مجلة الرسالة/العدد 254/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 254/القصص

مجلة الرسالة - العدد 254
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 05 - 1938


كارنا وكونتي

للشاعر الفيلسوف رابندرانات طاغور الهندي

للأديب شكري محمد عياد

(كان لكونتي ملكة (بنداوا) قبل زوجها ولد هو كارنا الذي اصبح في رجولته قائداً لرهط الكيراويين، ولكي تدفع عن نفسها العار هجرته عند مولده فرباه حوذي اسمه اجيرانا)

كارنا - إنني أنا كارنا، ابن الحوذي اجيراتا، أجلس هنا على ضفاف الكنج أعبد الشمس الغاربة، فمن أنت؟

كونتي - إنني أنا المرأة التي فتحت عينيك لأول مرة على هذا النور الذي تعبده

كارنا - لست افهم، ولكن عينيك تصهران قلبي، كما تقبل الشمس ثلجاً على قمة جبل، وصوتك يبعث في حنايا صدري حزناً أعمى، ثوى السر فيه بنجوة من ذكرياتي الأولى. خبريني أيتها المرأة الغريبة، أي لغز يصل مولدي بك؟

كونتي - صبراً جميلاً يا بني. سوف أجيبك حين تنسدل أجفان الظلام على عيون النهار المستطلعة. أما الآن فاعلم إنني كونتي

كارتا - كونتي! أم اريونا؟

كونتي - نعم بلا ريب، أم غريمك اريونا. ولكن لا تبغضني لذلك يا ولدي. إنني ما برحت اذكر يوم السلاح في هاستينا، حين قفزت إلى الحلقة في جرأة وأنت غلام مغمور، فكنت كشعاع الفجر بين نجوم الليل. آه! من كانت تلك المرأة التي قبلت عيناها جسدك العاري الرشيق من خلال دموع كانت تباركك وهي جالسة بين نساء القصر الملكي وراء السجوف؟ كيف؟ لقد كانت أم اريونا! حينذاك برز البرهمي أستاذ السلاح وقال: (ليس شباب وضيع النسب أن يباري اريونا) فوقفت لا تتكلم، كسحابة برق تأتلق عند الغروب بنور مكتوم. ولكن من هي المرأة التي اشتعل قلبها لعارك وغضبك وأرسل في سكون لهيب النار؟ هي أم اريونا؟

رعى الله دريوجانا الذي عرف قدرك، وتوجك ثمة ملكا على الأنجا، فكسب للكرواسي بطلاً. لقد ملأ الفرح قلب اجيراتا، فشق الحشد نحوك، فهرعت إليه وألقيت عند قدميه تاجك، وإذا البنداويون وأصحابهم هازئون ضاحكون. ولكن امرأة واحدة من بيت البنداوييت توهج قلبها فرحا بما في تواضعك من كبرياء البطولة - لقد كانت أيضاً أم اريونا!

كارنا - ولكن ماذا جاء بك هنا وحدك يا أم الملوك؟

كونتي - لقد جئت أسألك معروفا

كارانا - مريني، وأيما سمحت رجولتي وشرفي الشاتري فسوف القيه عند قدميك.

كونتي - لقد جئت لأخذك

كارنا - إلى أين؟

كونتي - إلى صدري الظامئ لحبك يا بني

كارنا - أيتها الأم السعيدة بخمسة ملوك أشاوس؛ كيف تجدين في قلبك متسعاً لحبي وما أنا إلا قائد وضيع النسب؟

كونتي - إن مكانك فيه قبل كل أبنائي

كارنا - ولكن بأي حق احتله؟

كونتي - بحقك الموهوب من لدن الله في حب أمك

كارنا - ها هي ذي غبشة المساء تنتشر على الأرض، والسكون يرين على الماء، وصوتك يرجع بي إلى دنيا من الطفولة تتناهى في الذكريات. فليكن هذا حلماً، أو فليكن شعاعاً من حقيقة منسية، ولكن تعالي وضعي يمناك على جبيني. إن الناس يتناقلون أن أمي هجرتني. وكم من ليلة زارتني في نومي، ولكن حين كنت أصيح بها: (ارفعي عنك القناع، أريني محياك!) كان شبحها دوماً يتلاشى. فهل زارني الليلة عين ذلك الحلم وأنا يقظان؟ انظري! هاك المصابيح تلوح عن بعد وراء النهر مضاءة في خيام ابنك؛ وعلى هذه الضفة خيام أصحابي الكيرويين كأمواج عاصفة في البحر علقها ساحر. لماذا يجيئني صوت أم غريمي اريونا برسالة من الأمومة المنسية، في رهبة هذا المرج حيث يدوي طنين معركة الغد؟ ولماذا يسكب لسانها في اسمي هذه الموسيقى فيجتذبني إليه والى اخوته؟

