مجلة الرسالة/العدد 254/ليلى المريضة في العراق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 254/ليلى المريضة في العراق

مجلة الرسالة - العدد 254
ليلى المريضة في العراق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 05 - 1938


للدكتور زكي مبارك

- 18 -

- كان فضيلة الشيخ دعاس العيسوي والد عبد الحسيب يقيم بالزمالك، أعني في بولاق.

- ما هذا الخلط يا ظمياء؟

- كنا نفهم انه يقيم بالزمالك، ثم عرفنا انه يقيم في بولاق، وقد فهمنا أن سكان بولاق يحبون أن يسموا محلتهم زمالك.

- شئ غريب!

- وما وجه الغرابة في لك؟ إن بولاق تشرف على النيل كما تشرف عليه الزمالك

- ولكن بولاق في الضفة الشرقية، والزمالك في الضفة الغربية، فبولاق شرق، والزمالك غرب، والشرق والغرب لا يلتقيان

- أيش لون؟

- هذه معان لا يفهما غير الفلاسفة يا ظمياء

- وكنت أذهب في صحبة ليلى إلى منزلي الشيخ دعاس العيسوي، وكان شيخاً يقارب الستين، ولكنه كان أعجوبة الأعاجيب في مغازلة النساء. كان يصوب بصره إلى ليلى ويقول: (يا بنت يا كهرباء) وكانت ليلى ترتاح لهذا الوصف الطريف. ولعلها كانت تود لو سمعت هذه العبارة الطريفة من عبد الحسيب، وكانت السيدة نجلاء. . .

- هل تعرفين شيئاً من تاريخ نجلاء؟

- أعرف كل شئ: كانت فتاة خفيفة الروح عرفها الشيخ دعاس وهو يصطاف في لبنان قبل الحرب بأعوام طوال، فتزوجها ونسى من أجلها زوجته وأبناءه في (شمون).

- وهي أم عبد الحسيب؟

- بالتأكيد، وعنها ورث خضرة العينين

- فهمت. هاتي بقية الحديث

- وكانت ليلى ترفض الجلوس على المائدة مع الشيخ دعاس وابنه عبد الحسيب، ثم استأنست بعد حين، فقد اطمأنت إلى شرف القلوب في ذلك البيت. وكان فضيلة الشيخ دعاس يتناول على المائدة دواءً كميت اللون يصلح الأمعاء. وكان هذا الدواء يحفظ في صوان خاص ويُقدَّم إليه في الغداء والعشاء. وفي ظهر يوم طرق الباب وأعلن الخادم قدوم الشيخ الزنكلوني فأسرعت ربة البيت وأخفت زجاجة الدواء. ودخل الشيخ الزنكلوني فرأيناه رجلاً عليلاً وعجبنا كيف يبخل عليه الشيخ دعاس بقطرة من الدواء الذي يصلح الأمعاء.

- عمن تلقيت دروس اللؤم يا ظمياء؟

- تلقيتها عن طبيب مصري يقيم في بغداد

- وأين عيادة هذا الطبيب؟

- هو طبيب بلا عيادة، على وزن وزير بلا وزارة

- فهمت. ويسرني أن يكون تلاميذي جميعاً أذكياء. وماذا صنع الشيخ الزنكلوني حين رأى ليلى؟

- قبّل جبينها وقال: أنت درية؟ فلما عرف أنها فتاة من العراق قبّل جبينها مرة ثانية وقال: أنا احب العراق ونسائم العراق وجميع ما يرد من وطن أبي حنيفة النعمان. اسمعي يا بنيتي، أنا من الشافعية، ولكني أستظرف الحنفية.

وهنا تدخل الشيخ دعاس فقال: ولكن أبو حنيفة كان يبيح النبيذ.

فثار الشيخ الزنكلوني وقال: هذه دسيسة مذهبية، فما أباح أبو حنيفة النبيذ، وإنما أباح العرقسوس

وتشجعت ليلى فقالت: رحم الله أبا حنيفة فقد كان يعرف أن العرقسوس يصلح الأمعاء.

