مجلة الرسالة/العدد 254/مات الرجل العظيم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 254/مات الرجل العظيم

مجلة الرسالة - العدد 254
مات الرجل العظيم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 05 - 1938


محمد إقبال

للدكتور عبد الوهاب عزام

- 1 -

في اليوم الحادي والعشرين من أبريل الماضي والساعة خمس من الصباح، في مدينة لاهور مات رجل كان على هذه الأرض عالماً روحياً يحاول أن ينشئ الناس نشأة أخرى، ويسن لهم في الحياة سنة جديدة؛ وسكن فكر جوال جمع ما شاءت له قدرته من معارف الشرق والغرب، ثم نقدها غير مستأسر لما يؤثر من مذاهب الفلاسفة، ولا مستكين لما يروى أقوال العظماء؛ ووقف قلب كبير كان يحاول أن يصوغ الأمة الإسلامية من كل ما وعي التاريخ من مآثر الأبطالوأعمال العظماء؛ وقرَّن نفس حرة لا يحدها زمان ولا مكان، ولا يأسرها ماض ولا حاضر، فهي طليقة بين الأزل والأبد، خفاقة في ملكوت الله الذي لا يحد.

مات محمد إقبال الفيلسوف الشاعر الذي وهب عقله وقلبه للمسلمين وللبشر جميعاً. الرجل الذي كان يخيل إلي وأنا في نشوة من شعره أنه أعظم من أن يموت، وأكبر من أن يناله حتى هذا الفناء الجثماني.

فاضت روح الرجل الكبير المحبوب في داره بلاهور ورأسه في حجر خادمه القديم الوفي (الاهي بخش) وهو يقول: إني لا أرهب الموت. أنا مسلم أستقبل المنية راضياً مسروراً.

كنت أقرأ كلام إقبال في الحياة والموت، ورأى استهانته بالحمام، واستهزاءه بالذين يرهبونه. وما كان هذا خدعة الخيال، ولا زخرف الشعر فقد صدق إقبال دعوته في نفسه حين لقي الموت باسما راضياً.

جد المرض بإقبال منذ سنة، وكان يقترب إلى الموت وهو متقد الفكر، قوي القلب، يصوغ عقله كلماتٍ يوقظ بها النفوس النائمة، وينثر قلبه شراراً يشعل به القلوب الهامدة. وكان يعنى بنظم كتابه (آهنكَ حجاز): لحن الحجاز. وكان قلب الشاعر يهفو إلى الحجاز وقد تمنى في خاتمة كتابه (رموز بي خودى) أن يموت في الحجاز. ومما نظمه في أشهره الأخيرة:

آية المؤمن أن يلقى الردى ... باسم الثغر سروراً ورضا

وقد أنشد هذين البيتين قبل الموت بعشر دقائق، وهما مما أنشأه أخيراً:

نغمات مضين لي، هل تعود ... ونسيم من الحجاز سعيد؟

آذنت عيشتي بوشك رحيل ... هل لعلم الأسرار قلب جديد!

وآخر ما أنشأ من الشعر بيتان أترجمهما نثراً:

(قد أعدت جنة لأرباب الهمم، وجنة أخرى لعباد الحرم. فقل للمسلم الهندي لا تحزنن، فكذلك للمجاهدين في سبيل الله جنة).

- 2 -

كان تشييع إقبال إعراباً رائعاً عما للرجل الفذ في قلوب أهل الهند عامة ومسلميه خاصة. احتشدت عشرات الألوف تودعه بالبكاء والزفرات، وشاركت النساء بالعويل والنحيب، وتنافس الحاضرون في حمل النعش فوضع على خشبيتين طويلتين ليتسنى لكثير من المشيعين أن يشرفوا بحمل الرجل العظيم إلى مثواه الأخير. وقد بلغت الجنازة شاهي مسجد وخلفها زهاء أربعين ألفاً، فوقف الناس ساعة كاملة حتى تيسر لهم أن يصطفوا للصلاة على الفقيد الجليل، ثم نقلت الجنازة إلى حديقة متصلة بالمسجد. وهنالك الساعة عشر إلا ربعاً من المساء غربت شمس إقبال في جدتها، وطوى الجهاد الذي ملأ الدنيا في لحده، وأدرجت الحكمة والشعر والحرية التي تأبى الحدود والقيود في جننها وضع محمد إقبال في قبره.