كونتي - أذن فلا تتريث يا بني، تعال معي! كارنا - اجل، سوف أجئ ولن أسألك سؤالا، فلا تساورك إذن ريبة. إن روحي تستجيب لندائك، والكفاح في سبيل النصر والذكر ونار الشنآن قد عادت أمام عيني أوهاماً وضلالات؛ كما يتلاشى هُذاءَ الليل في جلال الفجر. خبريني أنىَّ تقودينني؟

كونتي - إلى الضفة الأُخرى من النهر حيث تشتعل هذه المصابيح في شحوب الرمال المروع

كارنا - أوَسوف أجد هناك حتى الأبد أمي المفقودة؟

كونتي - آه يا بني!

كارنا - إذن فلماذا طردتني شريداً جث من أرض أجداده، صعلوكاً يرجحن في تيار من الخزيان؟ لماذا ضربت بيني وبين اريونا هوة لا تجتاز، ورددت أزكى ميول الدم إلى أنكى عواطف البغضاء؟ إنك تبقين صامتة. إن عارك يسري في الظلام البعيد ويبعث في أطرافي رعدة لا ترى. أبداً لا تذكري لي ما جعلك تسلبين ولدك حب أمه: ولكن خبريني لماذا جئت اليوم تسترجعينني إلى أطلال سماء ثللت عروشها بيديك؟

كونتي - إن لعنة تحل عليّ هي اشق من لومك. إني وإن تكنفني خمسة أبناء ليرفرف قلبي كقلب أم حرمت بنيها؛ ومن هذا الجرح الذي انشق على أول أبنائي، ولّت كل مسرات حياتي. في ذلك اليوم اللعين حين خنت أمومتي، لم تكن أنت تستطيع أن تفوه بكلمة. واليوم تضرع إليك أمك الغادرة أن تمنحها من لدنك ألفاظاً كريمة. دع غفرانك يحرق قلبها كالنار ويلهم خطيئته.

كارنا - أماه، تقبلي مني دموعي؟

كونتي - ما كان أملى من المجيء أن أعيدك إلى ذراعي، بل لأعيد إليك حقوقك. تعال وتقبل كابن ملك مكانك بين أخوتك

كارنا - إنه أحب إليّ أن أكون ابن حوذي. إني لا أتوق إلى مجد نسب أعظم من نسبه

كونتي - فليكن ذلك كما تريد. ولكن تعال واسترجع مملكتك فهي حقك!

كارنا - أتعزينني بمملكة وأنت التي استكثرت على حب أم؟ إن صلة الرحم التي اجتثت جذورها قد ماتت، ولن تستطيع أن تحيا مرة أُخرى. لي العار إن أنا ناديت أم الملوك أماً، ونبذت أمي في بيت الحوذي! كونتي - أنت عظيم يا بني! لكم ينمو قصاص الله من بذرة ضئيلة إلى حياة حافلة! ها هو ذا الوليد الذي نبذته أمه يعود فينبعث من ظلام الحادثات رجلاً يسحق اخوته

كارنا - أماه لا تخشي شيئاً! إني لعلى يقين من أن النصر للبنداويين، وفي هذا الليل الهادئ الساجي يمتلئ قلبي بموسيقى من المغامرة اليائسة والنهاية الغامضة. لا تسأليني أن انسل من بين أولئك الذين حقت عليهم الهزيمة؛ فليكسب البنداويون العرش إذا لم يكن من ذلك بد، ولأبعد أنا مع اليائسين والمحزونين. لقد تركتني للخزي ليلة ميلادي، عارياً غير مسمى؛ فاتركيني مرة أُخرى بغير شفقة انتظر الهزيمة والموت في هدوء!

شكري محمد عياد