي ألا يطرق بابي طارق، وأن لا تقع عيني على مخلوق

كذلك ابتدأت وكذلك انتهيت، وعند الله والحب جزائي

آه، ثم آه!!

ما هذه الخطوط التي أسود بها وجه القرطاس؟

هذه الخطوط هي نصيبي من حب ليلى ومن عبث ظمياء

وتلك نهاية من يحسب أن نهار الحب لا يعقبه ليل

تلك نهاية العاشق الغافل الذي قضى الأعوام الطوال في عبادة الجمال

ولكن ما هذا اللؤم الذي ينحدر إليه قلمي؟ أمن أجل أيام في معاناة الصدود أكفر بالصداقة وبالحب؟

أحبك يا ليلى، احبك يا ليلاي

أحبك يا مسكينة لأني من المساكين

أحبك يا شقية لأني من الأشقياء

أحبك يا ليلى وسأنحت لك صنما من ضلوعي

أحبك يا ليلى وسأنزف دمي قطرة قطرة ثم أتخذ من حديده خاتماً أقدمه إليك يوم يحين الفراق، وما أصعب الفراق!

أحبك يا ليلى وسأرقم أسمك الجميل على خد القمر وجبين الشمس

أحبك يا ليلى وسأترحم عليك في صلواتي كما أترحم على أبي وأمي

أحبك يا ليلى وسأتعذب في سبيلك محنتي وعذابي

أحبك يا لئيمة يا غادرة يا ظلوم، وأصفح من أجلك عن أهل اللؤم والغدر والظلم والجحود

أحبك يا ليلى، أحبك، وما أتصدق عليك بالحب، فأنا أهفو إليك بلا وعي ولا إحساس. وقد حاولت مليون مرة أن أتوب من هواك فما صحت لي توبة، ولا نفعتني عظة، ولا عصمني عقل،

ولا هداني وجدان

أحبك يا روحي ويا ضناي. أحبك أصدق الحب، وأبغضك أعنف البغض، ولو رأيتك في هذه اللحظة لرويت روحي بدمك الغالي، ولكن متى أراك؟ تلك أوهام وأضاليل!

لقد نجوت من يدي يا شقية، فعليك غضبة الله ولعنة الحب!

أتريد ليلى أن أنتحر؟

هيهات ثم هيهات! فأنا طبيب ومن الحمق أن أداوي الناس وأنسى نفسي

قرأت (شريعة الحب) فقرة فقرة، وهي مسطورة على قبر الحلاج، وقد فهمت من أسرار الحروف أن الحب له دواء. ودواء الحب أن تخلق لنفسك شواغل جديدة تصرف قلبك في إطالة

التفكير فيمن تحب

وكذلك فعلت فأقبلت على شهود موسم الحفلات في بغداد وهو موسم لا يعرف قيمته إلا من يراه شهدت بعض الحفلات التمثيلية التي أقيمت في المدارس الثانوية، فعرفت أن التمثيل سيكون له مستقبل في بغداد. ورأيت أهل العراق يخشون ما يخشاه أهل مصر من اختلاط الجنسين، ولكن أهل مصر احترسوا بعض الاحتراس، فهم يؤلفون للمدارس روايات تمثلية تخلو من المرأة؛ وليت أهل العراق يصنعون مثل هذا الصنيع إلى أن يفصل الزمن في قضية اختلاط الجنسين، فقد رأيتهم يمثلون في المدارس روايات فيها المرأة، والمرأة في هذه الحال شاب يلبس ملابس النساء. وأنا أرجو زملائي من نظار المدارس في العراق أن يفكروا في هذه القضية، فظهور الشبان في ملابس النساء لا يقل قبحاً عن ظهور النساء في ملابس الرجال. وما أقول إن الرجل أشرف من المرأة من حيث الجنس فلكل جنس خصائص، وإنما أريد أن أقرر أن شرف الرجل في الرجولة وشرف المرأة في الأنوثة، فالمرأة تجرم حين تلبس ثوب رجل، والرجل يجرم حين يلبس ثوب المرأة. والإشارة في هذا الموضوع الدقيق تكفي للبيان