وكانت أول مرة فهم فيها الشيخ دعاس أن ليلى لم تكن من الغافلات

ثم دعانا الشيخ الزنكلوني لزيارة منزله في حارة أو الغلام

- وزارته ليلى هناك؟

- وعدت ثم أخلفت، فقد رابها تظرف المشايخ

- ضيعتم فرصة ثمينة يا ظمياء. فما الشيخ الزنكلوني متظرفاً وإنما هو ظريف

- سنزوره حين نرجع إلى مصر يا مولاي

- ومتى ترجعون إلى مصر، يا ظمياء؟ - حين تسمن الأسماك

- ومتى تسمن الأسماك؟

- حين ينضج التوت

- ومتى ينضج التوت؟

- حين تعقل ليلى وترجع إلى التلطف مع طبيبها النبيل

- إذاً لن ينضج التوت ولن تسمن الأسماك

- صبراً يا دكتور فإن الله مع الصابرين

- سأصبر يا طفلتي الغالية. . . ولكن كيف كانت ليلى مع عبد الحسيب؟

- كانت تتغطرس عليه كما تتغطرس عليك، فتتجاهل ما تملى عليه الصبابة من نظرات وأحاديث. المحبون يتغطرسون لأنهم أذلاء، ولو كانوا على شيء من العزة لاحتقروا الكبرياء. وهذا هو السبب في أن الأحباب يحرم بعضهم عطف بعض. فالحبيب يريد أن يذل له المحب، والمحب يريد أن يذل له الحبيب؛ وفي ظلمات هذا العتاد السخيف تنفصم الأواصر والصلات. وكان المسكين عبد الحسيب يسلك إلى قلب ليلى كل سبيل. كان يحتال ليظفر منها بابتسامة. كان يغرب في سرد أخبار الشيخ كراوية

- ومن الشيخ كراوية يا ظمياء؟

- أستاذ كان يدرس اللغة العربية بمدرسة المساعي المشكورة بالزقازيق.

- أنت جاهلة يا ظمياء، فمدرسة المساعي المشكورة في شبين الكوم لا في الزقازيق

- أؤكد لك أنها في الزقازيق. ولك أن تسأل ليلى فعندها الخبر اليقين

- إذا أخذت العلم عن ليلى فعلى العلم العفاء

- وكان عبد الحسيب يقف فيقلد صوت الشيخ كراوية وهو ينشد قول جرير:

إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا

وكان يصوب بصره إلى ليلى حين يصل إلى عبارة (وهن أضعف خلف الله إنسانا)، وكان يرضيها أن ترى هيامه بها فتبالغ في التغطرس والازدهاء

وفي إحدى العصريات دخل عبد الحسيب غضبان فانزعج الشيخ دعاس وانزعجت السيدة نجلاء، فنظرت إلى وجه ليلى فرأيته يشبه دجلة في أيام نيسان

- إيش لون؟

- وأنت يا مصري نقول (إيش لون؟)

- إيش لون؟ إيش لون؟

- دجلة في نيسان تحاول من فرط الشوق والحيوية أن تلطم وجه بغداد

- وكانت ليلى تحب أن تلطم وجه عبد الحسيب؟

- كانت تهم بافتراسه لأنها كانت تنكر أن يدرك معنى البؤس وهي في دنياه

- كانت تحبه؟

- وأي حب؟ وهل في الدنيا فتاة تحبس قلبها عن فتى وافر الرجولة متين الأخلاق؟

- وما هي أسباب ذلك الغضب الذي سيطر على عبد الحسيب؟

- قال إنه تلقى محاضرة في مدرسة البوليس ألقاها الصاغ على حلمي عن (القوة المعنوية) فثار صدره وعجب كيف يعجز عن التسلح بالقوة المعنوية، وجلس على المائدة وهو في غاية من العقل، فلا نوادر ولا فكاهات، ولا الشيخ كراوية ولا عبد الله شعيب. فعرفت ليلى أن الشاب ابتدأ يحاربها بلا رحمة ولا إشفاق. آه، ثم آه!

