مجلة الرسالة/العدد 255/الإصلاح المنشئ والإصلاح الآلي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 255/الإصلاح المنشئ والإصلاح الآلي

مجلة الرسالة - العدد 255
الإصلاح المنشئ والإصلاح الآلي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 05 - 1938


للأستاذ عباس محمود العقاد

الإصلاح اصلاحان: منشئ تسيطر به الإرادة على العوامل الخارجية، وآلي بعيد من هذه السيطرة لأنه يبدأ بالتسليم وينتهي بالتسليم، وينقاد للعوامل الخارجية في الأساس والجوهر، ولا يجترئ على مخالفتها وتعديلها إلا فيما هو عرض من الأعراض.

الإصلاح في الحالة الأولى مسألة حية أو مسألة نفسية والإصلاح في الحالة الثانية هو مسألة عدد أو مسألة تطبيق حسابي قلما تشترك فيها الإرادة الإنسانية إلا بالمقدار الضروري الذي لا يمكن منعه، لأن تجريد الأعمال الإنسانية من إرادة وشعور كل التجريد أمر لا يستطيعه الإنسان، إذ هو مستحيل

مثال ذلك فندق في مدينة يراد إصلاحه واستحداث نظام غير نظامه

فعلى قواعد (الإصلاح الآلي) كل ما يفكر فيه المصلحون أن يعرفوا أن أثاثه قديم فهو محتاج إلى التغيير، وتلك معرفة لا تفتقر إلى ابتكار عظيم

وأن يعرفوا أن عدد النازلين به يزداد فهو محتاج إلى بناء جديد فيه كذا من الجوانب وكذا من الحجرات، وتلك معرفة أرقام وتطبيق حساب

وأن يعرفوا أن الخدم مقصرون أو قليلون، ومن السهل أن يصل الإنسان إلى هذه المعرفة بغير قدرة على الإنشاء والاختراع

أما الإصلاح على قواعد الإنشاء والاختراع فهو يتناول فن البناء وموقع الفندق وموافقة الإضاءة والتهوية لأحدث الكشوف العلمية، ودراسة النفوس وما تهواه من منظر ورياضة وطعام وأساليب في الخدمة، وإقداما على سبق جميع الفنادق الأخرى في المرغبات والمحسنات، وتفكيراً في ترجيح المدينة كلها على المدن المرتادة للسياحة والتفرج والاستشفاء، لا يقتصر على انتظار السائحين والمتفرجين والمستشفين حتى يصلوا بحكم العادة إلى المدينة، فيجدوا الفندق الذي لا بد أن يجدوه

كل إصلاحنا نحن ينحصر في القواعد الآلية، ولا يجترئ على جانب الابتكار والاقتحام إلا من بعيد، وبعد فوات الأوان.

وقد ألقيت من يدي كتاب (على هامش السياسة) لمؤلفه صاحب السعادة حافظ عفيفي ب وأنا أضيف مثلاً جديداً على الأمثلة العديدة التي ترجح ما أقول

قرأت فيما قرأت من هذا الكتاب فصل التعليم الجامعي فإذا بالإصلاح المنشود ينحصر:

(أولاً) في أن يجد جميع من أتم سلسلة من حلقة هذه الدراسة المكان الذي يطلبونه في السلسلة التالية، بمعنى أنه يجب أن توجد محال كافية في المدارس الثانوية لمن ينتهي بنجاح من الدارسة الابتدائية، وأن يجد من ينتهون بنجاح من الدارسة الثانوية الأمكنة اللازمة لهم في المدارس العالية مندمجة في الجامعة أو منفصلة عنها الخ الخ.

و (ثانياً) في إيجاد التناسق المرغوب فيه بين أجزاء التعليم فلا تنشئ مدرسة ابتدائية أو ثانوية من الآن إلا بعد أن تنشئ عدداً من المدارس العالية الخ.

و (ثالثاً) يجب أن يراعى في هذا التعليم بجميع أجزائه ألا يزيد عدد الفرقة عن الحد المعقول الذي يسمح للمدارس بمراقبة سير تلاميذه، والذي يمكنه من متابعة الإشراف عليهم وتعهدهم وإدراكه مواطن الضعف والقوة في كل منهم.

و (رابعاً) ألا يزعج التلاميذ والمدرسون بنقلهم من بلاد إلى أخرى لتمضية الامتحان في حرارة الصيف المحرقة حيث يحشرون في أماكن تقام للضرورة تحت الخيام الخ.

وقس على ما تقدم سائر الإصلاحات المنشودة في نظام التعليم الجامعي وما يترقى إليه من تعليم المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية.

أي إنه إصلاح (ضابط) أو رئيس ضباط في مدرسة واحدة أو مجموع مدارس مختلفة، وليس بإصلاح سياسي يضع البرامج وينشئ العقول والنفوس.

انتقل من مشكلة التعليم الجامعي والتعليم كافة في نظر سياسي مصري إلى هذه المشكلة بعينها في أنظار الساسة الأوربيين، واجتهد أن تقيس المسافة الشاسعة التي تفرق بين النظرتين.