وشهدت حفلة توزيع الجوائز بكلية الحقوق. وكانت حفلة رائعة خطب فيها الدكتور محمود عزمي خطبة جيدة، ولكنه لم يراع براعة المقطع، فقد ختم الخطبة بإعلان الوفاة، وفاة أحد المتخرجين. وصح للأستاذ محمود درويش أن يقول (ما هو خوش مقطع هذا) وعند تلاوة القسم أقسم المتخرجون دفعة واحدة بلا خشوع، وكان الرأي أن يقسموا واحداً واحداً. وقد تذكرت القسم الذي أقسمته على يد الأستاذ الدكتور طه حسين يوم ظفرت بالدكتوراة الأخيرة في كلية الآداب، فقد ترددت وتهيبت، لأني كنت أخشى أن يربطني القسم وحدي، فلتذكر ذلك أحجار كلية الآداب بالجامعة المصرية، إن كان للأحجار وجدان وألقى الطالب حازم المفتي خطبة فصيحة نوه فيها بالأواصر العلمية بين مصر والعراق. وهنا أذكر أن العراق شرف مصر حين ائتمنها على كلية الحقوق، وهو شرف عظيم جداً، ومن واجب الأساتذة المصريين أن يتذكروا في كل لحظة قيمة هذه الثقة الغالية، من واجبهم أن يفهموا أن من الشرف أن يموتوا في سبيل تلاميذهم في العراق ومن حسن الحظ أن ذلك الطالب نص على أن مصر تفقهت على يد الشافعي وقد رحل إليها بعد أن تفقه بالعراق

ولو كان لي مجال بين الخطباء في ذلك اليوم لأضفت إلى هذا أن علماء مصر ظلوا مئات السنين وهم يهتفون (قال البصريون وقال الكوفيون) وحصير الأزهر يشهد، وهو في هذا الباب من أصدق الشاهدين

أعتقد أن العراق أدى حق الأخوة حين وثق بمصر، ولم يبق إلا أن يؤدي المصريون واجبهم في حمل الأمانة وحفظ العهد

وخطب معالي وزير المعارف خطبة وجيزة جداً أعلن فيها ارتياحه إلى تبادل العطف بين الأساتذة والطلاب، وهو معنى شريف

وبعد توزيع الجوائز وتناول الشاي غنى الأستاذ محمود توفيق مع فرقة الإذاعة أغنية طريفة. ثم غنت المطربة زكية جورج أغنية فيها أسم (ليلى) فاشرأبت أعناق الحاضرين للبحث عن مكاني، وصاح سعادة الأستاذ تحسين إبراهيم: أين الدكتور زكي مبارك؟ فتقدمت على استحياء والدمع في عيني، وشكرت المطربة، ورجوتها أن تغني: (على بلد المحبوب وديني)

فلما وصلت إلى عبارة (وعيني تبقى في عينيك) نظرت إلي وحدقت بعطف وحنان، وفهم الحاضرون الإشارة فضجت أكفهم بالتصفيق، ورأيت موقفي صار في غاية من الحرج فأنسحبت وحرمت نفسي بقية الأطايب التي وعد بها منهج الاحتفال

وبعد أسبوع حضرت حفلة توزيع الجوائز بكلية الطب فرأيت الطلاب في صف والطالبات في صف، وراعني أن يكون الطالبات جميعاً من البيض، فيا رباه كيف جعلت ليلاي بالعراق سمراء!. . . أحبك يا ليلى وأحب شعاع السمرة وهو يتموج في سرائر وجهك الجميل!

وأقسم المتخرجون اليمين واحداً واحداً. وليتهم أقسموا دفعة واحدة، كالذي وقع في كلية الحقوق، فقد قضيت نحو ألفي ثانية وأنا أسمع (وأقسم أن لا أفشي سراً لمريض) وأدرك الأستاذ مهدي كبة حيرتي وذهولي فقال: تلك عاقبة من يفشي أسرار مرضاه من الملاح

فضحتني يا ليلى، شفاك الله وعفا عني!

ولما خرجت من الحفلة مضيت إلى محطة الإذاعة، مضيت أستجدي القول المأثور:

يقولون ليلى في العراق مريضة ... فيا ليتني كنت الطبيب المداويا

ولكن سكرتير الإذاعة في هذه المرة رجل له وجه الجاحظ ولو شئت لقلت إنه الصفواني. وقد اعتذر عن إذاعة ذلك الصوت لأنه لا يريد أن يحول أهل العراق كلهم إلى مجانين.

كأنه يعقل!