- لا تتأوهي يا ظمياء فقد مزقت قلبي

- تحبني يا مولاي؟

- استحي يا ظمياء فأنت في حضرة طبيب

- وبعد ليال دعتنا السيدة نجلاء لسماع المغنى عبد اللطيف البنا في ملاهي المعرض فسمعناه يقول:

(سلامة القلب من حبك يا قاسي)

فتحدرت مدامع ليلى وأصابها إغماء. وكانت ليلة قضيناها في كروب وأشجان. وفي الليلة التالية صممت ليلى على أن نذهب وحدنا إلى ملاهي المعرض، فسمعنا أم كلثوم تغني

يا للي شغلت البال ... يا ليت أكون على بالك

الوجد له أحوال ... يا ليتني أعرف حالك

فأخذت ليلى تبكي بكاء لا تجود بمثله عيون الأطفال، فخشيت أن نفتضح وأخذتها في سيارة إلى المنزل الذي كنا نقيم فيه بشارع قصر النيل، واحبسنا عن جميع الناس ثلاثة أسابيع

- ثم ماذا؟

- ثم تفضل الشيخ دعاس والسيدة نجلاء والآنسة درية بالسؤال عنا فتشجعت ليلى وسألت عن عبد الحسيب، فأبتسم الشيخ دعاس وقال: تحبينه يا ليلى؟ فقالت: ما أحبه، وإنما أشتهي أن يحدثني مرة ثانية بحكايته يوم تشيطن فأخذ زجاجة الزيت وملأ بها حابر زملائه من التلامذة الأقباط حين كان تلميذاً بمدرسة المساعي المشكورة الثانوية.

وقهقة الشيخ دعاس وهو يقول: وما رأيك يا ليلى إذا كان التلامذة الأقباط اصبحوا يرحبون بوضع الزيت في محابرهم على أيدي التلامذة المسلمين؟

ولم تفهم ليلى ما يريد، فاستطرد الشيخ دعاس قائلا: نحن ائتلفنا يا بنيتي على يد الشيخ الصالح سعد زغلول، وأنا وضعت قواعد الائتلاف قبل سعد زغلول، فزوجتي نجلاء كانت مسيحية وأسلمت لتربط بين مصر ولبنان. فما رأيك لو خطبتك لعبد الحسيب؟

فاستأنست ليلى وقالت: هل قرأت يا فضيلة الشيخ أخبار عمر بن أبي ربيعة؟

فقال: ما قرأتها، لأن أخبار عمر بن أبي ربيعة لا تدرس في الأزهر الشريف.

فقالت ليلى: كان ابن أبي ربيعة يستهوي جميع النساء اللائي يشهدن موسم الحج، إلى أن فتنته امرأة عراقية، فراودها عن نفسها فاستعصمت، فخطبها لنفسه فأبت وقال: تعال إلى العراق واخطبني من أهلي. وكان ابن أبي ربيعة ماجناً فلم يتبع معشوقته إلى العراق، وحرمه المجون من التشرف بمصاهرة أهل العراق.

فإن كان عبد الحسيب صادقا في حبي فليمض إلى العراق وليخطبني من أهلي هناك.

وعرف الشيخ دعاس أن هزل الحب جد، فانصرف وهو مكروب!

- ثم ماذا يا ظمياء؟

- ثم انتظرنا أسابيع فلم يسأل عنا الشيخ دعاس ولا ابنه عبد الحسيب، فرجعنا إلى العراق ونحن نبكي سلامة لأخلاق في بلاد الفراعين

- شئ مزعج، شيء مزعج!

- لا تحزن يا مولاي ولا تبتئس، فقد وقعت أعاجيب - أفصحي يا ظمياء - في اليوم الثالث والعشرين من تشرين الأول سنة 1926 طرق الباب زائر غريب، فنظرنا فإذا هو الضابط عبد الحسيب بعينيه الخضراوين وقوامه الرشيق؛ وهجمت ليلى عليه فقبلت جبينه وخديه بلا تهيب ولا استحياء، ودعوناه للنزول في ضيافتنا فرفض، وقال إنه جاء لخطبة ليلى، وإنه ظفر بدبلوم مدرسة البوليس، وأنه مرشح لرياسة نقطة النعناعية، فنظرت ليلى إليه بعيني اللبؤة العادية وقالت: لن اقبل يدك أو اختبر أخلاقك!

- ثم ماذا؟

- ثم استيأس الشاب المسكين وقال: وبأي صورة أعيش في بغداد؟ فقالت ليلى: ذلك إلي

- ثم ماذا؟

- ثم تحمّلْت ليلى بأهلها ومعارفها إلى نوري باشا السعيد وكان يومئذ وكيل القائد العام، وكان برتبة زعيم فالحق الضابط عبد الحسيب بالجيش العراقي بحجة التقريب بين مصر والعراق

- شيء جميل!