مشكلة التعليم في الغرب هي: هل يتعلم الشاب على أساس الحرية الفردية، أو على أساس غلبة الدولة وانغماس الفرد في الأمة أو في الهيئة الحاكمة؟ فإذا تعلم على أساس الحرية الفردية فالنتيجة تشمل كل نظام في الأمة من حقوق دستورية، وحقوق اجتماعية وطموح إلى النقد، وقدرة على المخالفة، وإيمان بالتقدم والفكر الإنساني والمناقشة العقلية.

وإذا تعلم على أساس غلبة الدولة، فالفضيلة الكبرى هي الطاعة والإذعان والإيمان بعصمة القادة، وأن التقدم الإنساني وهم من الأوهام، وأن القوة هي السلطان الأعلى في الزمن القديم وفي الزمن الحديث، وأن التواريخ والآداب لا ينبغي أن تفهم ولا أن تدرس إلا على هذا الاعتبار.

مشكلة التعليم في الغرب هي: هل يتعلم الشاب على دين العصبية الوطنية والغلو في تمجيد الذات وتغليب الوطن على جميع الأوطان، أو يتعلم الشاب على دين المعاونة الإنسانية والعقائد التي تمثلها عصبة الأمم ويبشر بها دعاة الوحدة العالمية

مشكلة التعليم في الغرب هي: هل يتعلم الشاب على اعتقاد أن الآداب والفنون والأديان هي ترجمان طبقة واحدة أو سلاح طبقة واحدة في حرب الطبقات، أو يتعلم الشاب على اعتقاد أن الآداب والفنون والأديان هي ثروة بني الإنسان جميعا من قديم الزمان، وستظل ثروتهم جميعاً إلى آخر الزمان.

تلك هي مشاكل التعليم الحقيقية أو هي بعض مشاكله الكثيرة في العهد الحاضر، وليست هي عدد الفصول وعدد المدارس والمدرسين وأماكن الامتحان

ومشكلة الامتحان عندهم ليست هي الخيام التي تقام أو لا تقام، وإنما هي البحث في الوسيلة الصحيحة لاختبار الملكات الذهنية والنفسية: هل هي بالسؤال والجواب، أو هي بالملاحظة الطويلة في أثناء العمل، أو هي بالاختبارات (الإيحائية غير المباشرة) التي تكشف القوى الكامنة دون سؤال صريح في ظاهر الموضوع.

وقبل أن يصلوا إلى مشكلة الامتحان تقوم مشكلة أخرى وهي مشكلة المواد التي يجري فيها الامتحان وتقسيم الدارسين على حسب تقسيم الدروس

فهل العقول الإنسانية لا تنقسم إلا إلى عقل عالم وعقل أديب! أو هناك أقسام شتى يدخل فيها العقل الفنان، والعقل الصنع، والعقل الإداري، والعقل المشارك في المداورات الاجتماعية الذي يربح بحسن الدخول بين الناس مالاً يربحه أعلم العلماء ولا أبرع الأدباء بالنجاح في ميادين العلوم والآداب؟

وهل حتم على العقول الإنسانية جميعاً أن تتذوق الرياضة والجغرافيا والكيمياء وإلا كانت ناقصة معيبة، أو هناك عوالم للتفكير والشعور وراء الرياضا والجغرافيا والكيمياء، وهناك عقول تصلح لهذه العوالم وإن كانت لا تصلح لما عهدناه من برامج الدروس تلك أيضاً بعض مشاكل التعليم التي تدخل في نطاق من يصلحون البرامج وينشئون الأفكار، ولكنها لا تدخل في وظيفة الضابط أو كبير الضباط.

أذكر أن إصلاح التعليم العالي عرض للبحث منذ سنتين، فكان بعض المصلحين (على الترتيب والتعقيب وخط المسطرة والبركار) يقولون إننا نبدأ بالتعليم الابتدائي حتى نعرف ما نحتاج إليه في المدارس العالية، كأنما المسألة مسألة بيت يبني الدور الأرضي منه قبل أن تبني الأدوار العليا، أو كأنما المسألة مسألة طريق لا تصل إلى الميل الثاني منه قبل أن تجتاز الميل الأول، أو كأنما هي أعمار لا تكون في الثلاثين إلا بعد أن تكون في العشرين، وهي ليست بهذه ولا هذه ولا تلك، وإنما هي مسألة غاية ترتب عليها البداية وتعرفها قبل أن تخطو خطوة واحدة في طريقك إليها؛ ومن ثم وجب أن تبدأ بالتعليم العالي ثم تعلم التلاميذ في المدارس الابتدائية وفي المدارس الثانوية ليستعدوا له وينتهوا إليه؛ ولا ضرورة على الإطلاق لانتظار السنة الأولى الابتدائية وأنت تفكر في تقرير المناهج الجامعية، وإنما هي ضرورة وهمية عند من يمشون على المسطرة ولا يخرجون على الترتيب المرسوم!

علينا أن نصلح المصلحين ونداوي أطباءنا وليس هذا بميسور أو علينا أن نكسر المسطرة القديمة ونترقب نوازع الاقتحام في الجيل الجديد وإن طاشت في بداية اقتحامها، وذلك أيسر الأمرين.

عباس محمود العقاد