وغشى القبر الذي تضمن روضة الشعر بضروب الزهر والريحان، ثم نثرت عليه أزهار أخرى من أقوال الخطباء والشعراء الذين أطافوا بالشاعر الخالد.

وتجاوبت أرجاء الهند بأقوال الكبراء يعربون بها عما أحسوا من لوعة، وما دهى الهند من مصيبة، بموت شاعرها الأكبر. أجتمع على هذا المسلم وغير المسلم؛ فهذا جواهر لآل نهرد يقول:

(لقد دهتني وفاة إقبال بصدمة هائلة. شرفت بلقاء إقبال ومحادثته منذ قليل؛ وكان مستلقياً على فراش المرض، ولكن كان لفكره العالي ونزعته الحرة في قلبي أثر بليغ. لقد فقدت الهند بفقد إقبال كوكباً لآلاء مضيئاً، ولكن شعره سيخلد في قلوب الأجيال الآتية، وذكراه العظيمة لن تموت).

وهذا الدكتور محمد عالم يقول:

(لا تستطيع أرض البنجاب أن تخرج إقبالاً ثانياً في عصور طويلة). ويضيق المجال عن الإكثار من أقوال أعلام الهند في فقيدهم.

وأرخ بعض الشعراء وفاة إقبال (سنة 1357) في قوله:

تاريخ (بور إقبال شاعر مشرق) - كان إقبال شاعر الشرق. وأرخ آخر بقوله: كنه علامة إقبال سوى بهشت برين: ذهب العلامة إقبال شطر الجنة العالية.

ترك الشاعر النابغة ابنين وبنتاً وأخاً وثلاث أخوات.

- 3 -

ولد محمد إقبال في سيال كوت سنة 1876م من عشيرة قديمة دخلت في الإسلام منذ ثلاثة قرون، وكانت تقيم في كشمير ثم اضطرتها الحوادث أن تهاجر إلى البنجاب واستقرت أسرة إقبال في سيال كوت.

وبدأ تعلمه في البلد الذي ولد به. ودرس على العالم الكبير مير حسن فأذكى في قلبه حب الآداب الشرقية. ثم انتقل إلى لاهور للدراسة العالية فكان من أساتذته السير توماس ارنولد أستاذ الفلسفة الإسلامية. وقد سمعت أرنولد يفخر بأن إقبالاً تلميذ. وفي ذلك الحين شدا إقبال الشعر، فرجا الناس فيه شاعراً خطيراً. ونال درجة أستاذ في الأدب وصار مدرس الفلسفة في إحدى الكليات.

وسنة 1905م سافر إلى أوربا فتعلم في كامبردج القانون، ثم ذهب إلى ألمانيا فدرس الفلسفة. وبعد ثلاث سنين من خروجه من وطنه رجع إليه مرجوا لأمته محبباً إليها. وعمل في المحاماة وقصده الناس لاستشارته والاستعانة به في كثير من الأمور التي كانت تهم المسلمين. وما زال نجمه يسطع، وصيته يذيع، وشعره يجوب أرجاء الهند ويستقر في كل قلب حتى اجتمعت قلوب المسلمين عليه، ورددوا أقواله في خطبهم ومقالاتهم، وتقيلوه في أعمالهم، وكأنما أذكى الشاعر العبقري في كل قلب جذوة، وملأ كل رأس فكراً، وكل نفس حرية وعظمة، حتى مات وكل يتشبه به، ويطمح إلى أن يكون من المهتدين بهديه.

وسأعود إلى الكتابة عن فلسفته وأدبه إن شاء الله.

والله يعوض الأمم الإسلامية ويعزيها عن إقبال بالاستجابة لدعوته والسير على أثره.

عبد الوهاب عزام