وخرجت مع الأستاذ إبراهيم حلمي راجياً أن يكون في سمره الطريف ما يخفف حزني، فما خف حزني ولا تزحزح، ورجعت إلى البيت وأنا مكروب

وقمت قبيل الفجر مرتاعاً لطرق الباب، فتدثرت وخرجت فإذا الجار العزيز يسأل عن حالي وفي ذراعه زوجته المصرية النبيلة التي رعت غربتي أكرم رعاية. فقلت: خير! ما عندك يا سيد داود؟ فأجاب: لقد استيقظت السيدة وهي مرعوبة، لأنها سمعتك تصرخ آه! آه! يا ليل! يا ليل! وقد حسبناك مريضاً فحضرنا للاطمئنان عليك

فقلت: أنا بخير كما ترون وصوبت بصري إلى الزوج وقلت: الرفق لا يستغرب من عراقي مثلك. ونظرت إلى الزوجة وقلت: الأزهار المصرية رقيقة الأوراق

أنا كنت أقول: آه آه؟ هذا صحيح، ولكني ما كنت أقول: (يا ليل يا ليل)؛ وإنما كنت أقول (يا ليلى يا ليلى)

فضحتني يا ليلى عند جيراني وقد شفاك الله فمتى يمن عليّ بالشفاء؟

وفي ظهر ذلك اليوم العنيف مضيت لشهود حفلة الطيران، وهي حفلة سنوية يستبق إليها أهل بغداد من رجال ونساء، أقيمت الحفلة في المطار المدني ودامت ثلاث ساعات شهدت فيها الأعاجيب وعرفت أن فتيان العراق يعرفون معنى السيطرة على الهواء، وكان في المنهج صورة طريفة من التقاط الرسائل فألقيت بنفسي في ساحة المطار وقدمت رسالة إلى الله عز شأنه أدعوه أن يزيح الكرب عن أهل فلسطين، فإن شكاياتهم من الظلم كدرت جميع الناس، وآذت المنصفين من أحرار اليهود. وأشهد صادقاً أني رأيت ناساً من بني إسرائيل يتوجعون لمصير العرب في فلسطين، وفلسطين الشهيدة لا تدافع اليهود من العرب، وإنما تدافع اليهود من الأجانب الذين يدخلون عليها بلا تسليم ولا استئذان فيغرسون الحقد على سائر اليهود في الأقطار العربية. وشهدت الطيران القاصف، طيران الهجوم، فتمنيت لو ساد السلام وتحول الطيران في جميع بقاع الأرض إلى وسائل اقتصادية

وشهدت تشكيلات الأسراب فرأيت كيف تقام الخطوط الهندسية في أجواز الفضاء وفي الناس من يعجز عن إقامة الحدود الهندسية فوق القرطاس!

ورأيت الطيران الأهوج فتمنيت لو سموه طيران القلوب. فليس لأحوال القلوب ميزان! كانت حفلة الطيران ممتعة من كل جانب وقد خبلت عقلي فلم أتنبه إلى أن مكاني كان قريباً جداً من مكان جلالة الملك. ولو كنت تنبهت لتشرفت بمصافحته وهنأته بما وصلت إليه القوة الجوية في العراق

وبعد أيام شهدت حفلة الكشافة وهي تجل عن الوصف، وهي الشاهد على أن شبان العراق نقلوا إلى بلادهم أقوى مظاهر التمدن الحديث

وبفضل هذه الحفلة عرفت كيف أنشئ في دار المعلمين العالية فرعاً للألعاب الرياضية

كان في الحفلة كشافون وكشافات وكان من تقاليد الكشافين أن يحيوا المقصورة الملكية فيرد عليهم جلالة الملك بتحية أرق وألطف، أما الكشافات فكن يمررن على المقصورة الملكية بلا تسليم

آه ثم آه من دلال الملاح!

داويت قلبي بهذه الشواغل التي أتاحها موسم الحفلات في بغداد وحسبت أني نجوت من عقابيل الصبابة الباغية

ولكن هيهات

ثم لطف الله فحضرت ظمياء.

- إيش لونك يا دكتور؟

- بخير وعافية يا ظمياء، لولا الذي تعلمين، وإيش لون ليلى؟

- في عافية الفرس الجموح

- ومتى أراها يا ظمياء؟

- لن تراها إلا إذا استغفرت من ذنوبك؟

- وهل للأطفال ذنوب يا ظمياء؟

- إسمع يا دكتور، إن الدسائس حولك كثيرة جداً، وليلى توجه إليك تهمات تهد الجبال

- أنا متهم يا ظمياء؟ متهم في بغداد؟ وعند ليلاي؟ آمنت بالله، وكفرت بالحب!

- تشجع واحتمل الصدمات، فقد عشت دهرك من الشجعان ومن الصابرين.

- وكيف تتهمني ليلى يا ظمياء؟

- هي تتهمك، ولك أن تدافع عن نفسك إن استطعت! - أفصحي يا ظمياء، فقد طار صوابي

- اسمع يا دكتور، إن ليلى توجه إليك التهم الآتية، وكلها مزعج مخيف

أما التهمة الأولى فهي:

(للحديث شجون)

زكي مبارك