- انتظر يا دكتور، فقد أفسدت ليلى كل شيء

- وماذا صنعت الحمقاء؟

- بثت من حوله العيون لترى كيف يفكر وكيف يصنع، فصح عندها انه كافر بالحب وكافر بالعروبة فأصلته نار الصدود

- ثم ماذا يا ظمياء؟

- ثم رحل المسكين إلى مصر بدون أن يستأذن رئيسه نوري باشا السعيد

- ثم ماذا يا ظمياء؟

- ثم خلت حياة ليلى من حبيبها الغالي فلم تعد تعرف طعم الحياة وحالفها الضنى والنحول

- ثم ماذا يا ظمياء؟

- ثم علم الشاب المسكين بمرض محبوبته الغالية فلاذ بأمه الرءوم فمضت إلى الأستاذ خليل مطران تستفتيه، فكان من رأيه أن ينتقم من ليلى بطريقة دولية تضج لها المشارق والمغارب، وصح عنده أن تغني السيدة نادرة هذا البيت:

يقولون ليلى في العراق مريضة ... فيا ليتني كنت الطبيب المداويا ولم يقف عند هذا الحد، بل أشار بوضع هذا الصوت في شريط (أنشودة الفؤاد).

- ثم ماذا يا ظمياء؟

- ثم تنكر أهل العراق لذلك الشريط وقاوموه غيرة على ليلى فلم يعرض في بغداد غير مرات معدودات

- ثم ماذا يا ظمياء؟

ثم لطف الله بليلى فجاء الدكتور زكي مبارك لمداوتها منتدبا من الحكومة المصرية

- وما الرأي يا ظمياء إذا عوفيت ليلى ومرض الطبيب؟

- الأمر يومئذ لله

ليلى، ليلاي

أنت تعلمين أنني تركت في سبيلك وطني وأهلي. أنت تعلمين أن صحتي اعتلت وأنني أعيش على منقوع الفواكه منذ أسابيع وأسابيع. أنت تعلمين ما أنا صائر إليه أن دام هذا الصدود. أنت تعلمين إني ضحية الواجب والعقيدة والوجدان. فما هذا التجني يا ليلى والإحساس ما خنت العروبة ولا كفرت بالحب؟

أحبك يا ليلى، احبك، فاصنعي بقلبي ومصيري ما شئت وشاء الهوى وشاء الدلال

أحبك يا ليلى في غضبك ورضاك. احبك حباً ما سبقني إليه سابق، ولن يلحقني فيه لاحق. أحبك يا ليلى واحب من أجلك جميع ما في الوجود حتى قيظ بغداد. أحبك يا ليلى ورأي وجهك مسطور الملامح والتقاسيم في كل ما تقع عليه عيناني. أحبك واحب من أجلك نعيم الحياة وبؤس الحياة؛ وما احب الحياة لنفسي يا ليلى فقد شبعت منها ورويت، وإنما احب الحياة ليبقى لك في الدنيا محب صادق يرى الضلال في هواك أشرف من الهدى، ويرى الظلام في هواك أكثر إشراقاً من بياض الصباح.

أحبك يا ليلى وأتمنى إلا تحبيني؛ فما يرضيني أن تعاني في الهوى بعض ما أعاني

أنا اكره لك يا معبودتي أن تذوقي ملوحة الدمع، وان تهيمي بعهد نجوم الليل، وان تقفي موقف الجمود أمام الأزهار والأشجار والأنهار فلا تدركين كيف يبتسم الوجود

- ظمياء!

- عيوني! - ظمياء!

- عيوني، دكتور زكي، عيوني!

- خذي بزمامي إلى الجحيم

- وأين الجحيم يا مولاي؟ حماك الله ونحاك!

- أين الجحيم؟ أما تعرفين؟ خذي بزمامي إلى دار ليلى علني أعرف مصيري في هوى تلك الظلوم

- في المساء؟

- في هذه اللحظة

- انتظر حتى أراها وارجع إليك، فان اصطدام العاشقين في فورة الغضب قد يحملك على أن تمن عليها أو تجرها إلى أن تمن عليك، والمن يصنع بالحب ما تصنع أنار بالحلفاء

(للحديث شجون)

زكي مبارك